حراج التشهير بالناس

عندما تضبط الشرطة مجرماً أو حتى تشكيلاً عصابياً بالجرم المشهود، فإنها تكتفي بتصوير مقفاهم من الخلف، وحين يعترفون بالتهم الموجهة إليهم خلال مرحلة التحقيق بالنيابة العامة، فإن وسائل الإعلام تحرص على تظليل وجوههم عند إذاعة الخبر أو نشر بيان واقعتهم، وحتى عندما يحكم القاضي عليهم بالعقوبة المغلظة لفظاعة جرمهم، فإنه يتجنب تضمين الصك فقرة التشهير بأسمائهم وصورهم، إما لعدم وجود سند شرعي أو نظامي يدعمه، أو لتعدي هذه العقوبة القاسية إلى سمعة ومستقبل بقية أفراد عائلاتهم، والذين لا ذنب لهم.

أما المحاكمات الهمجية التي تقام اليوم بمواقع التواصل، فهي أشبه ما تكون بـ(الحراج) الذي يتسابق فيه (الشريطية) بالاتفاق مع الوسطاء والسماسرة؛ لفتح المزاد، وعرض سمعة الناس تحت الميكروفون؛ قرّب يا ولد قرّب؛ هذا الإنسان توه واقع بخطأ، لسا بقراطيسه، مين يفضحه أكثر؟! مين يفتح السوم؟! هاه!! ألف وخمسمائة، ألفان، ثلاثة آلاف ريتويت وفولو، هاه، نقول مبروك، مبروك، ولا أحد بيزيد الفضيحة أكثر؟!!

هذا السباق المحموم بفضح الناس والنيل من سمعتهم بكل بجاحة مثير للاشمئزاز والشفقة، ليس لأنه يكشف عيوب وأعراض الناس، بل لأنه يكشف أيضاً مدى الثقافة الضحلة والعاهة المستديمة لأولئك المشهرين، ولأنه أيضاً ينحرف كلياً بالغاية الحضارية للسوشيال ميديا الداعية لحرية الرأي والتعبير بشتى مناحي الحياة؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، مما يعمق الفكرة المتأصلة منذ عقود بأن العرب ليسوا أهلاً للحرية، ولا ينفع معهم سوى الضرب بيد من حديد، حتى يعرف الواحد منهم حدوده التي تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين.

إن التشهير بالآخرين والإساءة لسمعتهم جريمة إلكترونية قد تكلف مرتكبها السجن سنة وغرامة نصف مليون ريال، لكن هذه العقوبة القاسية جداً لم تكن رادعة بما يكفي، لهذا أقترح لتفعيلها مع كل مسيء إنشاء (محكمة الجرائم المعلوماتية)، على أن تجري جلساتها ومرافعاتها الابتدائية عبر الجوال والأجهزة المحمولة، وتصنيفها من القضايا المستعجلة؛ لأنه من غير المعقول أن تنتشر شائعة أو فضيحة الشخص بكل مواقع التواصل الاجتماعي، وتنقلب حياته رأساً على عقب في أقل من ساعة، بينما يحتاج لأشهر طويلة حتى يقاضي المجرم ويرد اعتباره!!

للمعلومية فإن عقوبة التشهير أو الإساءة في بلادنا لا تسقط عن مرتكبها حتى لو ثبتت المخالفة المنسوبة إلى الشخص المشهّر به؛ لأن التشهير لا يجوز إلا بموجب حكم قضائي ينص صراحة عليه، كما أن التشهير لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل يتعداه للأسماء التجارية، والتي يكون التعويض فيها أكبر متى كان التشهير مبيتاً من قبل منافسيه للإضرار بسمعته.

نعم كلنا مسؤول، ولكن هناك إجراءات قانونية يجب على المبلغ اتباعها أمام الجهة المختصة؛ حتى لا ينشط (حراج التشهير بالناس) بعرض الشائعات والإساءات المقلدة بما يزيد من ثروة الشريطية المنتفعين ويلحق الأضرار الجسيمة ليس بالشخص المشهر به فقط، بل بسمعة مجتمعنا المسلم بأسره!!

أحمد عجب
اعلان
حراج التشهير بالناس
سبق

عندما تضبط الشرطة مجرماً أو حتى تشكيلاً عصابياً بالجرم المشهود، فإنها تكتفي بتصوير مقفاهم من الخلف، وحين يعترفون بالتهم الموجهة إليهم خلال مرحلة التحقيق بالنيابة العامة، فإن وسائل الإعلام تحرص على تظليل وجوههم عند إذاعة الخبر أو نشر بيان واقعتهم، وحتى عندما يحكم القاضي عليهم بالعقوبة المغلظة لفظاعة جرمهم، فإنه يتجنب تضمين الصك فقرة التشهير بأسمائهم وصورهم، إما لعدم وجود سند شرعي أو نظامي يدعمه، أو لتعدي هذه العقوبة القاسية إلى سمعة ومستقبل بقية أفراد عائلاتهم، والذين لا ذنب لهم.

أما المحاكمات الهمجية التي تقام اليوم بمواقع التواصل، فهي أشبه ما تكون بـ(الحراج) الذي يتسابق فيه (الشريطية) بالاتفاق مع الوسطاء والسماسرة؛ لفتح المزاد، وعرض سمعة الناس تحت الميكروفون؛ قرّب يا ولد قرّب؛ هذا الإنسان توه واقع بخطأ، لسا بقراطيسه، مين يفضحه أكثر؟! مين يفتح السوم؟! هاه!! ألف وخمسمائة، ألفان، ثلاثة آلاف ريتويت وفولو، هاه، نقول مبروك، مبروك، ولا أحد بيزيد الفضيحة أكثر؟!!

هذا السباق المحموم بفضح الناس والنيل من سمعتهم بكل بجاحة مثير للاشمئزاز والشفقة، ليس لأنه يكشف عيوب وأعراض الناس، بل لأنه يكشف أيضاً مدى الثقافة الضحلة والعاهة المستديمة لأولئك المشهرين، ولأنه أيضاً ينحرف كلياً بالغاية الحضارية للسوشيال ميديا الداعية لحرية الرأي والتعبير بشتى مناحي الحياة؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، مما يعمق الفكرة المتأصلة منذ عقود بأن العرب ليسوا أهلاً للحرية، ولا ينفع معهم سوى الضرب بيد من حديد، حتى يعرف الواحد منهم حدوده التي تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين.

إن التشهير بالآخرين والإساءة لسمعتهم جريمة إلكترونية قد تكلف مرتكبها السجن سنة وغرامة نصف مليون ريال، لكن هذه العقوبة القاسية جداً لم تكن رادعة بما يكفي، لهذا أقترح لتفعيلها مع كل مسيء إنشاء (محكمة الجرائم المعلوماتية)، على أن تجري جلساتها ومرافعاتها الابتدائية عبر الجوال والأجهزة المحمولة، وتصنيفها من القضايا المستعجلة؛ لأنه من غير المعقول أن تنتشر شائعة أو فضيحة الشخص بكل مواقع التواصل الاجتماعي، وتنقلب حياته رأساً على عقب في أقل من ساعة، بينما يحتاج لأشهر طويلة حتى يقاضي المجرم ويرد اعتباره!!

للمعلومية فإن عقوبة التشهير أو الإساءة في بلادنا لا تسقط عن مرتكبها حتى لو ثبتت المخالفة المنسوبة إلى الشخص المشهّر به؛ لأن التشهير لا يجوز إلا بموجب حكم قضائي ينص صراحة عليه، كما أن التشهير لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل يتعداه للأسماء التجارية، والتي يكون التعويض فيها أكبر متى كان التشهير مبيتاً من قبل منافسيه للإضرار بسمعته.

نعم كلنا مسؤول، ولكن هناك إجراءات قانونية يجب على المبلغ اتباعها أمام الجهة المختصة؛ حتى لا ينشط (حراج التشهير بالناس) بعرض الشائعات والإساءات المقلدة بما يزيد من ثروة الشريطية المنتفعين ويلحق الأضرار الجسيمة ليس بالشخص المشهر به فقط، بل بسمعة مجتمعنا المسلم بأسره!!

22 إبريل 2020 - 29 شعبان 1441
05:23 PM
اخر تعديل
30 أكتوبر 2020 - 13 ربيع الأول 1442
09:34 AM

حراج التشهير بالناس

أحمد عجب - الرياض
A A A
4
2,532

عندما تضبط الشرطة مجرماً أو حتى تشكيلاً عصابياً بالجرم المشهود، فإنها تكتفي بتصوير مقفاهم من الخلف، وحين يعترفون بالتهم الموجهة إليهم خلال مرحلة التحقيق بالنيابة العامة، فإن وسائل الإعلام تحرص على تظليل وجوههم عند إذاعة الخبر أو نشر بيان واقعتهم، وحتى عندما يحكم القاضي عليهم بالعقوبة المغلظة لفظاعة جرمهم، فإنه يتجنب تضمين الصك فقرة التشهير بأسمائهم وصورهم، إما لعدم وجود سند شرعي أو نظامي يدعمه، أو لتعدي هذه العقوبة القاسية إلى سمعة ومستقبل بقية أفراد عائلاتهم، والذين لا ذنب لهم.

أما المحاكمات الهمجية التي تقام اليوم بمواقع التواصل، فهي أشبه ما تكون بـ(الحراج) الذي يتسابق فيه (الشريطية) بالاتفاق مع الوسطاء والسماسرة؛ لفتح المزاد، وعرض سمعة الناس تحت الميكروفون؛ قرّب يا ولد قرّب؛ هذا الإنسان توه واقع بخطأ، لسا بقراطيسه، مين يفضحه أكثر؟! مين يفتح السوم؟! هاه!! ألف وخمسمائة، ألفان، ثلاثة آلاف ريتويت وفولو، هاه، نقول مبروك، مبروك، ولا أحد بيزيد الفضيحة أكثر؟!!

هذا السباق المحموم بفضح الناس والنيل من سمعتهم بكل بجاحة مثير للاشمئزاز والشفقة، ليس لأنه يكشف عيوب وأعراض الناس، بل لأنه يكشف أيضاً مدى الثقافة الضحلة والعاهة المستديمة لأولئك المشهرين، ولأنه أيضاً ينحرف كلياً بالغاية الحضارية للسوشيال ميديا الداعية لحرية الرأي والتعبير بشتى مناحي الحياة؛ الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، مما يعمق الفكرة المتأصلة منذ عقود بأن العرب ليسوا أهلاً للحرية، ولا ينفع معهم سوى الضرب بيد من حديد، حتى يعرف الواحد منهم حدوده التي تنتهي حين تبدأ حرية الآخرين.

إن التشهير بالآخرين والإساءة لسمعتهم جريمة إلكترونية قد تكلف مرتكبها السجن سنة وغرامة نصف مليون ريال، لكن هذه العقوبة القاسية جداً لم تكن رادعة بما يكفي، لهذا أقترح لتفعيلها مع كل مسيء إنشاء (محكمة الجرائم المعلوماتية)، على أن تجري جلساتها ومرافعاتها الابتدائية عبر الجوال والأجهزة المحمولة، وتصنيفها من القضايا المستعجلة؛ لأنه من غير المعقول أن تنتشر شائعة أو فضيحة الشخص بكل مواقع التواصل الاجتماعي، وتنقلب حياته رأساً على عقب في أقل من ساعة، بينما يحتاج لأشهر طويلة حتى يقاضي المجرم ويرد اعتباره!!

للمعلومية فإن عقوبة التشهير أو الإساءة في بلادنا لا تسقط عن مرتكبها حتى لو ثبتت المخالفة المنسوبة إلى الشخص المشهّر به؛ لأن التشهير لا يجوز إلا بموجب حكم قضائي ينص صراحة عليه، كما أن التشهير لا يقتصر على الأشخاص الطبيعيين، بل يتعداه للأسماء التجارية، والتي يكون التعويض فيها أكبر متى كان التشهير مبيتاً من قبل منافسيه للإضرار بسمعته.

نعم كلنا مسؤول، ولكن هناك إجراءات قانونية يجب على المبلغ اتباعها أمام الجهة المختصة؛ حتى لا ينشط (حراج التشهير بالناس) بعرض الشائعات والإساءات المقلدة بما يزيد من ثروة الشريطية المنتفعين ويلحق الأضرار الجسيمة ليس بالشخص المشهر به فقط، بل بسمعة مجتمعنا المسلم بأسره!!