الوطنية في زمن صراع الحضارات

ما هي الوطنية؟ سؤال قد يبدو سهل الإجابة؛ لكنه في الحقيقة صعبها!!

ذلك أن مصطلح الوطنية من أكثر المصطلحات حاجة إلى الدراسة والتحليل ومن ثم التطبيق، بالنظر إلى كون الانتماء حاجة متأصلة في طبيعة النفس البشرية؛ فإنسان من غير وطن ضائع، ووطن من غير إنسان مهجور.

لذا تعددت مفاهيم الوطنية وتعريفاتها؛ فمنها ما يحمل معنى عاطفياً وانتماء وجدانياً للمكان الذي ألِفه الإنسان، ومنها ما يحمل معنى فكرياً يفضل فيه الميل للمكان الذي توافق سياسته التوجهات الأيديولوجية للإنسان، ومنها ما يؤسس لمعنى قانوني يعبر عن واجبات المواطن وحقوقه تجاه وطنه كيفما كانت سياسته وأيديولوجيته.

لكن الوطنية في مفهومها الصحيح؛ هي أن تظل غيوراً وأميناً على مبادئ دينك، وفياً لها، مساهماً في مسيرة بناء وطنك، مدافعاً عنه، واقفاً كالإعصار ضد كل من يحاول النيل منه؛ لأن الوطنية قبل كل شيء تعبير اجتماعي لعملية انتماء وعطاء الإنسان للوطن الذي يعيش فيه وللدين الذي يدين به؛ ذلك أن علماء الاجتماع يرون أن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة، هذا التضامن الذي يكون بمثابة حاجز يحول دون تآكل المعاني المشتركة والمعتقدات (المذاهب) الدينية التي تجمع أفراد المجتمع فيما بينهم وتصهرهم في قالب واحد يشكل الوطن؛ الأمر الذي يجعلهم يتفادون الأنانية والفردية المادية المفرطة التي تمثل معول هدم لمقومات المواطنة؛ فبتفادي هذه الفردية نضمن بناء المجتمع وتطوره.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقول إن الوطنية، بطبيعتها العامة، يجب أن تشتمل على التعددية الفكرية دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة؛ بل الواجب أن تؤدي إلى التلاقح الثقافي الفكري، وهذا ما يجعل الوطنية عبارة عن مزيج من القيم الأخلاقية السياسية والقيم السلوكية الاجتماعية على تنوعها واختلافها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينها؛ لأن مفهومها يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية المقيد بحدود الزمان والمكان.

من هذه النظرة الشاملة لمعنى الوطنية يتجلى مفهوم الحضارة الذي أسسه المفكر الجزائري "مالك بن نبي" صاحب الاتجاه الفكري الإصلاحي المبني على نظرته الخاصة للحضارة؛ لكونها نظرة جعلته يتميز في عالم الفكر والمعرفة، ويعتبر رائداً لهذا الاتجاه الفكري؛ حيث لم يسبقه إليه غيره في العالم الإسلامي المعاصر؛ ذلك أنه يعتبر بمثابة أول مفكر إصلاحي عربي جعل «الحضارة» وحدة تحليل.

وقد صاغ نظرية الحضارة على شكل معادلة رياضية مشكلة من ثلاثة عناصر أساسية لا غنى لأحدها عن الآخر؛ فجعل الحضارة عبارة عن تفاعل هذه العناصر مع بعضها، وهي: الإنسان، التراب، والزمن.

لقد سعى مالك بن نبي إلى ترسيخ أهمية هذه العناصر الثلاثة؛ فجعلها بناء متكاملاً لكل مجتمع حريص على الوصول إلى التحضر الذي تنشده كل الأمم؛ ذلك لأن الإنسان وحدة اجتماعية وليست انفرادية، باعتباره محور الفاعلية في حركة الحضارة الإنسانية، لتميزه بالعقل الفكري وتكوينه الثقافي الذي استمده من بيئته الحضارية كما قال: "فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة هو في أساسه في تفكير في مشكلة الحضارة".

الأمر الذي جعله يربط بين الإنسان والثقافة، ويجعلها الركيزة الرئيسية في بناء شخصيته؛ لكونها الرحم الذي تنمو فيه أفكاره وتطلعاته، وتتحد فيه قيمه وأهدافه؛ لذا فهو يرى أن الثقافة التي تقوم على أساس إسلامي هي التي تحقق التوازن في داخل الإنسان وتعلمه كيف ينخرط في الجماعة كي يؤدي دوره من خلاله بشكل متكامل، ومن ثم فإن إصلاح الثقافة يعني إصلاح الفرد والمجتمع.

أما التراب فليس المقصود به عند "مالك بن نبي" خصائصه الجيولوجية المكونة له؛ وإنما المقصود به البحث في قيمته الاجتماعية بكونه عاملاً من عوامل النهضة الحضارية، فكلما ارتفعت قيمة الأمة وتقدمت حضارتها ارتفعت قيمة التراب، وكلما تخلفت الأمة أصبح ترابها على قدرها من الانحطاط.

من هنا يرى أن التراب من ناحية يتصل بالإنسان في صورة الملكية للأرض؛ فيكون شيئاً حيوياً، أما من ناحية أخرى فإنه يتصل بالإنسان من الجانب العلمي والسيطرة الفنية.

أما الزمن فينظر إليه مالك بن نبي من زاوية كونه ذا قيمة معتبرة في حياة الإنسان؛ حيث يرجع ازدهار الحضارة الإسلامية السابقة بسرعة مذهلة إلى تقديس المسلمين للوقت آنذاك؛ لذا فهو يرى أن من واجب الإنسان اغتنام الفرص من الحياة من أجل العطاء والعمل المثمر، فإدراك قيمة الوقت فرداً وجماعة هو إدراك لقيمته التي لا تعوض؛ فهو العملة الوحيدة التي لا تُسترد إن ضاعت، أو كما قال: "إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع وأن يجدها المرء بعد ضياعها؛ ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة ولا أن تستعيدها إذا مضت".

كل هذا يجرنا إلى استخلاص التصور الثقافي للوطنية باعتبارها مجموعة من الأفكار والقيم المرتبطة بثوابت الزمان والمكان المؤسسة وفق مستويين هما:

أ) مستوى العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي في زمن معين.

ب) مستوى العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي في زمن معين.

ويمكننا أن نلاحظ بعدها أن تطور المستوى الثاني يعتمد اعتماداً كلياً على تطور المستوى الأول؛ ذلك أن الفرد إذا حافظ على اتزان حبه وانتمائه لوطنه وأهله؛ فإنه من الطبيعي أن يحافظ على ذلك بالنسبة للأمة التي ينتمي إليها، بل والعالم أجمع.

ولم يغفل ولاة أمرنا عن أهمية الحضارة في تجسيد الوطنية في مجتمعنا منذ قيام وطني المملكة العربية السعودية؛ فقد حرصت مملكتنا خلال مسيرتها التاريخية على تعبئة المواطن، تعبئةً موجهة نحو الولاء للوطن ولأركان وأجهزة الدولة الناشئة، وقد كانت هذه التنشئة سليمة وموجهة حمت المواطن السعودي من الكثير من الانزلاقات التي عاشتها وتعيشها دول العالم الأخرى، العربية منها والأجنبية، وهذه التنشئة علّمتنا الوطنية بالخبرة والتطبيق؛ برغم أنها كانت تقليدية اقتصرت على مظاهر بسيطة وبشكل أخص في مجال التعليم، ذلك المجال الذي يقتصر على تعليم الطلاب والتلاميذ قيم الولاء للوطن في إطار زماني ومكاني محدد، تمثلت صوره في أمور عدة، كنا نراها ونحن صغاراً شكلية وبسيطة، حين كنا نؤدي تحية العلم في المرحلة الابتدائية، وبعدها (النشيد الوطني) كل صباح في المدارس، فكنا نضحك بين جنباتنا لذلك؛ لأننا لم نكن ندرك أهمية ذلك، كما لم نكن ندرك خطورة محاولة تبديل ألوان العلم أو الشعار (السيفين والنخلة) حين كنا نؤمر برسمهما في حصص التربية الفنية والنشاطات اللاصفية، فكنا نعاقب أشد عقاب على ذلك دون معرفة السبب، فكبرنا وكبرت معنا تلك الذكريات، وفهمنا بعدها عمقها، كما فهمنا مدى قيمة الوقوف وقفة إجلال للعلم، وفهمنا معنى ألا نمس ألوان العلم أو الشعار باعتبارهما رمزاً من رموز مملكتنا؛ مما يعني رمزاً من رموز هويتنا وكينونتنا وشخصيتنا ومن ثم وجودنا.

لكن المتتبع لواقع المجتمع السعودي ومسيرته؛ يجد أن الوطنية السعودية تواجه في الوقت الراهن تحدياً كبيراً في ظل الموجات العالمية من التغريب والعولمة وصراع الحضارات، وهي في أشد الحاجة إلى مجهودات وأطروحات رجال العلم والثقافة وعلماء الدين والاجتماع والسياسة من أبناء الوطن؛ للعمل في إطار جماعي من أجل وضع شروط جديدة للتناغم والتكامل في بنية الوطنية السعودية؛ فنحن مجتمع مفتوح على الجميع، التكنولوجيا الجديدة جعلتنا في قلب العالم؛ بل وجعلت العالم في قلب السعودية.. المتغيرات كثيرة والموازنة بين ما هو موجود وما يجب أن يكون موازنة دقيقة.

لذا فهذه التعبئة التي انطلقت فيها مملكتنا (مملكة الإنسانية) منذ نشأتها، تحتاج إلى جهود ومشروعات متعددة لاستيعاب ومواجهة الآثار السلبية للتعددية الثقافية في مجتمعنا؛ حيث ما زالت القبلية والإقليمية لها بعض النفوذ السلبي في الحياة اليومية، وما زالت المنظومة الفكرية للأفراد تعيش في حدود ضيقة، ومثل هذه الظواهر الاجتماعية السلبية تجعل من الصعب حدوث تلاقٍ أو تلاقح بين الرؤى والاتجاهات والثقافات؛ خصوصاً مع المتغيرات العصرية المتسارعة، والحكم نفسه ينطبق على ظواهر التعصب والتشدد وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تعيق حركة الاتساق في الفكر الوطني السعودي. كما صرح بذلك خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- في خطابه خلال افتتاحه أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى، على أنه "لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً، ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال".

ذلك أن المرحلة التاريخية الحالية تفرض علينا نحن أبناء الوطن الواحد قدراً كبيراً من المرونة الفكرية التي تؤدي إلى الشعور بالمسؤولية الوطنية سواء من جانب الفرد العادي أو من جانب المثقف السعودي.

لذا فنحن نقترح في مجال تحديث التعليم، أهمية التداخل بين البعد الاجتماعي- الوطني والبعد التعليمي في المناهج الدراسية؛ لغرس القيم العليا لدى المجتمع، ونقل المعارف الضرورية للمشاركة الاجتماعية، مع ضرورة التأكيد -الآن أكثر من ذي قبل- على تنمية عوامل التجانس الوطني والوحدة الوطنية تحت هوية واحدة في نفوس الطلاب؛ ذلك أن هوية المجتمع ووطنيته تتعرضان اليوم إلى هجمات شرسة تواجه وطننا، وتستهدف دينه ولحمته الوطنية عبر قنوات متعددة المشارب والتوجهات؛ الأمر الذي يدعو إلى وجوب الحث على أهمية العودة إلى دور الأسرة الفعال، ودور التعليم المتميز والجاد في تماسك المجتمع وتطوره.

فالهدف الأساسي للعملية التعليمية ليس مجرد إعداد الطلاب للمنافسة في عالم التكنولوجيا التي يتهافت عليها العالم برمته؛ بل هو تغذية روح الوطنية فيه بغرس القيم الإسلامية الصحيحة والعادات والتقاليد الفاضلة والصفات الضرورية فيه؛ لجعله قادراً على التعاون في مجتمعه الصغير والمجتمع الإنساني العالمي، دون الذوبان فيه والانسلاخ عن وطنيته.

ولا شك أن الجميع يدرك أنه لا يمكننا بلوغ هذا الهدف إلا بإذابة جليد التناقضات وأسباب العزلة الفكرية والنفسية بين (بعض) أفراد مجتمعنا، وخلق جو من التحاور بين أفراده؛ ليتمكنوا من المناقشة الجادة بهدف الوصول إلى ترابط فكري يساعد على التكيف الوطني مع ظروف المجتمع وتحديات الداخل والخارج.

اعلان
الوطنية في زمن صراع الحضارات
سبق

ما هي الوطنية؟ سؤال قد يبدو سهل الإجابة؛ لكنه في الحقيقة صعبها!!

ذلك أن مصطلح الوطنية من أكثر المصطلحات حاجة إلى الدراسة والتحليل ومن ثم التطبيق، بالنظر إلى كون الانتماء حاجة متأصلة في طبيعة النفس البشرية؛ فإنسان من غير وطن ضائع، ووطن من غير إنسان مهجور.

لذا تعددت مفاهيم الوطنية وتعريفاتها؛ فمنها ما يحمل معنى عاطفياً وانتماء وجدانياً للمكان الذي ألِفه الإنسان، ومنها ما يحمل معنى فكرياً يفضل فيه الميل للمكان الذي توافق سياسته التوجهات الأيديولوجية للإنسان، ومنها ما يؤسس لمعنى قانوني يعبر عن واجبات المواطن وحقوقه تجاه وطنه كيفما كانت سياسته وأيديولوجيته.

لكن الوطنية في مفهومها الصحيح؛ هي أن تظل غيوراً وأميناً على مبادئ دينك، وفياً لها، مساهماً في مسيرة بناء وطنك، مدافعاً عنه، واقفاً كالإعصار ضد كل من يحاول النيل منه؛ لأن الوطنية قبل كل شيء تعبير اجتماعي لعملية انتماء وعطاء الإنسان للوطن الذي يعيش فيه وللدين الذي يدين به؛ ذلك أن علماء الاجتماع يرون أن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة، هذا التضامن الذي يكون بمثابة حاجز يحول دون تآكل المعاني المشتركة والمعتقدات (المذاهب) الدينية التي تجمع أفراد المجتمع فيما بينهم وتصهرهم في قالب واحد يشكل الوطن؛ الأمر الذي يجعلهم يتفادون الأنانية والفردية المادية المفرطة التي تمثل معول هدم لمقومات المواطنة؛ فبتفادي هذه الفردية نضمن بناء المجتمع وتطوره.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقول إن الوطنية، بطبيعتها العامة، يجب أن تشتمل على التعددية الفكرية دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة؛ بل الواجب أن تؤدي إلى التلاقح الثقافي الفكري، وهذا ما يجعل الوطنية عبارة عن مزيج من القيم الأخلاقية السياسية والقيم السلوكية الاجتماعية على تنوعها واختلافها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينها؛ لأن مفهومها يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية المقيد بحدود الزمان والمكان.

من هذه النظرة الشاملة لمعنى الوطنية يتجلى مفهوم الحضارة الذي أسسه المفكر الجزائري "مالك بن نبي" صاحب الاتجاه الفكري الإصلاحي المبني على نظرته الخاصة للحضارة؛ لكونها نظرة جعلته يتميز في عالم الفكر والمعرفة، ويعتبر رائداً لهذا الاتجاه الفكري؛ حيث لم يسبقه إليه غيره في العالم الإسلامي المعاصر؛ ذلك أنه يعتبر بمثابة أول مفكر إصلاحي عربي جعل «الحضارة» وحدة تحليل.

وقد صاغ نظرية الحضارة على شكل معادلة رياضية مشكلة من ثلاثة عناصر أساسية لا غنى لأحدها عن الآخر؛ فجعل الحضارة عبارة عن تفاعل هذه العناصر مع بعضها، وهي: الإنسان، التراب، والزمن.

لقد سعى مالك بن نبي إلى ترسيخ أهمية هذه العناصر الثلاثة؛ فجعلها بناء متكاملاً لكل مجتمع حريص على الوصول إلى التحضر الذي تنشده كل الأمم؛ ذلك لأن الإنسان وحدة اجتماعية وليست انفرادية، باعتباره محور الفاعلية في حركة الحضارة الإنسانية، لتميزه بالعقل الفكري وتكوينه الثقافي الذي استمده من بيئته الحضارية كما قال: "فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة هو في أساسه في تفكير في مشكلة الحضارة".

الأمر الذي جعله يربط بين الإنسان والثقافة، ويجعلها الركيزة الرئيسية في بناء شخصيته؛ لكونها الرحم الذي تنمو فيه أفكاره وتطلعاته، وتتحد فيه قيمه وأهدافه؛ لذا فهو يرى أن الثقافة التي تقوم على أساس إسلامي هي التي تحقق التوازن في داخل الإنسان وتعلمه كيف ينخرط في الجماعة كي يؤدي دوره من خلاله بشكل متكامل، ومن ثم فإن إصلاح الثقافة يعني إصلاح الفرد والمجتمع.

أما التراب فليس المقصود به عند "مالك بن نبي" خصائصه الجيولوجية المكونة له؛ وإنما المقصود به البحث في قيمته الاجتماعية بكونه عاملاً من عوامل النهضة الحضارية، فكلما ارتفعت قيمة الأمة وتقدمت حضارتها ارتفعت قيمة التراب، وكلما تخلفت الأمة أصبح ترابها على قدرها من الانحطاط.

من هنا يرى أن التراب من ناحية يتصل بالإنسان في صورة الملكية للأرض؛ فيكون شيئاً حيوياً، أما من ناحية أخرى فإنه يتصل بالإنسان من الجانب العلمي والسيطرة الفنية.

أما الزمن فينظر إليه مالك بن نبي من زاوية كونه ذا قيمة معتبرة في حياة الإنسان؛ حيث يرجع ازدهار الحضارة الإسلامية السابقة بسرعة مذهلة إلى تقديس المسلمين للوقت آنذاك؛ لذا فهو يرى أن من واجب الإنسان اغتنام الفرص من الحياة من أجل العطاء والعمل المثمر، فإدراك قيمة الوقت فرداً وجماعة هو إدراك لقيمته التي لا تعوض؛ فهو العملة الوحيدة التي لا تُسترد إن ضاعت، أو كما قال: "إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع وأن يجدها المرء بعد ضياعها؛ ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة ولا أن تستعيدها إذا مضت".

كل هذا يجرنا إلى استخلاص التصور الثقافي للوطنية باعتبارها مجموعة من الأفكار والقيم المرتبطة بثوابت الزمان والمكان المؤسسة وفق مستويين هما:

أ) مستوى العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي في زمن معين.

ب) مستوى العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي في زمن معين.

ويمكننا أن نلاحظ بعدها أن تطور المستوى الثاني يعتمد اعتماداً كلياً على تطور المستوى الأول؛ ذلك أن الفرد إذا حافظ على اتزان حبه وانتمائه لوطنه وأهله؛ فإنه من الطبيعي أن يحافظ على ذلك بالنسبة للأمة التي ينتمي إليها، بل والعالم أجمع.

ولم يغفل ولاة أمرنا عن أهمية الحضارة في تجسيد الوطنية في مجتمعنا منذ قيام وطني المملكة العربية السعودية؛ فقد حرصت مملكتنا خلال مسيرتها التاريخية على تعبئة المواطن، تعبئةً موجهة نحو الولاء للوطن ولأركان وأجهزة الدولة الناشئة، وقد كانت هذه التنشئة سليمة وموجهة حمت المواطن السعودي من الكثير من الانزلاقات التي عاشتها وتعيشها دول العالم الأخرى، العربية منها والأجنبية، وهذه التنشئة علّمتنا الوطنية بالخبرة والتطبيق؛ برغم أنها كانت تقليدية اقتصرت على مظاهر بسيطة وبشكل أخص في مجال التعليم، ذلك المجال الذي يقتصر على تعليم الطلاب والتلاميذ قيم الولاء للوطن في إطار زماني ومكاني محدد، تمثلت صوره في أمور عدة، كنا نراها ونحن صغاراً شكلية وبسيطة، حين كنا نؤدي تحية العلم في المرحلة الابتدائية، وبعدها (النشيد الوطني) كل صباح في المدارس، فكنا نضحك بين جنباتنا لذلك؛ لأننا لم نكن ندرك أهمية ذلك، كما لم نكن ندرك خطورة محاولة تبديل ألوان العلم أو الشعار (السيفين والنخلة) حين كنا نؤمر برسمهما في حصص التربية الفنية والنشاطات اللاصفية، فكنا نعاقب أشد عقاب على ذلك دون معرفة السبب، فكبرنا وكبرت معنا تلك الذكريات، وفهمنا بعدها عمقها، كما فهمنا مدى قيمة الوقوف وقفة إجلال للعلم، وفهمنا معنى ألا نمس ألوان العلم أو الشعار باعتبارهما رمزاً من رموز مملكتنا؛ مما يعني رمزاً من رموز هويتنا وكينونتنا وشخصيتنا ومن ثم وجودنا.

لكن المتتبع لواقع المجتمع السعودي ومسيرته؛ يجد أن الوطنية السعودية تواجه في الوقت الراهن تحدياً كبيراً في ظل الموجات العالمية من التغريب والعولمة وصراع الحضارات، وهي في أشد الحاجة إلى مجهودات وأطروحات رجال العلم والثقافة وعلماء الدين والاجتماع والسياسة من أبناء الوطن؛ للعمل في إطار جماعي من أجل وضع شروط جديدة للتناغم والتكامل في بنية الوطنية السعودية؛ فنحن مجتمع مفتوح على الجميع، التكنولوجيا الجديدة جعلتنا في قلب العالم؛ بل وجعلت العالم في قلب السعودية.. المتغيرات كثيرة والموازنة بين ما هو موجود وما يجب أن يكون موازنة دقيقة.

لذا فهذه التعبئة التي انطلقت فيها مملكتنا (مملكة الإنسانية) منذ نشأتها، تحتاج إلى جهود ومشروعات متعددة لاستيعاب ومواجهة الآثار السلبية للتعددية الثقافية في مجتمعنا؛ حيث ما زالت القبلية والإقليمية لها بعض النفوذ السلبي في الحياة اليومية، وما زالت المنظومة الفكرية للأفراد تعيش في حدود ضيقة، ومثل هذه الظواهر الاجتماعية السلبية تجعل من الصعب حدوث تلاقٍ أو تلاقح بين الرؤى والاتجاهات والثقافات؛ خصوصاً مع المتغيرات العصرية المتسارعة، والحكم نفسه ينطبق على ظواهر التعصب والتشدد وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تعيق حركة الاتساق في الفكر الوطني السعودي. كما صرح بذلك خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- في خطابه خلال افتتاحه أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى، على أنه "لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً، ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال".

ذلك أن المرحلة التاريخية الحالية تفرض علينا نحن أبناء الوطن الواحد قدراً كبيراً من المرونة الفكرية التي تؤدي إلى الشعور بالمسؤولية الوطنية سواء من جانب الفرد العادي أو من جانب المثقف السعودي.

لذا فنحن نقترح في مجال تحديث التعليم، أهمية التداخل بين البعد الاجتماعي- الوطني والبعد التعليمي في المناهج الدراسية؛ لغرس القيم العليا لدى المجتمع، ونقل المعارف الضرورية للمشاركة الاجتماعية، مع ضرورة التأكيد -الآن أكثر من ذي قبل- على تنمية عوامل التجانس الوطني والوحدة الوطنية تحت هوية واحدة في نفوس الطلاب؛ ذلك أن هوية المجتمع ووطنيته تتعرضان اليوم إلى هجمات شرسة تواجه وطننا، وتستهدف دينه ولحمته الوطنية عبر قنوات متعددة المشارب والتوجهات؛ الأمر الذي يدعو إلى وجوب الحث على أهمية العودة إلى دور الأسرة الفعال، ودور التعليم المتميز والجاد في تماسك المجتمع وتطوره.

فالهدف الأساسي للعملية التعليمية ليس مجرد إعداد الطلاب للمنافسة في عالم التكنولوجيا التي يتهافت عليها العالم برمته؛ بل هو تغذية روح الوطنية فيه بغرس القيم الإسلامية الصحيحة والعادات والتقاليد الفاضلة والصفات الضرورية فيه؛ لجعله قادراً على التعاون في مجتمعه الصغير والمجتمع الإنساني العالمي، دون الذوبان فيه والانسلاخ عن وطنيته.

ولا شك أن الجميع يدرك أنه لا يمكننا بلوغ هذا الهدف إلا بإذابة جليد التناقضات وأسباب العزلة الفكرية والنفسية بين (بعض) أفراد مجتمعنا، وخلق جو من التحاور بين أفراده؛ ليتمكنوا من المناقشة الجادة بهدف الوصول إلى ترابط فكري يساعد على التكيف الوطني مع ظروف المجتمع وتحديات الداخل والخارج.

07 نوفمبر 2018 - 29 صفر 1440
10:55 AM

الوطنية في زمن صراع الحضارات

خالد الحقباني - الرياض
A A A
1
294

ما هي الوطنية؟ سؤال قد يبدو سهل الإجابة؛ لكنه في الحقيقة صعبها!!

ذلك أن مصطلح الوطنية من أكثر المصطلحات حاجة إلى الدراسة والتحليل ومن ثم التطبيق، بالنظر إلى كون الانتماء حاجة متأصلة في طبيعة النفس البشرية؛ فإنسان من غير وطن ضائع، ووطن من غير إنسان مهجور.

لذا تعددت مفاهيم الوطنية وتعريفاتها؛ فمنها ما يحمل معنى عاطفياً وانتماء وجدانياً للمكان الذي ألِفه الإنسان، ومنها ما يحمل معنى فكرياً يفضل فيه الميل للمكان الذي توافق سياسته التوجهات الأيديولوجية للإنسان، ومنها ما يؤسس لمعنى قانوني يعبر عن واجبات المواطن وحقوقه تجاه وطنه كيفما كانت سياسته وأيديولوجيته.

لكن الوطنية في مفهومها الصحيح؛ هي أن تظل غيوراً وأميناً على مبادئ دينك، وفياً لها، مساهماً في مسيرة بناء وطنك، مدافعاً عنه، واقفاً كالإعصار ضد كل من يحاول النيل منه؛ لأن الوطنية قبل كل شيء تعبير اجتماعي لعملية انتماء وعطاء الإنسان للوطن الذي يعيش فيه وللدين الذي يدين به؛ ذلك أن علماء الاجتماع يرون أن المجتمع القوي في تضامنه هو مجتمع غني بالمواطنة، هذا التضامن الذي يكون بمثابة حاجز يحول دون تآكل المعاني المشتركة والمعتقدات (المذاهب) الدينية التي تجمع أفراد المجتمع فيما بينهم وتصهرهم في قالب واحد يشكل الوطن؛ الأمر الذي يجعلهم يتفادون الأنانية والفردية المادية المفرطة التي تمثل معول هدم لمقومات المواطنة؛ فبتفادي هذه الفردية نضمن بناء المجتمع وتطوره.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نقول إن الوطنية، بطبيعتها العامة، يجب أن تشتمل على التعددية الفكرية دون أن يؤدي ذلك إلى القطيعة؛ بل الواجب أن تؤدي إلى التلاقح الثقافي الفكري، وهذا ما يجعل الوطنية عبارة عن مزيج من القيم الأخلاقية السياسية والقيم السلوكية الاجتماعية على تنوعها واختلافها، ولا يمكن بأي حال من الأحوال الفصل بينها؛ لأن مفهومها يستوعب مجالات مختلفة في واقع حياتنا الاجتماعية المقيد بحدود الزمان والمكان.

من هذه النظرة الشاملة لمعنى الوطنية يتجلى مفهوم الحضارة الذي أسسه المفكر الجزائري "مالك بن نبي" صاحب الاتجاه الفكري الإصلاحي المبني على نظرته الخاصة للحضارة؛ لكونها نظرة جعلته يتميز في عالم الفكر والمعرفة، ويعتبر رائداً لهذا الاتجاه الفكري؛ حيث لم يسبقه إليه غيره في العالم الإسلامي المعاصر؛ ذلك أنه يعتبر بمثابة أول مفكر إصلاحي عربي جعل «الحضارة» وحدة تحليل.

وقد صاغ نظرية الحضارة على شكل معادلة رياضية مشكلة من ثلاثة عناصر أساسية لا غنى لأحدها عن الآخر؛ فجعل الحضارة عبارة عن تفاعل هذه العناصر مع بعضها، وهي: الإنسان، التراب، والزمن.

لقد سعى مالك بن نبي إلى ترسيخ أهمية هذه العناصر الثلاثة؛ فجعلها بناء متكاملاً لكل مجتمع حريص على الوصول إلى التحضر الذي تنشده كل الأمم؛ ذلك لأن الإنسان وحدة اجتماعية وليست انفرادية، باعتباره محور الفاعلية في حركة الحضارة الإنسانية، لتميزه بالعقل الفكري وتكوينه الثقافي الذي استمده من بيئته الحضارية كما قال: "فكل تفكير في مشكلة الإنسان بالنسبة إلى حظه في الحياة هو في أساسه في تفكير في مشكلة الحضارة".

الأمر الذي جعله يربط بين الإنسان والثقافة، ويجعلها الركيزة الرئيسية في بناء شخصيته؛ لكونها الرحم الذي تنمو فيه أفكاره وتطلعاته، وتتحد فيه قيمه وأهدافه؛ لذا فهو يرى أن الثقافة التي تقوم على أساس إسلامي هي التي تحقق التوازن في داخل الإنسان وتعلمه كيف ينخرط في الجماعة كي يؤدي دوره من خلاله بشكل متكامل، ومن ثم فإن إصلاح الثقافة يعني إصلاح الفرد والمجتمع.

أما التراب فليس المقصود به عند "مالك بن نبي" خصائصه الجيولوجية المكونة له؛ وإنما المقصود به البحث في قيمته الاجتماعية بكونه عاملاً من عوامل النهضة الحضارية، فكلما ارتفعت قيمة الأمة وتقدمت حضارتها ارتفعت قيمة التراب، وكلما تخلفت الأمة أصبح ترابها على قدرها من الانحطاط.

من هنا يرى أن التراب من ناحية يتصل بالإنسان في صورة الملكية للأرض؛ فيكون شيئاً حيوياً، أما من ناحية أخرى فإنه يتصل بالإنسان من الجانب العلمي والسيطرة الفنية.

أما الزمن فينظر إليه مالك بن نبي من زاوية كونه ذا قيمة معتبرة في حياة الإنسان؛ حيث يرجع ازدهار الحضارة الإسلامية السابقة بسرعة مذهلة إلى تقديس المسلمين للوقت آنذاك؛ لذا فهو يرى أن من واجب الإنسان اغتنام الفرص من الحياة من أجل العطاء والعمل المثمر، فإدراك قيمة الوقت فرداً وجماعة هو إدراك لقيمته التي لا تعوض؛ فهو العملة الوحيدة التي لا تُسترد إن ضاعت، أو كما قال: "إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع وأن يجدها المرء بعد ضياعها؛ ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة ولا أن تستعيدها إذا مضت".

كل هذا يجرنا إلى استخلاص التصور الثقافي للوطنية باعتبارها مجموعة من الأفكار والقيم المرتبطة بثوابت الزمان والمكان المؤسسة وفق مستويين هما:

أ) مستوى العلاقة بين الفرد ووسطه الاجتماعي في زمن معين.

ب) مستوى العلاقة بين الفرد والوسط الاجتماعي الإنساني العالمي في زمن معين.

ويمكننا أن نلاحظ بعدها أن تطور المستوى الثاني يعتمد اعتماداً كلياً على تطور المستوى الأول؛ ذلك أن الفرد إذا حافظ على اتزان حبه وانتمائه لوطنه وأهله؛ فإنه من الطبيعي أن يحافظ على ذلك بالنسبة للأمة التي ينتمي إليها، بل والعالم أجمع.

ولم يغفل ولاة أمرنا عن أهمية الحضارة في تجسيد الوطنية في مجتمعنا منذ قيام وطني المملكة العربية السعودية؛ فقد حرصت مملكتنا خلال مسيرتها التاريخية على تعبئة المواطن، تعبئةً موجهة نحو الولاء للوطن ولأركان وأجهزة الدولة الناشئة، وقد كانت هذه التنشئة سليمة وموجهة حمت المواطن السعودي من الكثير من الانزلاقات التي عاشتها وتعيشها دول العالم الأخرى، العربية منها والأجنبية، وهذه التنشئة علّمتنا الوطنية بالخبرة والتطبيق؛ برغم أنها كانت تقليدية اقتصرت على مظاهر بسيطة وبشكل أخص في مجال التعليم، ذلك المجال الذي يقتصر على تعليم الطلاب والتلاميذ قيم الولاء للوطن في إطار زماني ومكاني محدد، تمثلت صوره في أمور عدة، كنا نراها ونحن صغاراً شكلية وبسيطة، حين كنا نؤدي تحية العلم في المرحلة الابتدائية، وبعدها (النشيد الوطني) كل صباح في المدارس، فكنا نضحك بين جنباتنا لذلك؛ لأننا لم نكن ندرك أهمية ذلك، كما لم نكن ندرك خطورة محاولة تبديل ألوان العلم أو الشعار (السيفين والنخلة) حين كنا نؤمر برسمهما في حصص التربية الفنية والنشاطات اللاصفية، فكنا نعاقب أشد عقاب على ذلك دون معرفة السبب، فكبرنا وكبرت معنا تلك الذكريات، وفهمنا بعدها عمقها، كما فهمنا مدى قيمة الوقوف وقفة إجلال للعلم، وفهمنا معنى ألا نمس ألوان العلم أو الشعار باعتبارهما رمزاً من رموز مملكتنا؛ مما يعني رمزاً من رموز هويتنا وكينونتنا وشخصيتنا ومن ثم وجودنا.

لكن المتتبع لواقع المجتمع السعودي ومسيرته؛ يجد أن الوطنية السعودية تواجه في الوقت الراهن تحدياً كبيراً في ظل الموجات العالمية من التغريب والعولمة وصراع الحضارات، وهي في أشد الحاجة إلى مجهودات وأطروحات رجال العلم والثقافة وعلماء الدين والاجتماع والسياسة من أبناء الوطن؛ للعمل في إطار جماعي من أجل وضع شروط جديدة للتناغم والتكامل في بنية الوطنية السعودية؛ فنحن مجتمع مفتوح على الجميع، التكنولوجيا الجديدة جعلتنا في قلب العالم؛ بل وجعلت العالم في قلب السعودية.. المتغيرات كثيرة والموازنة بين ما هو موجود وما يجب أن يكون موازنة دقيقة.

لذا فهذه التعبئة التي انطلقت فيها مملكتنا (مملكة الإنسانية) منذ نشأتها، تحتاج إلى جهود ومشروعات متعددة لاستيعاب ومواجهة الآثار السلبية للتعددية الثقافية في مجتمعنا؛ حيث ما زالت القبلية والإقليمية لها بعض النفوذ السلبي في الحياة اليومية، وما زالت المنظومة الفكرية للأفراد تعيش في حدود ضيقة، ومثل هذه الظواهر الاجتماعية السلبية تجعل من الصعب حدوث تلاقٍ أو تلاقح بين الرؤى والاتجاهات والثقافات؛ خصوصاً مع المتغيرات العصرية المتسارعة، والحكم نفسه ينطبق على ظواهر التعصب والتشدد وغير ذلك من الظواهر السلبية التي تعيق حركة الاتساق في الفكر الوطني السعودي. كما صرح بذلك خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان -حفظه الله ورعاه- في خطابه خلال افتتاحه أعمال السنة الثانية من الدورة السابعة لمجلس الشورى، على أنه "لا مكان بيننا لمتطرف يرى الاعتدال انحلالاً، ويستغل عقيدتنا السمحة لتحقيق أهدافه، ولا مكان لمنحل يرى في حربنا على التطرف وسيلة لنشر الانحلال".

ذلك أن المرحلة التاريخية الحالية تفرض علينا نحن أبناء الوطن الواحد قدراً كبيراً من المرونة الفكرية التي تؤدي إلى الشعور بالمسؤولية الوطنية سواء من جانب الفرد العادي أو من جانب المثقف السعودي.

لذا فنحن نقترح في مجال تحديث التعليم، أهمية التداخل بين البعد الاجتماعي- الوطني والبعد التعليمي في المناهج الدراسية؛ لغرس القيم العليا لدى المجتمع، ونقل المعارف الضرورية للمشاركة الاجتماعية، مع ضرورة التأكيد -الآن أكثر من ذي قبل- على تنمية عوامل التجانس الوطني والوحدة الوطنية تحت هوية واحدة في نفوس الطلاب؛ ذلك أن هوية المجتمع ووطنيته تتعرضان اليوم إلى هجمات شرسة تواجه وطننا، وتستهدف دينه ولحمته الوطنية عبر قنوات متعددة المشارب والتوجهات؛ الأمر الذي يدعو إلى وجوب الحث على أهمية العودة إلى دور الأسرة الفعال، ودور التعليم المتميز والجاد في تماسك المجتمع وتطوره.

فالهدف الأساسي للعملية التعليمية ليس مجرد إعداد الطلاب للمنافسة في عالم التكنولوجيا التي يتهافت عليها العالم برمته؛ بل هو تغذية روح الوطنية فيه بغرس القيم الإسلامية الصحيحة والعادات والتقاليد الفاضلة والصفات الضرورية فيه؛ لجعله قادراً على التعاون في مجتمعه الصغير والمجتمع الإنساني العالمي، دون الذوبان فيه والانسلاخ عن وطنيته.

ولا شك أن الجميع يدرك أنه لا يمكننا بلوغ هذا الهدف إلا بإذابة جليد التناقضات وأسباب العزلة الفكرية والنفسية بين (بعض) أفراد مجتمعنا، وخلق جو من التحاور بين أفراده؛ ليتمكنوا من المناقشة الجادة بهدف الوصول إلى ترابط فكري يساعد على التكيف الوطني مع ظروف المجتمع وتحديات الداخل والخارج.