خلك رجال!

"المرجلة" مفهوم واسع لمعاني الشهامة، والطبع الأصيل، والكرم، ودماثة الخلق، وأصالة الفكر، وطيب الأفعال وقوة الشخصية، وامتداد الأثر والنفع.

هي الصفة التي عندما تنتفي في الذكر فإنه لا يعود ذكراً؛ بل يصبح عالةً على صنف الرجال بأكمله!

ولا يوجد أبٌ عربي أصيل إلا ويحلم ويتمنى أن يكون ابنه "رجال"، وتلك كلمة تقتضي الكثير من المفاهيم –الآنفة الذكر- والتي يَفترض بعض الآباء أنها ستُحقن في أبنائهم تلقائياً مع لقاحات التطعيم ربما!

فيمضي الابن ثلاثة أرباع يومه مع والدته وأصدقائه وأجهزته وألعابه، ويقابل والده في مشهدٍ قصير ليختتمه الأب بمقولته:

"خلك رجال وامش زين".

"خلك رجال وتكلم زين!".

"خلك رجال وألعب زين!".

"خلك رجال وادرس زين".

وتطول القائمة!

وتتعدد التوجيهات والأسلوب واحد...

عفواً عزيزي الأب الفاضل، دعني أذكرك هنا بقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً

التربية جهد مستمر، وحكمة بالغة، وصبر جميل، بوعيٍ وثقافة، ولو كانت في أوامر محدودة نلقيها على مسامع الأبناء في دقائق سريعة، ثم ندلج لنكمل مسيرة يومنا بدونهم، لما كانت تؤلف كتب التربية، ولما احتاج الناس للدورات والاستشارات التربوية، ولما افتتح في الجامعات قسم خاص لتدريسها.

وإذا كنت تعتقد أنه بإلقائك تلك الجمل الغاضبة أنك تربي، اسمح لي أن أخبرك الحقيقة: أنت لا تفعل شيئاً سوى أنك تؤخّر من مسيرة ابنك نحو "المرجلة"!

وعندما تصرخ في وجهه في كل مرة يخطئ، فأنت تؤخرها أميالاً.

وعندما يكون ديدنك في "ضربه" هو وسيلتك في التربية إن شئت أن تسميها كذلك، فأخشى ألا يذوق قوة الشخصية، إلا من رحم ربي.

وإن جاءت الآن المقولة الشهيرة في ذهنك "انطقينا وما ضرنا"، أقول لك: كنت أتمنى أن يكون الأثر ملموساً حتى نراه، ولكنه أثرٌ لا يرى بالعين المجردة، ولا حتى بالمجهر!

إنما هو أثرٌ سبّب الكثير من الجفاف العاطفي لدى الكثير من الضحايا، وأدى لضعف الثقة بالنفس عند فئةٍ لا يستهان بها، وصعوبة في اتخاذ القرار عند آخرين، وخوف من الظهور عند ثلةٍ أخرى، أو قوة تغلبها قسوةٌ في غير محلها، أو جبروت في قالبٍ خادع عند بعضهم، يخفي في داخله هشاشة وضعف.

والمصيبة أن أصحاب تلك "العاهات المشاعرية" و"التصدعات النفسية" لا يعلمون، نعم لا يعلمون أن أسبابها وجذورها تمتد إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه يُضربون كثيراً ويتألمون ويمتعضون، ولكنهم يحبسون نار غضبهم؛ خوفاً من المزيد من الإهانة أو التحقير. ليس ذلك فحسب، بل يعتقدون بكل ثقة أو مكابرة على الأرجح أن كل ذلك لم يضرّهم، ويستمرون في استخدام نفس الأساليب العقيمة في تربية أبنائهم، وتستمر الحلقة المفرغة!

أيها الأب المربي

عندما تقول لابنك "خلك رجال"، فضلاً وضح قبل كل شيء ما تقصده بذلك المفهوم المبهم لديه، فقطعاً أن ابنك يفهم كلمة "رجال" بأنها تعني عكس "المرأة"، ولا يعلم ما تريد أنت من خلالها ولم تقولها بتجهّمٍ كل مرة!

علّمه المرجلة أفعالاً لا أقوالاً، وأظهر له الصفات الحسنة فيك قبل أي مكان آخر، درّبه على تلك المفاهيم وصاحبه حتى يتشربها مع مرور السنين. ولن يحدث ذلك وهو يمضي ساعاتٍ أمام أجهزة إلكترونية أو في اجتماعات النساء، ولن تستطيع أن تطبع فيها مزايا الأخلاق دون أن تصحبه بشكل يومي للمسجد، وبشكل دوري في زيارات ولقاءات أسرية، و"مشاوير" وأنشطة مشتركة بينكما.

أيها الأب المربي

"إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" صدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

والرفق يعني:

أن تختار أفضل الألقاب عند ندائك لابنك، ولا تعتقد أن نداءك الغاضب أو الجاف سيزيده رجولة أو خشونة، بل سيزيده حقداً وخوفاً وضعفاً داخلياً في كل مرةٍ يسمع فيها اسمه بلسانك الحنق!

محالٌ أن يتحوّل ذلك الخوف والمشاعر المضطربة بينكما لقوة وسلامةٍ في الشخصية عند الكبر إلا ما شاء الله أن يتولّاه برعايته.

والرفق يعني:

أن تضع يدك على كتفه وتخاطبه وجهاً لوجه، كما تخاطب مديرك في العمل، ألست تريده رجلاً؟!

لم لا تخاطبه إذن كما يفعل الرجال؟

والرفق يعني:

أن تتغافل عن بعض أخطائه، وتجعل له فرصة التعلم، وأن تشكره عندما يحضر لك كوباً من الماء، أو يحمل أكياس البقالة عنك.

وأن تقبله وتحتضنه وتشمه دون مخافة أنك تتْلفه أو تؤنّثه بذلك، بل لأنه حقٌ شرعي من كل أبٍ لابنه مهما كبر واشتدّ عوده. فإذا كان الرسول يقبل أبناءه ويضعهم في حجره صلوات ربي وسلامه عليه، أفلا تفعل أنت!

والرفق يعني:

أن تسمح لمشاعرك بالخروج وتعبر له بكل أريحية عن إعجابك ببعض أفعاله، لا تحبسها طويلاً، ليتك تحبس انتقاداتك كما تحبس إطراءك. إنّ الإطراء والمديح الفعّال هو بوابة الثقة بالنفس والاعتزاز والتي هي أساس المرجلة التي تبحث عنها.

وإن امتنع ابنك عن خطأٍ بعنفك معه لن يكون سوى امتناع وقتيّ، كما أن أجره لا يوازي الأجر فيما لو وجّهت برفق.

فلا تكن فظّاً فيكره أبنائك دخولك للمنزل ويفرحوا بغيابك، فبطولتك أن يرقص البيت فرحاً بدخولك لا بخروجك!

قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}.

وأطمئنك عزيزي الأب..

لن تخسر شيئاً لو خاطبتهم برفق، ونصحتهم بحب، وصحبتهم باستمتاع، بل سيرتفع مقامك الوالدي في قلوبهم وعقولهم، وسيرون المراجل عياناً من والدهم البطل في أعينهم، وتلك أقوى وسائل التربية؛ الاقتداء بمن نحب.

هدئ من روعك..

فلا بأس إذا انسكب كوب العصير على مائدة العشاء، فخرقةٌ بالية تمسحه في ثوانٍ، ولكن لا شيء سيمسح أثرَ غضبك المنسكب على ابنك المذعور من فعله في تلك اللحظة!

هدئ من روعك..

إذا اختلف صغارك وارتفعت أصواتهم، اترك لهم مساحة حل مشكلاتهم والتفاوض فيما بينهم، ولا تنفلت بصراخك وتوجيهاتك الغاضبة التي ستزيد الوضع سوءاً!

"لا تنه عن خلقٍ وتأتي بمثله... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم"

عزيزي الأب..

قد تعتقد أن الأم مكلفةٌ بالتربية، والوالد مكلف بالإنفاق، فإن كنت كذلك كان الله في عون زوجتك؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع أن تكون رجلاً.

ولكنها ستحاول أن تلعب الدورين في حال غيابك أو تقاعسك، وكم هو صعب ومضنٍ لها.

إنّ واقع الأمر أن الأب مكلفٌ بالتربية، ومكانته ودوره لا يملأهما أحد سواه، فمنه يستمد الأبناء قوتهم ومنه تستمد الأسرة تماسكها، فإذا كان ذلك الأب يوكل تلك المهمة للأم ستهتز تلك الأسرة ويميل البنيان.

وقد نصادف على النقيض بعض الآباء المصابين بـ"هشاشة العاطفة"، فهم يجعلون أبناءهم في فقاعة حماية وخوف وحرص وعطفٍ مبالغ يقتل كل أصناف المسؤولية فيهم، فيكبرون وهم فاقدون لكل معاني القوة والتحمل والاعتماد على النفس.

فلا تكن صلباً فتُكسر ولا ليناَ فتُعصر.

أيها المربي الفاضل والأب الكريم..

إن كنت تريد المرجلة في ابنك، فالزم تلك القاعدة الذهبية:

"لاعبه سبعاً، ثم أدبه سبعاً، ثم صاحبه سبعاً".

فـ"اللعب" مفتاح التربية وأقصر الطرق للوصول للطفل.

و"التأديب" لا يكون إلا بالحب والرفق والغرس المتكرر دون غضب ولا تحقير ولا إهانات مدمرة.

أما "الصحبة" فهي نهاية الرحلة، فقد غرست ثماراً، وآن الأوان لتصحب ذلك الشاب الذي ربّيت صديقاً ورفيقاً ومستشاراً خاصاً لك.

وهنيئاً لك بذلك الحصاد.

مدربة ومستشارة في الطفولة

محاضرة بجامعة الملك سعود

@maha_hagabani

مها عبدالله الحقباني
اعلان
خلك رجال!
سبق

"المرجلة" مفهوم واسع لمعاني الشهامة، والطبع الأصيل، والكرم، ودماثة الخلق، وأصالة الفكر، وطيب الأفعال وقوة الشخصية، وامتداد الأثر والنفع.

هي الصفة التي عندما تنتفي في الذكر فإنه لا يعود ذكراً؛ بل يصبح عالةً على صنف الرجال بأكمله!

ولا يوجد أبٌ عربي أصيل إلا ويحلم ويتمنى أن يكون ابنه "رجال"، وتلك كلمة تقتضي الكثير من المفاهيم –الآنفة الذكر- والتي يَفترض بعض الآباء أنها ستُحقن في أبنائهم تلقائياً مع لقاحات التطعيم ربما!

فيمضي الابن ثلاثة أرباع يومه مع والدته وأصدقائه وأجهزته وألعابه، ويقابل والده في مشهدٍ قصير ليختتمه الأب بمقولته:

"خلك رجال وامش زين".

"خلك رجال وتكلم زين!".

"خلك رجال وألعب زين!".

"خلك رجال وادرس زين".

وتطول القائمة!

وتتعدد التوجيهات والأسلوب واحد...

عفواً عزيزي الأب الفاضل، دعني أذكرك هنا بقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً

التربية جهد مستمر، وحكمة بالغة، وصبر جميل، بوعيٍ وثقافة، ولو كانت في أوامر محدودة نلقيها على مسامع الأبناء في دقائق سريعة، ثم ندلج لنكمل مسيرة يومنا بدونهم، لما كانت تؤلف كتب التربية، ولما احتاج الناس للدورات والاستشارات التربوية، ولما افتتح في الجامعات قسم خاص لتدريسها.

وإذا كنت تعتقد أنه بإلقائك تلك الجمل الغاضبة أنك تربي، اسمح لي أن أخبرك الحقيقة: أنت لا تفعل شيئاً سوى أنك تؤخّر من مسيرة ابنك نحو "المرجلة"!

وعندما تصرخ في وجهه في كل مرة يخطئ، فأنت تؤخرها أميالاً.

وعندما يكون ديدنك في "ضربه" هو وسيلتك في التربية إن شئت أن تسميها كذلك، فأخشى ألا يذوق قوة الشخصية، إلا من رحم ربي.

وإن جاءت الآن المقولة الشهيرة في ذهنك "انطقينا وما ضرنا"، أقول لك: كنت أتمنى أن يكون الأثر ملموساً حتى نراه، ولكنه أثرٌ لا يرى بالعين المجردة، ولا حتى بالمجهر!

إنما هو أثرٌ سبّب الكثير من الجفاف العاطفي لدى الكثير من الضحايا، وأدى لضعف الثقة بالنفس عند فئةٍ لا يستهان بها، وصعوبة في اتخاذ القرار عند آخرين، وخوف من الظهور عند ثلةٍ أخرى، أو قوة تغلبها قسوةٌ في غير محلها، أو جبروت في قالبٍ خادع عند بعضهم، يخفي في داخله هشاشة وضعف.

والمصيبة أن أصحاب تلك "العاهات المشاعرية" و"التصدعات النفسية" لا يعلمون، نعم لا يعلمون أن أسبابها وجذورها تمتد إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه يُضربون كثيراً ويتألمون ويمتعضون، ولكنهم يحبسون نار غضبهم؛ خوفاً من المزيد من الإهانة أو التحقير. ليس ذلك فحسب، بل يعتقدون بكل ثقة أو مكابرة على الأرجح أن كل ذلك لم يضرّهم، ويستمرون في استخدام نفس الأساليب العقيمة في تربية أبنائهم، وتستمر الحلقة المفرغة!

أيها الأب المربي

عندما تقول لابنك "خلك رجال"، فضلاً وضح قبل كل شيء ما تقصده بذلك المفهوم المبهم لديه، فقطعاً أن ابنك يفهم كلمة "رجال" بأنها تعني عكس "المرأة"، ولا يعلم ما تريد أنت من خلالها ولم تقولها بتجهّمٍ كل مرة!

علّمه المرجلة أفعالاً لا أقوالاً، وأظهر له الصفات الحسنة فيك قبل أي مكان آخر، درّبه على تلك المفاهيم وصاحبه حتى يتشربها مع مرور السنين. ولن يحدث ذلك وهو يمضي ساعاتٍ أمام أجهزة إلكترونية أو في اجتماعات النساء، ولن تستطيع أن تطبع فيها مزايا الأخلاق دون أن تصحبه بشكل يومي للمسجد، وبشكل دوري في زيارات ولقاءات أسرية، و"مشاوير" وأنشطة مشتركة بينكما.

أيها الأب المربي

"إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" صدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

والرفق يعني:

أن تختار أفضل الألقاب عند ندائك لابنك، ولا تعتقد أن نداءك الغاضب أو الجاف سيزيده رجولة أو خشونة، بل سيزيده حقداً وخوفاً وضعفاً داخلياً في كل مرةٍ يسمع فيها اسمه بلسانك الحنق!

محالٌ أن يتحوّل ذلك الخوف والمشاعر المضطربة بينكما لقوة وسلامةٍ في الشخصية عند الكبر إلا ما شاء الله أن يتولّاه برعايته.

والرفق يعني:

أن تضع يدك على كتفه وتخاطبه وجهاً لوجه، كما تخاطب مديرك في العمل، ألست تريده رجلاً؟!

لم لا تخاطبه إذن كما يفعل الرجال؟

والرفق يعني:

أن تتغافل عن بعض أخطائه، وتجعل له فرصة التعلم، وأن تشكره عندما يحضر لك كوباً من الماء، أو يحمل أكياس البقالة عنك.

وأن تقبله وتحتضنه وتشمه دون مخافة أنك تتْلفه أو تؤنّثه بذلك، بل لأنه حقٌ شرعي من كل أبٍ لابنه مهما كبر واشتدّ عوده. فإذا كان الرسول يقبل أبناءه ويضعهم في حجره صلوات ربي وسلامه عليه، أفلا تفعل أنت!

والرفق يعني:

أن تسمح لمشاعرك بالخروج وتعبر له بكل أريحية عن إعجابك ببعض أفعاله، لا تحبسها طويلاً، ليتك تحبس انتقاداتك كما تحبس إطراءك. إنّ الإطراء والمديح الفعّال هو بوابة الثقة بالنفس والاعتزاز والتي هي أساس المرجلة التي تبحث عنها.

وإن امتنع ابنك عن خطأٍ بعنفك معه لن يكون سوى امتناع وقتيّ، كما أن أجره لا يوازي الأجر فيما لو وجّهت برفق.

فلا تكن فظّاً فيكره أبنائك دخولك للمنزل ويفرحوا بغيابك، فبطولتك أن يرقص البيت فرحاً بدخولك لا بخروجك!

قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}.

وأطمئنك عزيزي الأب..

لن تخسر شيئاً لو خاطبتهم برفق، ونصحتهم بحب، وصحبتهم باستمتاع، بل سيرتفع مقامك الوالدي في قلوبهم وعقولهم، وسيرون المراجل عياناً من والدهم البطل في أعينهم، وتلك أقوى وسائل التربية؛ الاقتداء بمن نحب.

هدئ من روعك..

فلا بأس إذا انسكب كوب العصير على مائدة العشاء، فخرقةٌ بالية تمسحه في ثوانٍ، ولكن لا شيء سيمسح أثرَ غضبك المنسكب على ابنك المذعور من فعله في تلك اللحظة!

هدئ من روعك..

إذا اختلف صغارك وارتفعت أصواتهم، اترك لهم مساحة حل مشكلاتهم والتفاوض فيما بينهم، ولا تنفلت بصراخك وتوجيهاتك الغاضبة التي ستزيد الوضع سوءاً!

"لا تنه عن خلقٍ وتأتي بمثله... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم"

عزيزي الأب..

قد تعتقد أن الأم مكلفةٌ بالتربية، والوالد مكلف بالإنفاق، فإن كنت كذلك كان الله في عون زوجتك؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع أن تكون رجلاً.

ولكنها ستحاول أن تلعب الدورين في حال غيابك أو تقاعسك، وكم هو صعب ومضنٍ لها.

إنّ واقع الأمر أن الأب مكلفٌ بالتربية، ومكانته ودوره لا يملأهما أحد سواه، فمنه يستمد الأبناء قوتهم ومنه تستمد الأسرة تماسكها، فإذا كان ذلك الأب يوكل تلك المهمة للأم ستهتز تلك الأسرة ويميل البنيان.

وقد نصادف على النقيض بعض الآباء المصابين بـ"هشاشة العاطفة"، فهم يجعلون أبناءهم في فقاعة حماية وخوف وحرص وعطفٍ مبالغ يقتل كل أصناف المسؤولية فيهم، فيكبرون وهم فاقدون لكل معاني القوة والتحمل والاعتماد على النفس.

فلا تكن صلباً فتُكسر ولا ليناَ فتُعصر.

أيها المربي الفاضل والأب الكريم..

إن كنت تريد المرجلة في ابنك، فالزم تلك القاعدة الذهبية:

"لاعبه سبعاً، ثم أدبه سبعاً، ثم صاحبه سبعاً".

فـ"اللعب" مفتاح التربية وأقصر الطرق للوصول للطفل.

و"التأديب" لا يكون إلا بالحب والرفق والغرس المتكرر دون غضب ولا تحقير ولا إهانات مدمرة.

أما "الصحبة" فهي نهاية الرحلة، فقد غرست ثماراً، وآن الأوان لتصحب ذلك الشاب الذي ربّيت صديقاً ورفيقاً ومستشاراً خاصاً لك.

وهنيئاً لك بذلك الحصاد.

مدربة ومستشارة في الطفولة

محاضرة بجامعة الملك سعود

@maha_hagabani

13 ديسمبر 2018 - 6 ربيع الآخر 1440
01:51 PM
اخر تعديل
13 يونيو 2020 - 21 شوّال 1441
01:38 PM

خلك رجال!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
1
2,653

"المرجلة" مفهوم واسع لمعاني الشهامة، والطبع الأصيل، والكرم، ودماثة الخلق، وأصالة الفكر، وطيب الأفعال وقوة الشخصية، وامتداد الأثر والنفع.

هي الصفة التي عندما تنتفي في الذكر فإنه لا يعود ذكراً؛ بل يصبح عالةً على صنف الرجال بأكمله!

ولا يوجد أبٌ عربي أصيل إلا ويحلم ويتمنى أن يكون ابنه "رجال"، وتلك كلمة تقتضي الكثير من المفاهيم –الآنفة الذكر- والتي يَفترض بعض الآباء أنها ستُحقن في أبنائهم تلقائياً مع لقاحات التطعيم ربما!

فيمضي الابن ثلاثة أرباع يومه مع والدته وأصدقائه وأجهزته وألعابه، ويقابل والده في مشهدٍ قصير ليختتمه الأب بمقولته:

"خلك رجال وامش زين".

"خلك رجال وتكلم زين!".

"خلك رجال وألعب زين!".

"خلك رجال وادرس زين".

وتطول القائمة!

وتتعدد التوجيهات والأسلوب واحد...

عفواً عزيزي الأب الفاضل، دعني أذكرك هنا بقول الشاعر:

وما نيل المطالب بالتمني.. ولكن تؤخذ الدنيا غلاباً

التربية جهد مستمر، وحكمة بالغة، وصبر جميل، بوعيٍ وثقافة، ولو كانت في أوامر محدودة نلقيها على مسامع الأبناء في دقائق سريعة، ثم ندلج لنكمل مسيرة يومنا بدونهم، لما كانت تؤلف كتب التربية، ولما احتاج الناس للدورات والاستشارات التربوية، ولما افتتح في الجامعات قسم خاص لتدريسها.

وإذا كنت تعتقد أنه بإلقائك تلك الجمل الغاضبة أنك تربي، اسمح لي أن أخبرك الحقيقة: أنت لا تفعل شيئاً سوى أنك تؤخّر من مسيرة ابنك نحو "المرجلة"!

وعندما تصرخ في وجهه في كل مرة يخطئ، فأنت تؤخرها أميالاً.

وعندما يكون ديدنك في "ضربه" هو وسيلتك في التربية إن شئت أن تسميها كذلك، فأخشى ألا يذوق قوة الشخصية، إلا من رحم ربي.

وإن جاءت الآن المقولة الشهيرة في ذهنك "انطقينا وما ضرنا"، أقول لك: كنت أتمنى أن يكون الأثر ملموساً حتى نراه، ولكنه أثرٌ لا يرى بالعين المجردة، ولا حتى بالمجهر!

إنما هو أثرٌ سبّب الكثير من الجفاف العاطفي لدى الكثير من الضحايا، وأدى لضعف الثقة بالنفس عند فئةٍ لا يستهان بها، وصعوبة في اتخاذ القرار عند آخرين، وخوف من الظهور عند ثلةٍ أخرى، أو قوة تغلبها قسوةٌ في غير محلها، أو جبروت في قالبٍ خادع عند بعضهم، يخفي في داخله هشاشة وضعف.

والمصيبة أن أصحاب تلك "العاهات المشاعرية" و"التصدعات النفسية" لا يعلمون، نعم لا يعلمون أن أسبابها وجذورها تمتد إلى ذلك الوقت الذي كانوا فيه يُضربون كثيراً ويتألمون ويمتعضون، ولكنهم يحبسون نار غضبهم؛ خوفاً من المزيد من الإهانة أو التحقير. ليس ذلك فحسب، بل يعتقدون بكل ثقة أو مكابرة على الأرجح أن كل ذلك لم يضرّهم، ويستمرون في استخدام نفس الأساليب العقيمة في تربية أبنائهم، وتستمر الحلقة المفرغة!

أيها الأب المربي

عندما تقول لابنك "خلك رجال"، فضلاً وضح قبل كل شيء ما تقصده بذلك المفهوم المبهم لديه، فقطعاً أن ابنك يفهم كلمة "رجال" بأنها تعني عكس "المرأة"، ولا يعلم ما تريد أنت من خلالها ولم تقولها بتجهّمٍ كل مرة!

علّمه المرجلة أفعالاً لا أقوالاً، وأظهر له الصفات الحسنة فيك قبل أي مكان آخر، درّبه على تلك المفاهيم وصاحبه حتى يتشربها مع مرور السنين. ولن يحدث ذلك وهو يمضي ساعاتٍ أمام أجهزة إلكترونية أو في اجتماعات النساء، ولن تستطيع أن تطبع فيها مزايا الأخلاق دون أن تصحبه بشكل يومي للمسجد، وبشكل دوري في زيارات ولقاءات أسرية، و"مشاوير" وأنشطة مشتركة بينكما.

أيها الأب المربي

"إن الرفق لا يكون في شيءٍ إلا زانه، ولا يُنزع من شيء إلا شانه" صدق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.

والرفق يعني:

أن تختار أفضل الألقاب عند ندائك لابنك، ولا تعتقد أن نداءك الغاضب أو الجاف سيزيده رجولة أو خشونة، بل سيزيده حقداً وخوفاً وضعفاً داخلياً في كل مرةٍ يسمع فيها اسمه بلسانك الحنق!

محالٌ أن يتحوّل ذلك الخوف والمشاعر المضطربة بينكما لقوة وسلامةٍ في الشخصية عند الكبر إلا ما شاء الله أن يتولّاه برعايته.

والرفق يعني:

أن تضع يدك على كتفه وتخاطبه وجهاً لوجه، كما تخاطب مديرك في العمل، ألست تريده رجلاً؟!

لم لا تخاطبه إذن كما يفعل الرجال؟

والرفق يعني:

أن تتغافل عن بعض أخطائه، وتجعل له فرصة التعلم، وأن تشكره عندما يحضر لك كوباً من الماء، أو يحمل أكياس البقالة عنك.

وأن تقبله وتحتضنه وتشمه دون مخافة أنك تتْلفه أو تؤنّثه بذلك، بل لأنه حقٌ شرعي من كل أبٍ لابنه مهما كبر واشتدّ عوده. فإذا كان الرسول يقبل أبناءه ويضعهم في حجره صلوات ربي وسلامه عليه، أفلا تفعل أنت!

والرفق يعني:

أن تسمح لمشاعرك بالخروج وتعبر له بكل أريحية عن إعجابك ببعض أفعاله، لا تحبسها طويلاً، ليتك تحبس انتقاداتك كما تحبس إطراءك. إنّ الإطراء والمديح الفعّال هو بوابة الثقة بالنفس والاعتزاز والتي هي أساس المرجلة التي تبحث عنها.

وإن امتنع ابنك عن خطأٍ بعنفك معه لن يكون سوى امتناع وقتيّ، كما أن أجره لا يوازي الأجر فيما لو وجّهت برفق.

فلا تكن فظّاً فيكره أبنائك دخولك للمنزل ويفرحوا بغيابك، فبطولتك أن يرقص البيت فرحاً بدخولك لا بخروجك!

قال تعالى: {ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}.

وأطمئنك عزيزي الأب..

لن تخسر شيئاً لو خاطبتهم برفق، ونصحتهم بحب، وصحبتهم باستمتاع، بل سيرتفع مقامك الوالدي في قلوبهم وعقولهم، وسيرون المراجل عياناً من والدهم البطل في أعينهم، وتلك أقوى وسائل التربية؛ الاقتداء بمن نحب.

هدئ من روعك..

فلا بأس إذا انسكب كوب العصير على مائدة العشاء، فخرقةٌ بالية تمسحه في ثوانٍ، ولكن لا شيء سيمسح أثرَ غضبك المنسكب على ابنك المذعور من فعله في تلك اللحظة!

هدئ من روعك..

إذا اختلف صغارك وارتفعت أصواتهم، اترك لهم مساحة حل مشكلاتهم والتفاوض فيما بينهم، ولا تنفلت بصراخك وتوجيهاتك الغاضبة التي ستزيد الوضع سوءاً!

"لا تنه عن خلقٍ وتأتي بمثله... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم"

عزيزي الأب..

قد تعتقد أن الأم مكلفةٌ بالتربية، والوالد مكلف بالإنفاق، فإن كنت كذلك كان الله في عون زوجتك؛ لأنها مهما فعلت لن تستطيع أن تكون رجلاً.

ولكنها ستحاول أن تلعب الدورين في حال غيابك أو تقاعسك، وكم هو صعب ومضنٍ لها.

إنّ واقع الأمر أن الأب مكلفٌ بالتربية، ومكانته ودوره لا يملأهما أحد سواه، فمنه يستمد الأبناء قوتهم ومنه تستمد الأسرة تماسكها، فإذا كان ذلك الأب يوكل تلك المهمة للأم ستهتز تلك الأسرة ويميل البنيان.

وقد نصادف على النقيض بعض الآباء المصابين بـ"هشاشة العاطفة"، فهم يجعلون أبناءهم في فقاعة حماية وخوف وحرص وعطفٍ مبالغ يقتل كل أصناف المسؤولية فيهم، فيكبرون وهم فاقدون لكل معاني القوة والتحمل والاعتماد على النفس.

فلا تكن صلباً فتُكسر ولا ليناَ فتُعصر.

أيها المربي الفاضل والأب الكريم..

إن كنت تريد المرجلة في ابنك، فالزم تلك القاعدة الذهبية:

"لاعبه سبعاً، ثم أدبه سبعاً، ثم صاحبه سبعاً".

فـ"اللعب" مفتاح التربية وأقصر الطرق للوصول للطفل.

و"التأديب" لا يكون إلا بالحب والرفق والغرس المتكرر دون غضب ولا تحقير ولا إهانات مدمرة.

أما "الصحبة" فهي نهاية الرحلة، فقد غرست ثماراً، وآن الأوان لتصحب ذلك الشاب الذي ربّيت صديقاً ورفيقاً ومستشاراً خاصاً لك.

وهنيئاً لك بذلك الحصاد.

مدربة ومستشارة في الطفولة

محاضرة بجامعة الملك سعود

@maha_hagabani