إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب

المملكة العربية السعودية مُقبلة على أعتاب مرحلة جديدة كليًّا، مرحلة تتسم بالعمل الجاد، والتفكير من خارج الصندوق، والقدرة على الإبداع والابتكار، ومن ثم الاختراع.. وهو الطريق الوحيد الذي يضمن لنا البقاء في صدارة المشهد. ولن يتحقق هذا الأمر بالكلام والأمنيات فحسب، وإنما بالرغبة الحقيقية في عمل شيء مختلف ومغاير لما سبق، وبالإصرار على إيجاد أجيال متعلمة وواعية، تدرك أن آلية الأمس لا تصلح اليوم، وأن الإبقاء على ما نحن فيه دون تغيير حقيقي معناه التوقف مبكرًا.

مجتمعنا السعودي مجتمع شاب، مليء بالطموح والآمال والتطلعات لإيجاد مستقبل أفضل، وهذا في حد ذاته فرصة من ذهب.. ففي كل مرة تُعلَن فيها جوائز نوبل في العلوم كنت أتساءل: لماذا لا يوجد سعودي واحد ضمن الفائزين؟ ثم سرعان ما أجيب عن السؤال بأن "التعليم" هو المسؤول عن صناعة المبدعين والعلماء. ولا أقصد بكلامي التعليم الجامعي فحسب، وإنما أقصد التعليم ما دون الجامعي، بدءًا من مرحلة الحضانة، مرورًا بالابتدائية، ثم المتوسطة فالثانوية. وهي المراحل التي نكتشف فيها الموهوبين من الطلاب. وبجانب التعليم لا بد أن تكون لدينا آلية نموذجية لاكتشاف المواهب.

أصابني الاندهاش عندما علمتُ أن الجهات الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية تُلزم العلماء من حَمَلة جائزة نوبل، ومعهم المبتكرون والمبدعون والرؤساء التنفيذيون للشركات العملاقة، بالجلوس بشكل دوري مع طلاب المرحلة الابتدائية للحديث معهم، والتعرف على أفكارهم وطموحاتهم، وتحفيزهم على الابتكار. ونحن في السعودية نعتقد أن طلاب الابتدائية يكفيهم معلمون ومعلمات "تقليديون جدًّا"!! واندهشت أكثر عندما عرفتُ أن الشركات العملاقة هناك لديها "كشافون"، وظيفتهم البحث عن الطلاب المبدعين في المدارس والجامعات، والمبادرة بتبني مواهبهم، وتهيئة المجال لهم للتفكير العلمي، والإبداع. أما نحن فلدينا "كشافون"، ولكن في مجال كرة القدم فقط، يكتشفون المواهب الكروية للانضمام إلى الأندية.

في الغرب تسخِّر الشركات إمكاناتها البشرية والمالية للمبدعين والمبتكرين لديها؛ إذ يأتون بهم، ويُجلسونهم في غرف مغلقة ومعامل، ويطلبون منهم التفكير والنقاش، وإجراء البحث العلمي، ومن ثم يرشد هؤلاء المبدعون الشركات، ويوجهونها لما ينبغي عمله لرسم ملامح المستقبل. ولدينا ينبغي على المبدع أن يكون مطيعًا لرؤسائه، وأن ينفذ التعليمات والتوجيهات بحذافيرها، وإلا واجه التجاهل، وربما العقاب.

أقول ما سبق أن ذكرته في مقال سابق بأن السعودية لديها كل الإمكانات البشرية والمادية لصناعة جيل كامل من المخترعين؛ فهي تنفق نحو ثلث الميزانية العامة على التعليم وحده، فضلاً عن كون البلاد مليئة بأصحاب العقول النيرة والمبدعة، سواء في المدارس أو الجامعات؛ وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب، والتوصل إلى آلية جديدة، تنظر إلى المبدع والمخترع على أنه ثروة وطنية، تجاهلها جريمة؛ تستوجب العقاب.

اعلان
إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب
سبق

المملكة العربية السعودية مُقبلة على أعتاب مرحلة جديدة كليًّا، مرحلة تتسم بالعمل الجاد، والتفكير من خارج الصندوق، والقدرة على الإبداع والابتكار، ومن ثم الاختراع.. وهو الطريق الوحيد الذي يضمن لنا البقاء في صدارة المشهد. ولن يتحقق هذا الأمر بالكلام والأمنيات فحسب، وإنما بالرغبة الحقيقية في عمل شيء مختلف ومغاير لما سبق، وبالإصرار على إيجاد أجيال متعلمة وواعية، تدرك أن آلية الأمس لا تصلح اليوم، وأن الإبقاء على ما نحن فيه دون تغيير حقيقي معناه التوقف مبكرًا.

مجتمعنا السعودي مجتمع شاب، مليء بالطموح والآمال والتطلعات لإيجاد مستقبل أفضل، وهذا في حد ذاته فرصة من ذهب.. ففي كل مرة تُعلَن فيها جوائز نوبل في العلوم كنت أتساءل: لماذا لا يوجد سعودي واحد ضمن الفائزين؟ ثم سرعان ما أجيب عن السؤال بأن "التعليم" هو المسؤول عن صناعة المبدعين والعلماء. ولا أقصد بكلامي التعليم الجامعي فحسب، وإنما أقصد التعليم ما دون الجامعي، بدءًا من مرحلة الحضانة، مرورًا بالابتدائية، ثم المتوسطة فالثانوية. وهي المراحل التي نكتشف فيها الموهوبين من الطلاب. وبجانب التعليم لا بد أن تكون لدينا آلية نموذجية لاكتشاف المواهب.

أصابني الاندهاش عندما علمتُ أن الجهات الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية تُلزم العلماء من حَمَلة جائزة نوبل، ومعهم المبتكرون والمبدعون والرؤساء التنفيذيون للشركات العملاقة، بالجلوس بشكل دوري مع طلاب المرحلة الابتدائية للحديث معهم، والتعرف على أفكارهم وطموحاتهم، وتحفيزهم على الابتكار. ونحن في السعودية نعتقد أن طلاب الابتدائية يكفيهم معلمون ومعلمات "تقليديون جدًّا"!! واندهشت أكثر عندما عرفتُ أن الشركات العملاقة هناك لديها "كشافون"، وظيفتهم البحث عن الطلاب المبدعين في المدارس والجامعات، والمبادرة بتبني مواهبهم، وتهيئة المجال لهم للتفكير العلمي، والإبداع. أما نحن فلدينا "كشافون"، ولكن في مجال كرة القدم فقط، يكتشفون المواهب الكروية للانضمام إلى الأندية.

في الغرب تسخِّر الشركات إمكاناتها البشرية والمالية للمبدعين والمبتكرين لديها؛ إذ يأتون بهم، ويُجلسونهم في غرف مغلقة ومعامل، ويطلبون منهم التفكير والنقاش، وإجراء البحث العلمي، ومن ثم يرشد هؤلاء المبدعون الشركات، ويوجهونها لما ينبغي عمله لرسم ملامح المستقبل. ولدينا ينبغي على المبدع أن يكون مطيعًا لرؤسائه، وأن ينفذ التعليمات والتوجيهات بحذافيرها، وإلا واجه التجاهل، وربما العقاب.

أقول ما سبق أن ذكرته في مقال سابق بأن السعودية لديها كل الإمكانات البشرية والمادية لصناعة جيل كامل من المخترعين؛ فهي تنفق نحو ثلث الميزانية العامة على التعليم وحده، فضلاً عن كون البلاد مليئة بأصحاب العقول النيرة والمبدعة، سواء في المدارس أو الجامعات؛ وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب، والتوصل إلى آلية جديدة، تنظر إلى المبدع والمخترع على أنه ثروة وطنية، تجاهلها جريمة؛ تستوجب العقاب.

09 يوليو 2019 - 6 ذو القعدة 1440
09:25 PM

إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب

ماجد البريكان - الرياض
A A A
0
360

المملكة العربية السعودية مُقبلة على أعتاب مرحلة جديدة كليًّا، مرحلة تتسم بالعمل الجاد، والتفكير من خارج الصندوق، والقدرة على الإبداع والابتكار، ومن ثم الاختراع.. وهو الطريق الوحيد الذي يضمن لنا البقاء في صدارة المشهد. ولن يتحقق هذا الأمر بالكلام والأمنيات فحسب، وإنما بالرغبة الحقيقية في عمل شيء مختلف ومغاير لما سبق، وبالإصرار على إيجاد أجيال متعلمة وواعية، تدرك أن آلية الأمس لا تصلح اليوم، وأن الإبقاء على ما نحن فيه دون تغيير حقيقي معناه التوقف مبكرًا.

مجتمعنا السعودي مجتمع شاب، مليء بالطموح والآمال والتطلعات لإيجاد مستقبل أفضل، وهذا في حد ذاته فرصة من ذهب.. ففي كل مرة تُعلَن فيها جوائز نوبل في العلوم كنت أتساءل: لماذا لا يوجد سعودي واحد ضمن الفائزين؟ ثم سرعان ما أجيب عن السؤال بأن "التعليم" هو المسؤول عن صناعة المبدعين والعلماء. ولا أقصد بكلامي التعليم الجامعي فحسب، وإنما أقصد التعليم ما دون الجامعي، بدءًا من مرحلة الحضانة، مرورًا بالابتدائية، ثم المتوسطة فالثانوية. وهي المراحل التي نكتشف فيها الموهوبين من الطلاب. وبجانب التعليم لا بد أن تكون لدينا آلية نموذجية لاكتشاف المواهب.

أصابني الاندهاش عندما علمتُ أن الجهات الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية تُلزم العلماء من حَمَلة جائزة نوبل، ومعهم المبتكرون والمبدعون والرؤساء التنفيذيون للشركات العملاقة، بالجلوس بشكل دوري مع طلاب المرحلة الابتدائية للحديث معهم، والتعرف على أفكارهم وطموحاتهم، وتحفيزهم على الابتكار. ونحن في السعودية نعتقد أن طلاب الابتدائية يكفيهم معلمون ومعلمات "تقليديون جدًّا"!! واندهشت أكثر عندما عرفتُ أن الشركات العملاقة هناك لديها "كشافون"، وظيفتهم البحث عن الطلاب المبدعين في المدارس والجامعات، والمبادرة بتبني مواهبهم، وتهيئة المجال لهم للتفكير العلمي، والإبداع. أما نحن فلدينا "كشافون"، ولكن في مجال كرة القدم فقط، يكتشفون المواهب الكروية للانضمام إلى الأندية.

في الغرب تسخِّر الشركات إمكاناتها البشرية والمالية للمبدعين والمبتكرين لديها؛ إذ يأتون بهم، ويُجلسونهم في غرف مغلقة ومعامل، ويطلبون منهم التفكير والنقاش، وإجراء البحث العلمي، ومن ثم يرشد هؤلاء المبدعون الشركات، ويوجهونها لما ينبغي عمله لرسم ملامح المستقبل. ولدينا ينبغي على المبدع أن يكون مطيعًا لرؤسائه، وأن ينفذ التعليمات والتوجيهات بحذافيرها، وإلا واجه التجاهل، وربما العقاب.

أقول ما سبق أن ذكرته في مقال سابق بأن السعودية لديها كل الإمكانات البشرية والمادية لصناعة جيل كامل من المخترعين؛ فهي تنفق نحو ثلث الميزانية العامة على التعليم وحده، فضلاً عن كون البلاد مليئة بأصحاب العقول النيرة والمبدعة، سواء في المدارس أو الجامعات؛ وهذا يدعونا إلى إعادة النظر في آلية اكتشاف المواهب، والتوصل إلى آلية جديدة، تنظر إلى المبدع والمخترع على أنه ثروة وطنية، تجاهلها جريمة؛ تستوجب العقاب.