أيْرَنَة (فرسنة) الدوحة: كيف أصبحت قطر جزءًا من استراتيجية طهران في المنطقة

كان هناك تناغم وتودد قطري إيراني كبير منذ صعود الأمير الوالد حمد بن خليفة في عام 1996، وكان هدف التقارب إرسال رسائل مبطنة للمملكة العربية السعودية ومصر اللتين رفضتا انقلاب حمد على أبيه صراحة؛ ولكن سرعان ما تحول لتوافق كبير مع تمدد الدور الإيراني والقطري في المنطقة؛ فكانت الدوحة تنظر لطهران كأنها قدوتها أو مثلًا أعلى لها، أو كأن الأم (إيران) والطفل (قطر) المدلل لها؛ فإيران نموذج ملهم منذ اليوم الأول لثورة الخوميني 1979 لكل جماعات الإسلام السياسي السنية في العالم العربي؛ وبالتالي ينطبق هذا على الدولة القطرية التي يقودها الأمير الحالي تميم بن حمد والأمير الوالد حمد بن خليفة، ويتجلى ذلك في استراتيجية قطر في بناء الأذرع في الدول العربية وتمسكها بورقة تيار الإسلام السياسي في مواجهة الأنظمة العربية والشيخ القرضاوي (المصري- القطري) الذي هو بمثابة المرشد الأعلى للدولة القطرية ومنظّر للفكر الديني والسياسي والاجتماعي للدوحة.

مع المقاطعة العربية لقطرفي يونيو 2017 أصبحت الدوحة تتقرب أكثر لإيران؛ بل المقاطعة العربية أظهرت الوجه الحقيقي للدوحة على أنها تتبع سياسات تتشابه مع سياسات إيران تمامًا، وهدفها إيذاء الدول العربية، وكان آخرها رفضها لقرار الولايات المتحدة الأمريكية اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

أولًا: سياسات الدوحة المزايدة على العرب:

لم يكن غريبًا الرفض القطري لاعتبار الولايات المتحدة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ بل هي استمرار لسياسات التغريد خارج السرب الخليجي والعربي بشكل عام؛ بل تنسجم مع سياسات الدوحة التي تعوّدنا عليها، وهي المزايدة على الدول العربية وكأنها الدولة المرشدة الناضجة ذات اليد العليا التي عليها أن تُسدي النصح للجميع؛ بل أن تملي عليهم ماذا يجب أن يفعلوا في القضية أو تلك! وليس إملاءات في السياسة الخارجية فحسب؛ بل في السياسة الداخلية أيضاً، فهي ما زالت تدافع عن تيار سلمان العودة داخل المملكة، وتتدخل في الشأن السعودي الداخلي وطبيعة المجتمع السعودي وخصوصيته في التعامل مع المرأة السعود ية؛ خاصة في الفيديو الذي بث قبل أسبوع والذي حمل إساءة للمرأة السعودية بل الخليجية بشكل عام، والذي ولّد غضبًا عارمًا على "تويتر"، أجبر الجزيرة على حذفه.

فالدوحة التي طالما دافعت عن إيران وطالبت العرب بالحوار معها وعدم التصعيد ضدها، ووصلت أن تصفها بالدولة الشريفة؛ ليس عن صدق نوايا الدوحة نحو إيران بل إنها تعلم جيدًا أن طهران تستخدمها في حربها الإقليمية ضد الرياض؛ بل إن الدوحة تلمّع وجه إيران وتكيل لها المدح فقط لمكايدة السعودية واستفزازها؛ إيران التي تزايد على العرب بقضية تحرير القدس وصنعت أكذوبة محور المقاومة الذي قضم واحتل الأراضي العربية ولم يحرر فلسطين في النهاية؛ بل تاجر بالقضية وابتز وزايد على العرب.

المزايدة في ملف تنظيم المملكة العربية السعودية للحج وهذا حلم إيراني منذ زمن أن تنتزع شرف خدمة المملكة العربية السعودية للمسلمين في الحج، أو أن توضَعَ مكةُ والمدينة تحت الإشراف الدولي كمنطقة مقدسة لدى المسلمين، وأن تدار من قِبَل المجتمع الدولي، ونزع السيادة السعودية عليها، وخرجت تقارير إعلامية تتحدث عن دور الدوحة في إنشاء منظمة في ماليزليا لمراقبة الحج؛ هدفها رصد ما تدّعي من انتهاكات المملكة العربية السعودية في تنظيم الحج، وهنا تتماهى قطر مع إيران في استهداف المملكة ومساعدة طهران للترويج لكذبتها أنها قادرة على تنظيم الحج أفضل من الرياض. في ملف حيوي حيث دبرت دولة الخوميني كثيرًا من الكوارث لإفساد الحج، وكان آخرها التدافع الذي حدث في الحرم عام 2015، وكان عبر الحجاج الإيرانيين؛ فسياسة المزايدة صنعتها طهران وسارت على دربها الدوحة.

ثانيًا: قناة الجزيرة والإعلام الإيراني وجهان لعملة واحدة

أصبحت شبكة الجزيرة التي اكتسبت شهرة عالمية برغم اختلافنا مع سياساتها التحريرية، والتي كانت تحريضية في الربيع العربي وتساند وتلمّع وجه الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد عربي؛ إلا أن المقاطعة العربية لقطر أجبرت الجزيرة أن تقامر بكل ما تبقى لها من مهنية، وأن تتبنى سياسة تحريرية مشابهة؛ بل نسخة طبق الأصل من الإعلام العربي الممول إيرانيًّا مثل قناة "الميادين" و"العالم" و"المسيرة" و"المنار" وكل ما يسمي اصطلاحًا بالإعلام المقاوم، وتجلى ذلك بتغيير مواقفها من حرب التحالف العربي في اليمن ودعم قنوات الحوثي عبر قمر "سهيل سات"؛ بل إن تغطيتها لحادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان بها نوع من الشماتة السياسية والاستهزاء بالمملكة العربية السعودية بشكل فجّ فاقَ التوقعات حتى لو كانت طهران هي من فعلت ذلك.

الجزيرة التي أنتجت عشرات الأفلام الوثائقية التي كانت تُدين الدور الإيراني وأدواته في المنطقة مثل أفلام عن الحرس الثوري الإيراني ونشأته ومقدراته المالية، وعن دور إيران في إنشاء الحرس الثوري الإيراني ودور حزب الله في تركيع لبنان لحسابه واغتيال قيادات قوى 14 آذار، وكيف سيطر وابتلع على البلد كله؛ أصبحت المنصة الأولى لجماعة الحوثي وأول من تستضيف المسؤولين الإيرانيين كان آخرها الأسبوع الماضي علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني، وهو رجل يكره العرب من الأساس، وتحولت برامج الجزيرة إلى كيف أصبحت السعودية وكيف أمست الرياض، وترى أنها بهذه الطريقة تضغط على الرياض وستنهي معها المقاطعة؛ ولكن بعد كل هذا لم يتغير شيء، وسقطت في فخ تنفيذ استراتيجية أو أجندة إيرانية في مواجهة أكبر الدول الخليجية باستهدافها إعلاميًّا واستباحة شأنها الداخلي بدون حرج أو وضع اعتبار لتاريخ أو دور المملكة العربي والإسلامي.

ثالثًا: ماذا بعد كل هذا التطبيع الإيراني القطري

العلاقات بين إيران وقطر للأسف أصبحت مثل الزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه؛ أصبحت علاقة بين سيد وخادم، وهذا أمر محزن أن تقامر بالعلاقات التاريخية مع العرب واللحمة الخليجية إلى الأبد، وأن تختار إيران وتركيا على حساب العرب وشعب الخليج؛ فالمقاطعة العربية مهما طالت سيأتي لها يوم وتنتهي، كيف ستخلص الدوحة من الأيرنة السياسية التي تسيطر على سلوكها السياسي وعلى فكرها المكون لبناء سياساتها الخارجية؟! فالدوحة فتحت الأبواب للحرس الثوري والتجار الإيرانيين للاستثمار في السوق القطري وتخفيف حدة العقوبات على طهران، بالإضافة إلى عقد كثير من المنتديات والمؤتمرات للترويج للدور الإيراني والدفاع عنها في مواجهة إدارة ترامب المتشددة نحو إيران التي ألغت الاتفاق النووي، وكان منتدى الدوحة في ديسمبر الماضي نموذجًا على ذلك؛ فجمعت التناقضات وجمعت الساسة الإيرانيين وأعضاء الكونجرس أيضاً الرافضين لإيران على طاولة واحدة، وكان مؤتمر العاشر من أبريل الماضي، دلالةً جديدة على أن قطر وتركيا وإيران في خندق واحد ومحور واحد؛ بل الدوحة وأنقرة تسخّران كل مقدرات بلديهما للدفاع عن إيران، وتصحيح أو تصويب صورتها أمام العالم؛ في مقابل تسخير كل شيء للإساءة للرياض وتشويهها؛ مستغلين حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وهنا نريد نقطة نظام: كيف للبلدين اللتين تدافعان عن إيران، أن تكونا حلفاء الولايات المتحدة؛ بل حضرتا "مؤتمر وارسوا" في فبراير الماضي الذي كان يستهدف تعرية الجرائم الإيرانية أمام العالم.

الخلاصة: تبدو استراتيجية إيران في جذب الدوحة إليها ناجعة، وآتت ثمارها؛ ولكن الدوحة تطلق النارعلى قدميها بتحالفها المتزايد مع إيران؛ بل بالأحرى طهران مثل الثعبان الذي يلتفّ حول فريسته ثم يلدغها في النهاية، وعلينا كدول الاعتدال العربي أن نتحمل ونواجه أذى الجيران بصبر ومثابرة، وأن نقلب الطاولة عليهم، وبدأت بمقاطعة الدوحة قبل عامين، ثم قرار اعتبار الحرس الثوري إرهابيًّا، وهو قرار استراتيجي يخدم مصالح دول الخليج؛ وبخاصة التحالف العربي في اليمن، ومواجهة دور إيران في سوريا والعراق ولبنان.

اعلان
أيْرَنَة (فرسنة) الدوحة: كيف أصبحت قطر جزءًا من استراتيجية طهران في المنطقة
سبق

كان هناك تناغم وتودد قطري إيراني كبير منذ صعود الأمير الوالد حمد بن خليفة في عام 1996، وكان هدف التقارب إرسال رسائل مبطنة للمملكة العربية السعودية ومصر اللتين رفضتا انقلاب حمد على أبيه صراحة؛ ولكن سرعان ما تحول لتوافق كبير مع تمدد الدور الإيراني والقطري في المنطقة؛ فكانت الدوحة تنظر لطهران كأنها قدوتها أو مثلًا أعلى لها، أو كأن الأم (إيران) والطفل (قطر) المدلل لها؛ فإيران نموذج ملهم منذ اليوم الأول لثورة الخوميني 1979 لكل جماعات الإسلام السياسي السنية في العالم العربي؛ وبالتالي ينطبق هذا على الدولة القطرية التي يقودها الأمير الحالي تميم بن حمد والأمير الوالد حمد بن خليفة، ويتجلى ذلك في استراتيجية قطر في بناء الأذرع في الدول العربية وتمسكها بورقة تيار الإسلام السياسي في مواجهة الأنظمة العربية والشيخ القرضاوي (المصري- القطري) الذي هو بمثابة المرشد الأعلى للدولة القطرية ومنظّر للفكر الديني والسياسي والاجتماعي للدوحة.

مع المقاطعة العربية لقطرفي يونيو 2017 أصبحت الدوحة تتقرب أكثر لإيران؛ بل المقاطعة العربية أظهرت الوجه الحقيقي للدوحة على أنها تتبع سياسات تتشابه مع سياسات إيران تمامًا، وهدفها إيذاء الدول العربية، وكان آخرها رفضها لقرار الولايات المتحدة الأمريكية اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

أولًا: سياسات الدوحة المزايدة على العرب:

لم يكن غريبًا الرفض القطري لاعتبار الولايات المتحدة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ بل هي استمرار لسياسات التغريد خارج السرب الخليجي والعربي بشكل عام؛ بل تنسجم مع سياسات الدوحة التي تعوّدنا عليها، وهي المزايدة على الدول العربية وكأنها الدولة المرشدة الناضجة ذات اليد العليا التي عليها أن تُسدي النصح للجميع؛ بل أن تملي عليهم ماذا يجب أن يفعلوا في القضية أو تلك! وليس إملاءات في السياسة الخارجية فحسب؛ بل في السياسة الداخلية أيضاً، فهي ما زالت تدافع عن تيار سلمان العودة داخل المملكة، وتتدخل في الشأن السعودي الداخلي وطبيعة المجتمع السعودي وخصوصيته في التعامل مع المرأة السعود ية؛ خاصة في الفيديو الذي بث قبل أسبوع والذي حمل إساءة للمرأة السعودية بل الخليجية بشكل عام، والذي ولّد غضبًا عارمًا على "تويتر"، أجبر الجزيرة على حذفه.

فالدوحة التي طالما دافعت عن إيران وطالبت العرب بالحوار معها وعدم التصعيد ضدها، ووصلت أن تصفها بالدولة الشريفة؛ ليس عن صدق نوايا الدوحة نحو إيران بل إنها تعلم جيدًا أن طهران تستخدمها في حربها الإقليمية ضد الرياض؛ بل إن الدوحة تلمّع وجه إيران وتكيل لها المدح فقط لمكايدة السعودية واستفزازها؛ إيران التي تزايد على العرب بقضية تحرير القدس وصنعت أكذوبة محور المقاومة الذي قضم واحتل الأراضي العربية ولم يحرر فلسطين في النهاية؛ بل تاجر بالقضية وابتز وزايد على العرب.

المزايدة في ملف تنظيم المملكة العربية السعودية للحج وهذا حلم إيراني منذ زمن أن تنتزع شرف خدمة المملكة العربية السعودية للمسلمين في الحج، أو أن توضَعَ مكةُ والمدينة تحت الإشراف الدولي كمنطقة مقدسة لدى المسلمين، وأن تدار من قِبَل المجتمع الدولي، ونزع السيادة السعودية عليها، وخرجت تقارير إعلامية تتحدث عن دور الدوحة في إنشاء منظمة في ماليزليا لمراقبة الحج؛ هدفها رصد ما تدّعي من انتهاكات المملكة العربية السعودية في تنظيم الحج، وهنا تتماهى قطر مع إيران في استهداف المملكة ومساعدة طهران للترويج لكذبتها أنها قادرة على تنظيم الحج أفضل من الرياض. في ملف حيوي حيث دبرت دولة الخوميني كثيرًا من الكوارث لإفساد الحج، وكان آخرها التدافع الذي حدث في الحرم عام 2015، وكان عبر الحجاج الإيرانيين؛ فسياسة المزايدة صنعتها طهران وسارت على دربها الدوحة.

ثانيًا: قناة الجزيرة والإعلام الإيراني وجهان لعملة واحدة

أصبحت شبكة الجزيرة التي اكتسبت شهرة عالمية برغم اختلافنا مع سياساتها التحريرية، والتي كانت تحريضية في الربيع العربي وتساند وتلمّع وجه الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد عربي؛ إلا أن المقاطعة العربية لقطر أجبرت الجزيرة أن تقامر بكل ما تبقى لها من مهنية، وأن تتبنى سياسة تحريرية مشابهة؛ بل نسخة طبق الأصل من الإعلام العربي الممول إيرانيًّا مثل قناة "الميادين" و"العالم" و"المسيرة" و"المنار" وكل ما يسمي اصطلاحًا بالإعلام المقاوم، وتجلى ذلك بتغيير مواقفها من حرب التحالف العربي في اليمن ودعم قنوات الحوثي عبر قمر "سهيل سات"؛ بل إن تغطيتها لحادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان بها نوع من الشماتة السياسية والاستهزاء بالمملكة العربية السعودية بشكل فجّ فاقَ التوقعات حتى لو كانت طهران هي من فعلت ذلك.

الجزيرة التي أنتجت عشرات الأفلام الوثائقية التي كانت تُدين الدور الإيراني وأدواته في المنطقة مثل أفلام عن الحرس الثوري الإيراني ونشأته ومقدراته المالية، وعن دور إيران في إنشاء الحرس الثوري الإيراني ودور حزب الله في تركيع لبنان لحسابه واغتيال قيادات قوى 14 آذار، وكيف سيطر وابتلع على البلد كله؛ أصبحت المنصة الأولى لجماعة الحوثي وأول من تستضيف المسؤولين الإيرانيين كان آخرها الأسبوع الماضي علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني، وهو رجل يكره العرب من الأساس، وتحولت برامج الجزيرة إلى كيف أصبحت السعودية وكيف أمست الرياض، وترى أنها بهذه الطريقة تضغط على الرياض وستنهي معها المقاطعة؛ ولكن بعد كل هذا لم يتغير شيء، وسقطت في فخ تنفيذ استراتيجية أو أجندة إيرانية في مواجهة أكبر الدول الخليجية باستهدافها إعلاميًّا واستباحة شأنها الداخلي بدون حرج أو وضع اعتبار لتاريخ أو دور المملكة العربي والإسلامي.

ثالثًا: ماذا بعد كل هذا التطبيع الإيراني القطري

العلاقات بين إيران وقطر للأسف أصبحت مثل الزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه؛ أصبحت علاقة بين سيد وخادم، وهذا أمر محزن أن تقامر بالعلاقات التاريخية مع العرب واللحمة الخليجية إلى الأبد، وأن تختار إيران وتركيا على حساب العرب وشعب الخليج؛ فالمقاطعة العربية مهما طالت سيأتي لها يوم وتنتهي، كيف ستخلص الدوحة من الأيرنة السياسية التي تسيطر على سلوكها السياسي وعلى فكرها المكون لبناء سياساتها الخارجية؟! فالدوحة فتحت الأبواب للحرس الثوري والتجار الإيرانيين للاستثمار في السوق القطري وتخفيف حدة العقوبات على طهران، بالإضافة إلى عقد كثير من المنتديات والمؤتمرات للترويج للدور الإيراني والدفاع عنها في مواجهة إدارة ترامب المتشددة نحو إيران التي ألغت الاتفاق النووي، وكان منتدى الدوحة في ديسمبر الماضي نموذجًا على ذلك؛ فجمعت التناقضات وجمعت الساسة الإيرانيين وأعضاء الكونجرس أيضاً الرافضين لإيران على طاولة واحدة، وكان مؤتمر العاشر من أبريل الماضي، دلالةً جديدة على أن قطر وتركيا وإيران في خندق واحد ومحور واحد؛ بل الدوحة وأنقرة تسخّران كل مقدرات بلديهما للدفاع عن إيران، وتصحيح أو تصويب صورتها أمام العالم؛ في مقابل تسخير كل شيء للإساءة للرياض وتشويهها؛ مستغلين حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وهنا نريد نقطة نظام: كيف للبلدين اللتين تدافعان عن إيران، أن تكونا حلفاء الولايات المتحدة؛ بل حضرتا "مؤتمر وارسوا" في فبراير الماضي الذي كان يستهدف تعرية الجرائم الإيرانية أمام العالم.

الخلاصة: تبدو استراتيجية إيران في جذب الدوحة إليها ناجعة، وآتت ثمارها؛ ولكن الدوحة تطلق النارعلى قدميها بتحالفها المتزايد مع إيران؛ بل بالأحرى طهران مثل الثعبان الذي يلتفّ حول فريسته ثم يلدغها في النهاية، وعلينا كدول الاعتدال العربي أن نتحمل ونواجه أذى الجيران بصبر ومثابرة، وأن نقلب الطاولة عليهم، وبدأت بمقاطعة الدوحة قبل عامين، ثم قرار اعتبار الحرس الثوري إرهابيًّا، وهو قرار استراتيجي يخدم مصالح دول الخليج؛ وبخاصة التحالف العربي في اليمن، ومواجهة دور إيران في سوريا والعراق ولبنان.

14 إبريل 2019 - 9 شعبان 1440
08:47 AM

أيْرَنَة (فرسنة) الدوحة: كيف أصبحت قطر جزءًا من استراتيجية طهران في المنطقة

محمد حامد - الرياض
A A A
1
1,875

كان هناك تناغم وتودد قطري إيراني كبير منذ صعود الأمير الوالد حمد بن خليفة في عام 1996، وكان هدف التقارب إرسال رسائل مبطنة للمملكة العربية السعودية ومصر اللتين رفضتا انقلاب حمد على أبيه صراحة؛ ولكن سرعان ما تحول لتوافق كبير مع تمدد الدور الإيراني والقطري في المنطقة؛ فكانت الدوحة تنظر لطهران كأنها قدوتها أو مثلًا أعلى لها، أو كأن الأم (إيران) والطفل (قطر) المدلل لها؛ فإيران نموذج ملهم منذ اليوم الأول لثورة الخوميني 1979 لكل جماعات الإسلام السياسي السنية في العالم العربي؛ وبالتالي ينطبق هذا على الدولة القطرية التي يقودها الأمير الحالي تميم بن حمد والأمير الوالد حمد بن خليفة، ويتجلى ذلك في استراتيجية قطر في بناء الأذرع في الدول العربية وتمسكها بورقة تيار الإسلام السياسي في مواجهة الأنظمة العربية والشيخ القرضاوي (المصري- القطري) الذي هو بمثابة المرشد الأعلى للدولة القطرية ومنظّر للفكر الديني والسياسي والاجتماعي للدوحة.

مع المقاطعة العربية لقطرفي يونيو 2017 أصبحت الدوحة تتقرب أكثر لإيران؛ بل المقاطعة العربية أظهرت الوجه الحقيقي للدوحة على أنها تتبع سياسات تتشابه مع سياسات إيران تمامًا، وهدفها إيذاء الدول العربية، وكان آخرها رفضها لقرار الولايات المتحدة الأمريكية اعتبار الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية.

أولًا: سياسات الدوحة المزايدة على العرب:

لم يكن غريبًا الرفض القطري لاعتبار الولايات المتحدة الأمريكية الحرس الثوري الإيراني منظمة إرهابية؛ بل هي استمرار لسياسات التغريد خارج السرب الخليجي والعربي بشكل عام؛ بل تنسجم مع سياسات الدوحة التي تعوّدنا عليها، وهي المزايدة على الدول العربية وكأنها الدولة المرشدة الناضجة ذات اليد العليا التي عليها أن تُسدي النصح للجميع؛ بل أن تملي عليهم ماذا يجب أن يفعلوا في القضية أو تلك! وليس إملاءات في السياسة الخارجية فحسب؛ بل في السياسة الداخلية أيضاً، فهي ما زالت تدافع عن تيار سلمان العودة داخل المملكة، وتتدخل في الشأن السعودي الداخلي وطبيعة المجتمع السعودي وخصوصيته في التعامل مع المرأة السعود ية؛ خاصة في الفيديو الذي بث قبل أسبوع والذي حمل إساءة للمرأة السعودية بل الخليجية بشكل عام، والذي ولّد غضبًا عارمًا على "تويتر"، أجبر الجزيرة على حذفه.

فالدوحة التي طالما دافعت عن إيران وطالبت العرب بالحوار معها وعدم التصعيد ضدها، ووصلت أن تصفها بالدولة الشريفة؛ ليس عن صدق نوايا الدوحة نحو إيران بل إنها تعلم جيدًا أن طهران تستخدمها في حربها الإقليمية ضد الرياض؛ بل إن الدوحة تلمّع وجه إيران وتكيل لها المدح فقط لمكايدة السعودية واستفزازها؛ إيران التي تزايد على العرب بقضية تحرير القدس وصنعت أكذوبة محور المقاومة الذي قضم واحتل الأراضي العربية ولم يحرر فلسطين في النهاية؛ بل تاجر بالقضية وابتز وزايد على العرب.

المزايدة في ملف تنظيم المملكة العربية السعودية للحج وهذا حلم إيراني منذ زمن أن تنتزع شرف خدمة المملكة العربية السعودية للمسلمين في الحج، أو أن توضَعَ مكةُ والمدينة تحت الإشراف الدولي كمنطقة مقدسة لدى المسلمين، وأن تدار من قِبَل المجتمع الدولي، ونزع السيادة السعودية عليها، وخرجت تقارير إعلامية تتحدث عن دور الدوحة في إنشاء منظمة في ماليزليا لمراقبة الحج؛ هدفها رصد ما تدّعي من انتهاكات المملكة العربية السعودية في تنظيم الحج، وهنا تتماهى قطر مع إيران في استهداف المملكة ومساعدة طهران للترويج لكذبتها أنها قادرة على تنظيم الحج أفضل من الرياض. في ملف حيوي حيث دبرت دولة الخوميني كثيرًا من الكوارث لإفساد الحج، وكان آخرها التدافع الذي حدث في الحرم عام 2015، وكان عبر الحجاج الإيرانيين؛ فسياسة المزايدة صنعتها طهران وسارت على دربها الدوحة.

ثانيًا: قناة الجزيرة والإعلام الإيراني وجهان لعملة واحدة

أصبحت شبكة الجزيرة التي اكتسبت شهرة عالمية برغم اختلافنا مع سياساتها التحريرية، والتي كانت تحريضية في الربيع العربي وتساند وتلمّع وجه الجماعات الإرهابية في أكثر من بلد عربي؛ إلا أن المقاطعة العربية لقطر أجبرت الجزيرة أن تقامر بكل ما تبقى لها من مهنية، وأن تتبنى سياسة تحريرية مشابهة؛ بل نسخة طبق الأصل من الإعلام العربي الممول إيرانيًّا مثل قناة "الميادين" و"العالم" و"المسيرة" و"المنار" وكل ما يسمي اصطلاحًا بالإعلام المقاوم، وتجلى ذلك بتغيير مواقفها من حرب التحالف العربي في اليمن ودعم قنوات الحوثي عبر قمر "سهيل سات"؛ بل إن تغطيتها لحادثة مقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي كان بها نوع من الشماتة السياسية والاستهزاء بالمملكة العربية السعودية بشكل فجّ فاقَ التوقعات حتى لو كانت طهران هي من فعلت ذلك.

الجزيرة التي أنتجت عشرات الأفلام الوثائقية التي كانت تُدين الدور الإيراني وأدواته في المنطقة مثل أفلام عن الحرس الثوري الإيراني ونشأته ومقدراته المالية، وعن دور إيران في إنشاء الحرس الثوري الإيراني ودور حزب الله في تركيع لبنان لحسابه واغتيال قيادات قوى 14 آذار، وكيف سيطر وابتلع على البلد كله؛ أصبحت المنصة الأولى لجماعة الحوثي وأول من تستضيف المسؤولين الإيرانيين كان آخرها الأسبوع الماضي علي لاريجاني رئيس البرلمان الإيراني، وهو رجل يكره العرب من الأساس، وتحولت برامج الجزيرة إلى كيف أصبحت السعودية وكيف أمست الرياض، وترى أنها بهذه الطريقة تضغط على الرياض وستنهي معها المقاطعة؛ ولكن بعد كل هذا لم يتغير شيء، وسقطت في فخ تنفيذ استراتيجية أو أجندة إيرانية في مواجهة أكبر الدول الخليجية باستهدافها إعلاميًّا واستباحة شأنها الداخلي بدون حرج أو وضع اعتبار لتاريخ أو دور المملكة العربي والإسلامي.

ثالثًا: ماذا بعد كل هذا التطبيع الإيراني القطري

العلاقات بين إيران وقطر للأسف أصبحت مثل الزواج الكاثوليكي الذي لا طلاق فيه؛ أصبحت علاقة بين سيد وخادم، وهذا أمر محزن أن تقامر بالعلاقات التاريخية مع العرب واللحمة الخليجية إلى الأبد، وأن تختار إيران وتركيا على حساب العرب وشعب الخليج؛ فالمقاطعة العربية مهما طالت سيأتي لها يوم وتنتهي، كيف ستخلص الدوحة من الأيرنة السياسية التي تسيطر على سلوكها السياسي وعلى فكرها المكون لبناء سياساتها الخارجية؟! فالدوحة فتحت الأبواب للحرس الثوري والتجار الإيرانيين للاستثمار في السوق القطري وتخفيف حدة العقوبات على طهران، بالإضافة إلى عقد كثير من المنتديات والمؤتمرات للترويج للدور الإيراني والدفاع عنها في مواجهة إدارة ترامب المتشددة نحو إيران التي ألغت الاتفاق النووي، وكان منتدى الدوحة في ديسمبر الماضي نموذجًا على ذلك؛ فجمعت التناقضات وجمعت الساسة الإيرانيين وأعضاء الكونجرس أيضاً الرافضين لإيران على طاولة واحدة، وكان مؤتمر العاشر من أبريل الماضي، دلالةً جديدة على أن قطر وتركيا وإيران في خندق واحد ومحور واحد؛ بل الدوحة وأنقرة تسخّران كل مقدرات بلديهما للدفاع عن إيران، وتصحيح أو تصويب صورتها أمام العالم؛ في مقابل تسخير كل شيء للإساءة للرياض وتشويهها؛ مستغلين حادثة مقتل الصحفي جمال خاشقجي، وهنا نريد نقطة نظام: كيف للبلدين اللتين تدافعان عن إيران، أن تكونا حلفاء الولايات المتحدة؛ بل حضرتا "مؤتمر وارسوا" في فبراير الماضي الذي كان يستهدف تعرية الجرائم الإيرانية أمام العالم.

الخلاصة: تبدو استراتيجية إيران في جذب الدوحة إليها ناجعة، وآتت ثمارها؛ ولكن الدوحة تطلق النارعلى قدميها بتحالفها المتزايد مع إيران؛ بل بالأحرى طهران مثل الثعبان الذي يلتفّ حول فريسته ثم يلدغها في النهاية، وعلينا كدول الاعتدال العربي أن نتحمل ونواجه أذى الجيران بصبر ومثابرة، وأن نقلب الطاولة عليهم، وبدأت بمقاطعة الدوحة قبل عامين، ثم قرار اعتبار الحرس الثوري إرهابيًّا، وهو قرار استراتيجي يخدم مصالح دول الخليج؛ وبخاصة التحالف العربي في اليمن، ومواجهة دور إيران في سوريا والعراق ولبنان.