"التقريشة" و"قريقعان" و"المسحراتي" و"الفوانيس".. عادات سنوية تركها الآباء وأحياها الأبناء

"سبق" ترصد أبرز العادات التي تعكس ترابط المجتمع السعودي واعتزازه بموروثه الشعبي

التقريشة الحائلية، والأسواق الشعبية في الرياض، وطوابير الإفطار الجماعي في رنية، وليالي القريقعان، والمسحراتي في الشرقية، وفوانيس جازان.. من العادات السنوية التي ترتبط بالشعب السعودي خلال شهر رمضان.

وترصد "سبق" في هذا التقرير أبرز العادات الرمضانية من عدة مناطق، حيث عاد الأبناء لإحيائها مجددًا بعدما اختفت لفترة، وكلها عادات ترتبط بروحانية الشهر المبارك، وتؤكد تلاحم أفراد المجتمع واعتزازهم بموروث الأجداد.

تقريشة حائل

وتفصيلاً، يرصد الزميل خالد السليمي كيف يبدأ الحائليون منذ ٢٧ شعبان بإحياء العادة السنوية التي عاشها كبارهم قبل صغارهم منذ زمنٍ بعيد وأسموها "التقريشة"، وهي عادة سنوية عند أبناء منطقة حائل، سواءً في منطقة حائل، أو كانوا في المناطق الأخرى داخل وخارج المملكة، وقد اندثرت وقتًا قريبًا مضى، وعاودها أبناء الجيل الحالي كجزءٍ من الموروث الشعبي للمنطقة.

والتقريشة عبارة عن اجتماع للعائلة أو أبناء الحي الواحد على طعام عادة يكون "عشاء" تبرز فيه الأكلات الحائلية الشعبية القديمة، كـ"الحنيني" و "التمن" و"الكبيبا" وغيرها من الأكلات سواءً الشعبية أو الحديثة، فيما يُخصص للبنات الأطفال لبس شعبي قديم عادة يكون كل أطفال العائلة الواحدة يلبسن زيًا موحدًا في التطريز واللون يختلف عن أطفال العائلة الأخرى الحاضرة للمناسبة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت العادة تندثر قليلاً عند الرجال، فيما حرصت النساء على الاحتفاظ بها، فتجد المنزل الواحد في تقريشة على مدى ثلاثة أيام ، فيوم عند نساء أهل الزوج، والآخر اجتماع نساء أهل الزوج، والثالث نساء الحي.

ويحرص الحائليون أن تُقام "التقريشة" في منزل أكبر العائلة سواءً أكان ذكرًا أو أنثى، فيما تُقام في الاستراحات في حالة عدم وجود مكان كافٍ في المنزل لاحتواء الضيوف.

وشهدت العادة انتشارًا واسعًا عند طالبات جامعة حائل، وقد تُقام في بداية شعبان، إذ تحرص طالبات حائل على إشراك زميلاتهن من خارج منطقة حائل، بالاحتفال بهذه العادة السنوية، فيتم إقامتها في إحدى الاستراحات بداية شعبان، وقبل الاختبارات ، وذلك نظرًا لسفر الطالبات خارج حائل، قبل موعد التقريشي في آخر شعبان.

ولاقت هذه العادة استحسان زوّار حائل، سواءً كانوا طلابًا أو طالبات، مما أسهم في نقلها لأُسرهم في مناطق أخرى لتجربتها.

وفي خارج حائل، سواءً داخل المملكة أو خارجها، يحرص أبناء المنطقة على إحياء تلك العادة، سواءً بالاجتماع أو ما يُسمى بـ"اللمّة" بين أبناء حائل في الحي الواحد أو المدينة الواحدة،أو الاكتفاء بإقامة العائلة تلك المناسبة بين أفرادها.

وخصصت بعض المطاعم في حائل، أكلات شعبية، تناسب التقريشة، وذلك بعد ارتفاع أسعار الأسر المنتجة في هذه الأيام من أجل هذه المناسبة، مما انعكس سلبًا على مبيعات تلك الأسر، إذ فاجأ بعض المطاعم الأسر بتقديمه الأكلات الشعبية لهذه المناسبة بسعر قد يصل نصف سعر ما حددته بعض الأسر المنتجة.

الأسواق الشعبية

وفي الرياض يؤكد الزميل قاسم الخبراني في تقريره أن الأسواق الشعبية تعد في شهر "رمضان الكريم" وعلى غير عادتها في باقي أشهر السنة مقصدًا للكثير من المواطنين، وهي عادة قديمة متوارثة لا تزال صامدة، حيث تزدحم بالمتسوقين لاسترجاع ذكريات الماضي الجميل من خلال طابعها التراثي القديم، والذي حافظت عليها وظلت متماسكة أمام ثورة التطور الكبير الذي شهدته الأسواق والمولات.

ومن أشهر الأسواق الشعبية في مدينة "الرياض" وتعد محط أنظار السكان في رمضان، سوق الحلة وسط العاصمة، والقرية الشعبية غرب العاصمة، والعودة جنوبها والعبيه بالدرعية ، وغيرها من الأسواق التي تنتعش بشكل كبير وملحوظ في شهر رمضان الكريم نظرًا لما تقدمه من أكلات شعبية ومستلزمات قديمة .

ويحرص الآباء، وكبار السن، على اصطحاب أبنائهم من الجيل الحالي لمرافقتهم لتعزيز الموروث الشعبي لديهم، وتعريفهم بتراث الأجداد سواء في الأكلات الشعبية التي مضى عليها عقود واختفت من على موائدنا وغيرها .

وما يميز الأسواق "الشعبية"هو بساطتها وتدني أسعارها بالمقارنة مع الأسواق، والمتاجر الأخرى وأيضًا تنوع سلعها ما بين القديم والحديث، وانتشار البسطات والتي في الأغلب تقوم عليها نسوة كبيرات في السن، حيث يحرصن على بيع مستلزمات قديمة سواء غذائية أو منزلية .

وتقول أم محمد، في الستين من عمرها، إنها تحرص في شهر رمضان الفضيل، من كل عام على زيارة سوق الحلة بشكل مستمر لشراء بعض الحاجات لتزيين مائدة إفطارها والتي افتقدتها الأسواق والمطاعم الحديثة، ومنها الحلبة واللحوح والسمك والأواني الفخارية وغيرها.

وشاطرها الرأي مواطن آخر حرص على اصطحاب أطفاله، حيث قال إن الأسواق الشعبية توفر وخصوصًا في شهر رمضان العديد من الأكلات الشعبية القديمة والتي اختفت من مطابخنا، موضحًا أنه يتردد عليها في الأسبوع ما بين مرة إلى مرتين لشراء الأسماك، والخضار، والسمبوسة، واللحم، بأسعار أقل من غيرها من الأسواق الأخرى.

وقال محمد العنزي إن الأسواق الشعبية تعيد له ذكريات الزمن الجميل في رمضان وتعد أحد أهم المقاصد في الشهر الكريم.

طوابير الإفطار

ويشير الزميل عمر السبيعي إلى أنه ولأعوام مَضتْ على اندثار عَادة الإفطار الجماعي في شهر الصيام، بعد أن كانت تُشكل طوابير بين الأقارب والجيران، متناسين سلبيات تلك العادة التي استمرت عشرات الأعوام، والضحية فيها حَبيسات المطبخ الرمضاني!

تلك العادة كان لها فصولٌ من الزمن، وتحديدًا في محافظة رنية، إذ كانت قبل ٣٠ عامًا تقريبًا؛ وتحديدًا بين سُكان البادية الذين يجمعون نساءهم في مَسكن أحدهم منذ ساعات الصباح لمساعدة أهل بيته على إعداد أطباق الأطعمة والمشروبات التي تكفي لإطعام ما لا يقل عن ٤٠ شخصًا.

"محمد سعد" أحد سكان محافظة رنية، تحدث لـ"سبق" عن طقوس تلك العادة الرمضانية وقال: يَعمُد الأهالي إلى إعداد جدول رمضاني بالأيام مُنذ مطلع الشهر وحتى يومه الأخير، وقد تكون الضيافة مرةً واحدةً في كل منزل أو مرتين؛ حسب عدد المشتركين في الإفطار الجماعي.

وأضاف: يَجمع "الإفطار الجماعي" الأُسر يوميًا في منزل صاحب المبادرة، ويتنقلون من منزلٍ لآخر طوال أيام الشهر الكريم، ويُقيم الرجال صلاة المغرب والعشاء والتراويح في المنزل الذي يحتضن ضيافتهم، ولاسيما في المناطق الريفية.

وشاركه المواطن "خالد السبيعي" بالقول: ضحية تلك العادة هي طاهية تلك الأطعمة والمشروبات التي تقضي يومها الرمضاني منذ ساعات الصباح في التحضير لتلك المأدبة التي يتوافد ضيوفها منذ ساعات النهار الأولى وحتى قبيل صلاة التراويح وقد تمتد لمنتصف الليل.

وأردف: "تُضيع ربة المنزل الكثير من العبادات والفرص الثمينة بسبب التحضير لتلك الأطعمة التي قد تتحوّل لنقمة الإسراف من جرّاء فائض الأطعمة الذي يذهب هباءً منثورًا".

المسحراتي وقرقيعان

ويوضح الزميل عبدالله السالم أن المنطقة الشرقية ما زالت متمسكة بالكثير من العادات والتقاليد في شهر رمضان المبارك، ولقرب المنطقة الشرقية جغرافيًا من دول الخليج العربي إلا أن أهالي المنطقة يعدونها من الموروث الشعبي الذي لا يمكن التفريط فيه ويتم إحياؤه في كل عام ويتوارثه الأجيال، إضافة إلى التطوير في هذه المواريث دون الإخلال بمضمونها، خصوصًا مع دخول وسائل التقنية الحديثة التي وُظفت في تطوير وخدمة هذه المواريث الشعبية .

واستعرضت "سبق" بعض هذه العادات والتقاليد التي يمارسها سكان المنطقة الشرقية خلال شهر رمضان المبارك، وكان القرقيعان أو القريقعانة أو الكريكعان أو الناصفة أبرزها، وهي عادة سنوية ومناسبة يحتفل بها سكان المنطقة الشرقية ومعظم دول الخليج بمنتصف شهر رمضان بحيث يقوم الأطفال بالدوران مرتدين أزياء شعبية خاصة بالمنطقة الشرقية ويرددون أناشيد معروفة ويقوم الأهالي بتوزيع الحلويات والسكاكر عليهم.

وتختلف الأهازيج والأناشيد بحسب المناطق اختلافًا بسيطًا ولكنها تبقى متشابهة في مضمونها، وهدفها إدخال السرور والبهجة على الأطفال وغالبًا ما يكون هناك مقر لتجمع الأطفال في الحي وعمل حفل لذلك بالأزياء الشعبية، بمشاركة الآباء والأمهات وتوزيع الهدايا والفلوس عليهم، وهذه العادة بدأت بالانتقال لبعض مدن المملكة بهدف إدخال البهجة والفرح والسرور على الأطفال .

ويقول "أبو جميل": قرقيعان عادة سنوية ثابتة في المنطقة الشرقية ويتم الإعداد لها من منتصف شهر شعبان سواء بالزي أو المكان أو تجهيز الدعوات، وعادة ما يكون هناك ضيوف من خارج المنطقة لحضور احتفالات قرقيعان، ويتم في هذه المناسبة توزيع الهدايا والحلويات والفلوس على الأطفال وعلى الأولاد والبنات، فهي فرحة ثابتة لهم وترسخ في آذانهم أعوامًا وأعوامًا وهذا هو الهدف الأساس من قرقيعان .

ومن العادات المرتبطة بعدة مناطق، عادة الإفطار في المساجد في شهر رمضان، وهي عادة ربما عند الكثير من سكان المملكة في مختلف المناطق، ولكن تشتهر بشكل كبير في المنطقة الشرقية، فتشاهد سكان الحي يجتمعون كل يوم من بداية شهر رمضان المبارك لتناول الفطور الأول عند أذان المغرب في المسجد وكل السكان يجلبون الوجبات من منازلهم .

ويعلق "أبو أحمد" على هذه القاعدة بأنها موجودة من أكثر من 50 عامًا ولم نفرط يومًا واحدًا في شهر رمضان في هذه العادة، فتشاهد سكان الحي والمتبرعين يتسابقون لتقديم الوجبات من منازلهم في المسجد خصوصًا أن الكثير من المساجد خصصت أماكن خاصة للإفطار في رمضان، إضافة إلى أن هناك تعاونًا مستمرًا في شهر رمضان وغير شهر رمضان مع الجمعيات الخيرية لتزويدها بوجبات إفطار لتوزيعها على المحتاجين حتى خارج الحي، والحمد لله التعاون معهم مستمر طوال أيام السنة .

المسحراتي ويسمى "بوطبيلة" وهو معروف عند دول الخليج ومنها المنطقة الشرقية، وتبدأ مهمة المسحراتي مع بداية أول يوم من شهر رمضان بجمع سكان الحارة والأطفال حوله، والدوران في الحارات للإعلان عن بداية شهر رمضان، وكذلك الإعلان عن دخول وقت السحور قبل أذان الفجر بساعة، ومازالت الكثير من محافظات المنطقة الشرقية متمسكة بالمسحراتي خصوصًا في قرى محافظتي القطيف والأحساء، حيث نشاهده حاملاً معه طبلة، ويتجوَّل لإيقاظ النَّائمين كي يتناولوا وجبة السحور، والاستعداد لصلاة الفجر .

ويقول "أحمد العامر" إن عادة المسحراتي غالبًا تكون لأشخاص معينين يقومون بهذه المهمة السعيدة التي تُدخل الفرح والسرور وأجواء رمضان في نفوس سكان الحارة، إضافة إلى أن أهالي الحارة يقدمون التبرعات والهدايا للمسحراتي وإكرامه تقديرًا لجهوده التي يقوم بها .


المائدة الشعبية

ومن جازان يشير الزميل محمد المواسي إلى عادات، تكاد تكون قد اندثرت اليوم، وبعضها لا تزال لدى بعض التجمعات السكانية أو القبائل، كالفطور الجماعي، وتبادل الطعام، والمشاركة في إعداد الطعام، والاحتفال برمضان عبر تزيين المنازل ووجهات القرى، وغيرها من الزينات التي يتم تركيبها في المنازل، كالفوانيس التي تتدلى في واجهات بعض البيوت، وكذلك الكثير من العادات والطقوس الرمضانية.. فما إن يقترب دخول الشهر الكريم حتى تتسابق الأسر على بسطات بيع الأواني الفخارية في منطقة جازان للتبضع منها، وخصوصًا إناء المغش والحيسية والتنور. ويستخدم إناء المغش في طهو اللحم غالبًا مع الخضار، والحيسية يوضع فيها الخمير "طحين الحبوب الحمراء بعد خبزه، ومن ثم يفت، ويوضع مع المرق". أما التنور، أو الميفا كما يسمى في العامية الجازانية، فهو يثبت في الأرض لعملية الحنيذ أو الخبز فيه، وذلك بعد إيقاد النار في الحطم بعد تجميعه داخله. ويعد ذلك من الإرث الذي يستعاد بشكل كبير في شهر رمضان المبارك.

وتتميز منطقة جازان بالكثير من الأكلات الشعبية الرمضانية، ويقبل عليها الأهالي؛ لما لها من طعم لذيذ، ونكهة محببة. وما زالت نساء المنطقة، وخصوصًا كبيرات السن، يبدعن في صنع وإعداد الأكلات الشعبية لأبنائهن وضيوفهن، ويحرصن أيضًا على توفير الأكلات الشعبية في وجبتَي الإفطار والسحور، كـ"المغش"، وأنواع عدة من الأطعمة.

ومن الأهازيج التي يرددها أطفال بعض القرى الجنوبية في المنطقة: "يا رمضان يا رميضاني، وسحورك بر عيساني، يا رمضان يا غايب سنة، وسحورك تحت المعجنة".

وقديمًا في فيفاء، وقبل رمضان بأيام، تجتهد النساء في طحن الحبوب "الدخن والزعر والغرب" على الرحى. وكل تلك الحبوب من نتاج الأرض. أما الرجال فيذبحون الذبائح، ويقطعون اللحم، وينشرونه على ما يسمى "المساييع" لتجفيفه، ولاسيما أن الكهرباء والثلاجات غير موجودة في تلك الأيام.

ومن العادات لدى البعض هناك بعد سماع خبر رؤية الهلال، وإعلان دخول الشهر، أن يبادر رب البيت بإطلاق الرصاص من شرفة بيته، فيتبعه الناس، ويطلقون الرصاص إعلامًا بدخول الشهر. ويتم الإعلام بالطريقة نفسها عند إعلان العيد. وما زالت هذه العادة موجودة إلى اليوم لدى البعض.


ويذكر فرحان الفيفي في تقرير سابق - وهو أحد أعيان المحافظة - الحديث عن رمضانات فيفاء السالفة، ويقول: "كان في كل بقعة في فيفاء موقع ذو إطلالة رائعة، يجتمع فيه الناس عصر كل ليلة إلى صلاة المغرب، وهو ما يسمى (المندى)، فيتجاذبون أطراف الحديث، ويمارس الفتيان خلال تلك الجلسة بعض الرياضات، كالقفز لأعلى مسافة، قد تصل إلى المترين، متجاوزين مدرجًا زراعيًّا ونحوه، أو يلعبون ما يعرف بلعبة المزاقرة. وعند الغروب يصعد المؤذن على بيته، أو على المسجد، فيرفع الأذان، فيفطر الناس.

ويتابع: تكون النساء قد أعدت مائدة الإفطار على سطح البيت، فيجتمع كل فيفاء فوق بيوتهم الأسطوانية لتناول الإفطار. والمائدة تكون عبارة عن خبز "المثفاة"، وجمعها "أثافي"، وهي عبارة عن حجرتين ملساوين، يوضع بينهما الحطب، وتلصق عليهما الخبز، بعد أن يثبت على بعض ورق الشجر، كورق الموز، إضافة إلى السمن والمرق واللحم. وبعض الأسر يشترون النشاء، فيعده الناس في القدور، ثم يبرد على شُرف البيوت، وتضيف بعض الأسر شراب وفاكهة الأناناس المعلب.

وفي شهر رمضان يجتمع الناس المحيطون بسوق فيفاء "النفيعة" في السوق حتى قبيل الغروب، وفي بعض بقاع فيفاء يجتمع الناس للصلاة وتلاوة القرآن في المساجد، كمسجد الدرب.

ويقول "الفيفي": إن الناس ينامون مبكرًا، ولا يكاد يسهر لمنتصف الليل في فيفاء إلا قلة. وقبيل السحور يتفقد الناس جيرانهم لإيقاظهم لإعداد السحور. وقد يطلق البعض الرصاص لإيقاظ كل القبيلة. وفي بعض البيوت المتقاربة يربط الناس حبلاً مثبتًا عليه بعض الصحون، تدق في شرف البيوت عند هز الحبل؛ ليستيقظ الجيران؛ لتقوم بعمل المسحراتي.

وعن وجبة السحور قال: وجبة السحور عادة هي الدخن المخلوط بالحليب والسكر، وكانت الأمهات يكثرن وجبة السحور، ويقنعن أطفالهن الراغبين في الصيام بأن تناول شيء من وجبة السحور وقت الغداء لا يفطر، فشاعت بعدها مقولة (سور امحرس لا يفطر)، وتعني بقايا طعام السحور لا تفطر!

وعن أواخر رمضان يقول: في أواخر رمضان يستعد الكل للعيد، فتحلق رؤوس الأطفال، وتحنى أقدامهم، وتعد النساء الطيب المصنوع من الأشجار العطرية، كالشيح والبعيثران والكاذي، ويقمن بطحن حجارة الكحل، ويضفن إليها بعض الدهن.

ويقول علي الأمير: إن من العادات الباقية زيارة الأقارب والتهنئة بشهر رمضان المبارك، ودائمًا تردد العبارة المشهور أثناء الزيارة "شهر مبارك، وكل عام وأنتم بخير"، وكذا تبادل المأكولات الشعبية، مثل اللحوح والمغش والحيسية بين الجيران قبل وجبة الإفطار، واجتماع أفراد الأسرة حول المائدة، وتزيين المنازل، وتجديد الإنارة الخارجية، وكذلك تغيير بعض الأثاث.. وتعم الفرحة الأطفال والكبار لاستقبال هذا الشهر الكريم.

ويقول عبد الرحمن محمد الأمير معبرًا على طريقته عما تغير واندثر من عادات لدى البعض: ها أنت أقبلت يا رمضان، وأقبلت نفحاتك الجميلة، ها أنت أقبلت وأقبلت بشائر الرحمات والبركات، ولكن هل لي بسؤال عابر؟ فقف معي لتجيبني! لماذا لم تأتِ معك جمعات الأحبة؟ هل رحلت ولن تعود؟! أين هي تلك البدائر في رمضان عندما نجتمع وكلنا ينادي (هيا نرمض على هذا وذاك)؟! كل الأبواب مفتوحة، كلٌّ ينادي اليوم عندي وغدًا عند فلان.. هل يا رمضان ستعيدها لنا أم أن أنفسنا هي التي لم تعد لذلك؟ حتمًا نعم، هي أنفسنا تغيرت، وبقيت تلك الأيام في غياهب الذكريات، نرويها بـ"كُنا وكُنا".

عبدالله السالم الدمام قاسم الخبراني الرياض عمر السبيعي الرياض خالد السليمي حائل محمد المواسي جازان
اعلان
"التقريشة" و"قريقعان" و"المسحراتي" و"الفوانيس".. عادات سنوية تركها الآباء وأحياها الأبناء
سبق

التقريشة الحائلية، والأسواق الشعبية في الرياض، وطوابير الإفطار الجماعي في رنية، وليالي القريقعان، والمسحراتي في الشرقية، وفوانيس جازان.. من العادات السنوية التي ترتبط بالشعب السعودي خلال شهر رمضان.

وترصد "سبق" في هذا التقرير أبرز العادات الرمضانية من عدة مناطق، حيث عاد الأبناء لإحيائها مجددًا بعدما اختفت لفترة، وكلها عادات ترتبط بروحانية الشهر المبارك، وتؤكد تلاحم أفراد المجتمع واعتزازهم بموروث الأجداد.

تقريشة حائل

وتفصيلاً، يرصد الزميل خالد السليمي كيف يبدأ الحائليون منذ ٢٧ شعبان بإحياء العادة السنوية التي عاشها كبارهم قبل صغارهم منذ زمنٍ بعيد وأسموها "التقريشة"، وهي عادة سنوية عند أبناء منطقة حائل، سواءً في منطقة حائل، أو كانوا في المناطق الأخرى داخل وخارج المملكة، وقد اندثرت وقتًا قريبًا مضى، وعاودها أبناء الجيل الحالي كجزءٍ من الموروث الشعبي للمنطقة.

والتقريشة عبارة عن اجتماع للعائلة أو أبناء الحي الواحد على طعام عادة يكون "عشاء" تبرز فيه الأكلات الحائلية الشعبية القديمة، كـ"الحنيني" و "التمن" و"الكبيبا" وغيرها من الأكلات سواءً الشعبية أو الحديثة، فيما يُخصص للبنات الأطفال لبس شعبي قديم عادة يكون كل أطفال العائلة الواحدة يلبسن زيًا موحدًا في التطريز واللون يختلف عن أطفال العائلة الأخرى الحاضرة للمناسبة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت العادة تندثر قليلاً عند الرجال، فيما حرصت النساء على الاحتفاظ بها، فتجد المنزل الواحد في تقريشة على مدى ثلاثة أيام ، فيوم عند نساء أهل الزوج، والآخر اجتماع نساء أهل الزوج، والثالث نساء الحي.

ويحرص الحائليون أن تُقام "التقريشة" في منزل أكبر العائلة سواءً أكان ذكرًا أو أنثى، فيما تُقام في الاستراحات في حالة عدم وجود مكان كافٍ في المنزل لاحتواء الضيوف.

وشهدت العادة انتشارًا واسعًا عند طالبات جامعة حائل، وقد تُقام في بداية شعبان، إذ تحرص طالبات حائل على إشراك زميلاتهن من خارج منطقة حائل، بالاحتفال بهذه العادة السنوية، فيتم إقامتها في إحدى الاستراحات بداية شعبان، وقبل الاختبارات ، وذلك نظرًا لسفر الطالبات خارج حائل، قبل موعد التقريشي في آخر شعبان.

ولاقت هذه العادة استحسان زوّار حائل، سواءً كانوا طلابًا أو طالبات، مما أسهم في نقلها لأُسرهم في مناطق أخرى لتجربتها.

وفي خارج حائل، سواءً داخل المملكة أو خارجها، يحرص أبناء المنطقة على إحياء تلك العادة، سواءً بالاجتماع أو ما يُسمى بـ"اللمّة" بين أبناء حائل في الحي الواحد أو المدينة الواحدة،أو الاكتفاء بإقامة العائلة تلك المناسبة بين أفرادها.

وخصصت بعض المطاعم في حائل، أكلات شعبية، تناسب التقريشة، وذلك بعد ارتفاع أسعار الأسر المنتجة في هذه الأيام من أجل هذه المناسبة، مما انعكس سلبًا على مبيعات تلك الأسر، إذ فاجأ بعض المطاعم الأسر بتقديمه الأكلات الشعبية لهذه المناسبة بسعر قد يصل نصف سعر ما حددته بعض الأسر المنتجة.

الأسواق الشعبية

وفي الرياض يؤكد الزميل قاسم الخبراني في تقريره أن الأسواق الشعبية تعد في شهر "رمضان الكريم" وعلى غير عادتها في باقي أشهر السنة مقصدًا للكثير من المواطنين، وهي عادة قديمة متوارثة لا تزال صامدة، حيث تزدحم بالمتسوقين لاسترجاع ذكريات الماضي الجميل من خلال طابعها التراثي القديم، والذي حافظت عليها وظلت متماسكة أمام ثورة التطور الكبير الذي شهدته الأسواق والمولات.

ومن أشهر الأسواق الشعبية في مدينة "الرياض" وتعد محط أنظار السكان في رمضان، سوق الحلة وسط العاصمة، والقرية الشعبية غرب العاصمة، والعودة جنوبها والعبيه بالدرعية ، وغيرها من الأسواق التي تنتعش بشكل كبير وملحوظ في شهر رمضان الكريم نظرًا لما تقدمه من أكلات شعبية ومستلزمات قديمة .

ويحرص الآباء، وكبار السن، على اصطحاب أبنائهم من الجيل الحالي لمرافقتهم لتعزيز الموروث الشعبي لديهم، وتعريفهم بتراث الأجداد سواء في الأكلات الشعبية التي مضى عليها عقود واختفت من على موائدنا وغيرها .

وما يميز الأسواق "الشعبية"هو بساطتها وتدني أسعارها بالمقارنة مع الأسواق، والمتاجر الأخرى وأيضًا تنوع سلعها ما بين القديم والحديث، وانتشار البسطات والتي في الأغلب تقوم عليها نسوة كبيرات في السن، حيث يحرصن على بيع مستلزمات قديمة سواء غذائية أو منزلية .

وتقول أم محمد، في الستين من عمرها، إنها تحرص في شهر رمضان الفضيل، من كل عام على زيارة سوق الحلة بشكل مستمر لشراء بعض الحاجات لتزيين مائدة إفطارها والتي افتقدتها الأسواق والمطاعم الحديثة، ومنها الحلبة واللحوح والسمك والأواني الفخارية وغيرها.

وشاطرها الرأي مواطن آخر حرص على اصطحاب أطفاله، حيث قال إن الأسواق الشعبية توفر وخصوصًا في شهر رمضان العديد من الأكلات الشعبية القديمة والتي اختفت من مطابخنا، موضحًا أنه يتردد عليها في الأسبوع ما بين مرة إلى مرتين لشراء الأسماك، والخضار، والسمبوسة، واللحم، بأسعار أقل من غيرها من الأسواق الأخرى.

وقال محمد العنزي إن الأسواق الشعبية تعيد له ذكريات الزمن الجميل في رمضان وتعد أحد أهم المقاصد في الشهر الكريم.

طوابير الإفطار

ويشير الزميل عمر السبيعي إلى أنه ولأعوام مَضتْ على اندثار عَادة الإفطار الجماعي في شهر الصيام، بعد أن كانت تُشكل طوابير بين الأقارب والجيران، متناسين سلبيات تلك العادة التي استمرت عشرات الأعوام، والضحية فيها حَبيسات المطبخ الرمضاني!

تلك العادة كان لها فصولٌ من الزمن، وتحديدًا في محافظة رنية، إذ كانت قبل ٣٠ عامًا تقريبًا؛ وتحديدًا بين سُكان البادية الذين يجمعون نساءهم في مَسكن أحدهم منذ ساعات الصباح لمساعدة أهل بيته على إعداد أطباق الأطعمة والمشروبات التي تكفي لإطعام ما لا يقل عن ٤٠ شخصًا.

"محمد سعد" أحد سكان محافظة رنية، تحدث لـ"سبق" عن طقوس تلك العادة الرمضانية وقال: يَعمُد الأهالي إلى إعداد جدول رمضاني بالأيام مُنذ مطلع الشهر وحتى يومه الأخير، وقد تكون الضيافة مرةً واحدةً في كل منزل أو مرتين؛ حسب عدد المشتركين في الإفطار الجماعي.

وأضاف: يَجمع "الإفطار الجماعي" الأُسر يوميًا في منزل صاحب المبادرة، ويتنقلون من منزلٍ لآخر طوال أيام الشهر الكريم، ويُقيم الرجال صلاة المغرب والعشاء والتراويح في المنزل الذي يحتضن ضيافتهم، ولاسيما في المناطق الريفية.

وشاركه المواطن "خالد السبيعي" بالقول: ضحية تلك العادة هي طاهية تلك الأطعمة والمشروبات التي تقضي يومها الرمضاني منذ ساعات الصباح في التحضير لتلك المأدبة التي يتوافد ضيوفها منذ ساعات النهار الأولى وحتى قبيل صلاة التراويح وقد تمتد لمنتصف الليل.

وأردف: "تُضيع ربة المنزل الكثير من العبادات والفرص الثمينة بسبب التحضير لتلك الأطعمة التي قد تتحوّل لنقمة الإسراف من جرّاء فائض الأطعمة الذي يذهب هباءً منثورًا".

المسحراتي وقرقيعان

ويوضح الزميل عبدالله السالم أن المنطقة الشرقية ما زالت متمسكة بالكثير من العادات والتقاليد في شهر رمضان المبارك، ولقرب المنطقة الشرقية جغرافيًا من دول الخليج العربي إلا أن أهالي المنطقة يعدونها من الموروث الشعبي الذي لا يمكن التفريط فيه ويتم إحياؤه في كل عام ويتوارثه الأجيال، إضافة إلى التطوير في هذه المواريث دون الإخلال بمضمونها، خصوصًا مع دخول وسائل التقنية الحديثة التي وُظفت في تطوير وخدمة هذه المواريث الشعبية .

واستعرضت "سبق" بعض هذه العادات والتقاليد التي يمارسها سكان المنطقة الشرقية خلال شهر رمضان المبارك، وكان القرقيعان أو القريقعانة أو الكريكعان أو الناصفة أبرزها، وهي عادة سنوية ومناسبة يحتفل بها سكان المنطقة الشرقية ومعظم دول الخليج بمنتصف شهر رمضان بحيث يقوم الأطفال بالدوران مرتدين أزياء شعبية خاصة بالمنطقة الشرقية ويرددون أناشيد معروفة ويقوم الأهالي بتوزيع الحلويات والسكاكر عليهم.

وتختلف الأهازيج والأناشيد بحسب المناطق اختلافًا بسيطًا ولكنها تبقى متشابهة في مضمونها، وهدفها إدخال السرور والبهجة على الأطفال وغالبًا ما يكون هناك مقر لتجمع الأطفال في الحي وعمل حفل لذلك بالأزياء الشعبية، بمشاركة الآباء والأمهات وتوزيع الهدايا والفلوس عليهم، وهذه العادة بدأت بالانتقال لبعض مدن المملكة بهدف إدخال البهجة والفرح والسرور على الأطفال .

ويقول "أبو جميل": قرقيعان عادة سنوية ثابتة في المنطقة الشرقية ويتم الإعداد لها من منتصف شهر شعبان سواء بالزي أو المكان أو تجهيز الدعوات، وعادة ما يكون هناك ضيوف من خارج المنطقة لحضور احتفالات قرقيعان، ويتم في هذه المناسبة توزيع الهدايا والحلويات والفلوس على الأطفال وعلى الأولاد والبنات، فهي فرحة ثابتة لهم وترسخ في آذانهم أعوامًا وأعوامًا وهذا هو الهدف الأساس من قرقيعان .

ومن العادات المرتبطة بعدة مناطق، عادة الإفطار في المساجد في شهر رمضان، وهي عادة ربما عند الكثير من سكان المملكة في مختلف المناطق، ولكن تشتهر بشكل كبير في المنطقة الشرقية، فتشاهد سكان الحي يجتمعون كل يوم من بداية شهر رمضان المبارك لتناول الفطور الأول عند أذان المغرب في المسجد وكل السكان يجلبون الوجبات من منازلهم .

ويعلق "أبو أحمد" على هذه القاعدة بأنها موجودة من أكثر من 50 عامًا ولم نفرط يومًا واحدًا في شهر رمضان في هذه العادة، فتشاهد سكان الحي والمتبرعين يتسابقون لتقديم الوجبات من منازلهم في المسجد خصوصًا أن الكثير من المساجد خصصت أماكن خاصة للإفطار في رمضان، إضافة إلى أن هناك تعاونًا مستمرًا في شهر رمضان وغير شهر رمضان مع الجمعيات الخيرية لتزويدها بوجبات إفطار لتوزيعها على المحتاجين حتى خارج الحي، والحمد لله التعاون معهم مستمر طوال أيام السنة .

المسحراتي ويسمى "بوطبيلة" وهو معروف عند دول الخليج ومنها المنطقة الشرقية، وتبدأ مهمة المسحراتي مع بداية أول يوم من شهر رمضان بجمع سكان الحارة والأطفال حوله، والدوران في الحارات للإعلان عن بداية شهر رمضان، وكذلك الإعلان عن دخول وقت السحور قبل أذان الفجر بساعة، ومازالت الكثير من محافظات المنطقة الشرقية متمسكة بالمسحراتي خصوصًا في قرى محافظتي القطيف والأحساء، حيث نشاهده حاملاً معه طبلة، ويتجوَّل لإيقاظ النَّائمين كي يتناولوا وجبة السحور، والاستعداد لصلاة الفجر .

ويقول "أحمد العامر" إن عادة المسحراتي غالبًا تكون لأشخاص معينين يقومون بهذه المهمة السعيدة التي تُدخل الفرح والسرور وأجواء رمضان في نفوس سكان الحارة، إضافة إلى أن أهالي الحارة يقدمون التبرعات والهدايا للمسحراتي وإكرامه تقديرًا لجهوده التي يقوم بها .


المائدة الشعبية

ومن جازان يشير الزميل محمد المواسي إلى عادات، تكاد تكون قد اندثرت اليوم، وبعضها لا تزال لدى بعض التجمعات السكانية أو القبائل، كالفطور الجماعي، وتبادل الطعام، والمشاركة في إعداد الطعام، والاحتفال برمضان عبر تزيين المنازل ووجهات القرى، وغيرها من الزينات التي يتم تركيبها في المنازل، كالفوانيس التي تتدلى في واجهات بعض البيوت، وكذلك الكثير من العادات والطقوس الرمضانية.. فما إن يقترب دخول الشهر الكريم حتى تتسابق الأسر على بسطات بيع الأواني الفخارية في منطقة جازان للتبضع منها، وخصوصًا إناء المغش والحيسية والتنور. ويستخدم إناء المغش في طهو اللحم غالبًا مع الخضار، والحيسية يوضع فيها الخمير "طحين الحبوب الحمراء بعد خبزه، ومن ثم يفت، ويوضع مع المرق". أما التنور، أو الميفا كما يسمى في العامية الجازانية، فهو يثبت في الأرض لعملية الحنيذ أو الخبز فيه، وذلك بعد إيقاد النار في الحطم بعد تجميعه داخله. ويعد ذلك من الإرث الذي يستعاد بشكل كبير في شهر رمضان المبارك.

وتتميز منطقة جازان بالكثير من الأكلات الشعبية الرمضانية، ويقبل عليها الأهالي؛ لما لها من طعم لذيذ، ونكهة محببة. وما زالت نساء المنطقة، وخصوصًا كبيرات السن، يبدعن في صنع وإعداد الأكلات الشعبية لأبنائهن وضيوفهن، ويحرصن أيضًا على توفير الأكلات الشعبية في وجبتَي الإفطار والسحور، كـ"المغش"، وأنواع عدة من الأطعمة.

ومن الأهازيج التي يرددها أطفال بعض القرى الجنوبية في المنطقة: "يا رمضان يا رميضاني، وسحورك بر عيساني، يا رمضان يا غايب سنة، وسحورك تحت المعجنة".

وقديمًا في فيفاء، وقبل رمضان بأيام، تجتهد النساء في طحن الحبوب "الدخن والزعر والغرب" على الرحى. وكل تلك الحبوب من نتاج الأرض. أما الرجال فيذبحون الذبائح، ويقطعون اللحم، وينشرونه على ما يسمى "المساييع" لتجفيفه، ولاسيما أن الكهرباء والثلاجات غير موجودة في تلك الأيام.

ومن العادات لدى البعض هناك بعد سماع خبر رؤية الهلال، وإعلان دخول الشهر، أن يبادر رب البيت بإطلاق الرصاص من شرفة بيته، فيتبعه الناس، ويطلقون الرصاص إعلامًا بدخول الشهر. ويتم الإعلام بالطريقة نفسها عند إعلان العيد. وما زالت هذه العادة موجودة إلى اليوم لدى البعض.


ويذكر فرحان الفيفي في تقرير سابق - وهو أحد أعيان المحافظة - الحديث عن رمضانات فيفاء السالفة، ويقول: "كان في كل بقعة في فيفاء موقع ذو إطلالة رائعة، يجتمع فيه الناس عصر كل ليلة إلى صلاة المغرب، وهو ما يسمى (المندى)، فيتجاذبون أطراف الحديث، ويمارس الفتيان خلال تلك الجلسة بعض الرياضات، كالقفز لأعلى مسافة، قد تصل إلى المترين، متجاوزين مدرجًا زراعيًّا ونحوه، أو يلعبون ما يعرف بلعبة المزاقرة. وعند الغروب يصعد المؤذن على بيته، أو على المسجد، فيرفع الأذان، فيفطر الناس.

ويتابع: تكون النساء قد أعدت مائدة الإفطار على سطح البيت، فيجتمع كل فيفاء فوق بيوتهم الأسطوانية لتناول الإفطار. والمائدة تكون عبارة عن خبز "المثفاة"، وجمعها "أثافي"، وهي عبارة عن حجرتين ملساوين، يوضع بينهما الحطب، وتلصق عليهما الخبز، بعد أن يثبت على بعض ورق الشجر، كورق الموز، إضافة إلى السمن والمرق واللحم. وبعض الأسر يشترون النشاء، فيعده الناس في القدور، ثم يبرد على شُرف البيوت، وتضيف بعض الأسر شراب وفاكهة الأناناس المعلب.

وفي شهر رمضان يجتمع الناس المحيطون بسوق فيفاء "النفيعة" في السوق حتى قبيل الغروب، وفي بعض بقاع فيفاء يجتمع الناس للصلاة وتلاوة القرآن في المساجد، كمسجد الدرب.

ويقول "الفيفي": إن الناس ينامون مبكرًا، ولا يكاد يسهر لمنتصف الليل في فيفاء إلا قلة. وقبيل السحور يتفقد الناس جيرانهم لإيقاظهم لإعداد السحور. وقد يطلق البعض الرصاص لإيقاظ كل القبيلة. وفي بعض البيوت المتقاربة يربط الناس حبلاً مثبتًا عليه بعض الصحون، تدق في شرف البيوت عند هز الحبل؛ ليستيقظ الجيران؛ لتقوم بعمل المسحراتي.

وعن وجبة السحور قال: وجبة السحور عادة هي الدخن المخلوط بالحليب والسكر، وكانت الأمهات يكثرن وجبة السحور، ويقنعن أطفالهن الراغبين في الصيام بأن تناول شيء من وجبة السحور وقت الغداء لا يفطر، فشاعت بعدها مقولة (سور امحرس لا يفطر)، وتعني بقايا طعام السحور لا تفطر!

وعن أواخر رمضان يقول: في أواخر رمضان يستعد الكل للعيد، فتحلق رؤوس الأطفال، وتحنى أقدامهم، وتعد النساء الطيب المصنوع من الأشجار العطرية، كالشيح والبعيثران والكاذي، ويقمن بطحن حجارة الكحل، ويضفن إليها بعض الدهن.

ويقول علي الأمير: إن من العادات الباقية زيارة الأقارب والتهنئة بشهر رمضان المبارك، ودائمًا تردد العبارة المشهور أثناء الزيارة "شهر مبارك، وكل عام وأنتم بخير"، وكذا تبادل المأكولات الشعبية، مثل اللحوح والمغش والحيسية بين الجيران قبل وجبة الإفطار، واجتماع أفراد الأسرة حول المائدة، وتزيين المنازل، وتجديد الإنارة الخارجية، وكذلك تغيير بعض الأثاث.. وتعم الفرحة الأطفال والكبار لاستقبال هذا الشهر الكريم.

ويقول عبد الرحمن محمد الأمير معبرًا على طريقته عما تغير واندثر من عادات لدى البعض: ها أنت أقبلت يا رمضان، وأقبلت نفحاتك الجميلة، ها أنت أقبلت وأقبلت بشائر الرحمات والبركات، ولكن هل لي بسؤال عابر؟ فقف معي لتجيبني! لماذا لم تأتِ معك جمعات الأحبة؟ هل رحلت ولن تعود؟! أين هي تلك البدائر في رمضان عندما نجتمع وكلنا ينادي (هيا نرمض على هذا وذاك)؟! كل الأبواب مفتوحة، كلٌّ ينادي اليوم عندي وغدًا عند فلان.. هل يا رمضان ستعيدها لنا أم أن أنفسنا هي التي لم تعد لذلك؟ حتمًا نعم، هي أنفسنا تغيرت، وبقيت تلك الأيام في غياهب الذكريات، نرويها بـ"كُنا وكُنا".

09 مايو 2019 - 4 رمضان 1440
12:16 AM
اخر تعديل
14 ديسمبر 2019 - 17 ربيع الآخر 1441
08:50 AM

"التقريشة" و"قريقعان" و"المسحراتي" و"الفوانيس".. عادات سنوية تركها الآباء وأحياها الأبناء

"سبق" ترصد أبرز العادات التي تعكس ترابط المجتمع السعودي واعتزازه بموروثه الشعبي

A A A
8
11,762

التقريشة الحائلية، والأسواق الشعبية في الرياض، وطوابير الإفطار الجماعي في رنية، وليالي القريقعان، والمسحراتي في الشرقية، وفوانيس جازان.. من العادات السنوية التي ترتبط بالشعب السعودي خلال شهر رمضان.

وترصد "سبق" في هذا التقرير أبرز العادات الرمضانية من عدة مناطق، حيث عاد الأبناء لإحيائها مجددًا بعدما اختفت لفترة، وكلها عادات ترتبط بروحانية الشهر المبارك، وتؤكد تلاحم أفراد المجتمع واعتزازهم بموروث الأجداد.

تقريشة حائل

وتفصيلاً، يرصد الزميل خالد السليمي كيف يبدأ الحائليون منذ ٢٧ شعبان بإحياء العادة السنوية التي عاشها كبارهم قبل صغارهم منذ زمنٍ بعيد وأسموها "التقريشة"، وهي عادة سنوية عند أبناء منطقة حائل، سواءً في منطقة حائل، أو كانوا في المناطق الأخرى داخل وخارج المملكة، وقد اندثرت وقتًا قريبًا مضى، وعاودها أبناء الجيل الحالي كجزءٍ من الموروث الشعبي للمنطقة.

والتقريشة عبارة عن اجتماع للعائلة أو أبناء الحي الواحد على طعام عادة يكون "عشاء" تبرز فيه الأكلات الحائلية الشعبية القديمة، كـ"الحنيني" و "التمن" و"الكبيبا" وغيرها من الأكلات سواءً الشعبية أو الحديثة، فيما يُخصص للبنات الأطفال لبس شعبي قديم عادة يكون كل أطفال العائلة الواحدة يلبسن زيًا موحدًا في التطريز واللون يختلف عن أطفال العائلة الأخرى الحاضرة للمناسبة.

وفي السنوات الأخيرة، بدأت العادة تندثر قليلاً عند الرجال، فيما حرصت النساء على الاحتفاظ بها، فتجد المنزل الواحد في تقريشة على مدى ثلاثة أيام ، فيوم عند نساء أهل الزوج، والآخر اجتماع نساء أهل الزوج، والثالث نساء الحي.

ويحرص الحائليون أن تُقام "التقريشة" في منزل أكبر العائلة سواءً أكان ذكرًا أو أنثى، فيما تُقام في الاستراحات في حالة عدم وجود مكان كافٍ في المنزل لاحتواء الضيوف.

وشهدت العادة انتشارًا واسعًا عند طالبات جامعة حائل، وقد تُقام في بداية شعبان، إذ تحرص طالبات حائل على إشراك زميلاتهن من خارج منطقة حائل، بالاحتفال بهذه العادة السنوية، فيتم إقامتها في إحدى الاستراحات بداية شعبان، وقبل الاختبارات ، وذلك نظرًا لسفر الطالبات خارج حائل، قبل موعد التقريشي في آخر شعبان.

ولاقت هذه العادة استحسان زوّار حائل، سواءً كانوا طلابًا أو طالبات، مما أسهم في نقلها لأُسرهم في مناطق أخرى لتجربتها.

وفي خارج حائل، سواءً داخل المملكة أو خارجها، يحرص أبناء المنطقة على إحياء تلك العادة، سواءً بالاجتماع أو ما يُسمى بـ"اللمّة" بين أبناء حائل في الحي الواحد أو المدينة الواحدة،أو الاكتفاء بإقامة العائلة تلك المناسبة بين أفرادها.

وخصصت بعض المطاعم في حائل، أكلات شعبية، تناسب التقريشة، وذلك بعد ارتفاع أسعار الأسر المنتجة في هذه الأيام من أجل هذه المناسبة، مما انعكس سلبًا على مبيعات تلك الأسر، إذ فاجأ بعض المطاعم الأسر بتقديمه الأكلات الشعبية لهذه المناسبة بسعر قد يصل نصف سعر ما حددته بعض الأسر المنتجة.

الأسواق الشعبية

وفي الرياض يؤكد الزميل قاسم الخبراني في تقريره أن الأسواق الشعبية تعد في شهر "رمضان الكريم" وعلى غير عادتها في باقي أشهر السنة مقصدًا للكثير من المواطنين، وهي عادة قديمة متوارثة لا تزال صامدة، حيث تزدحم بالمتسوقين لاسترجاع ذكريات الماضي الجميل من خلال طابعها التراثي القديم، والذي حافظت عليها وظلت متماسكة أمام ثورة التطور الكبير الذي شهدته الأسواق والمولات.

ومن أشهر الأسواق الشعبية في مدينة "الرياض" وتعد محط أنظار السكان في رمضان، سوق الحلة وسط العاصمة، والقرية الشعبية غرب العاصمة، والعودة جنوبها والعبيه بالدرعية ، وغيرها من الأسواق التي تنتعش بشكل كبير وملحوظ في شهر رمضان الكريم نظرًا لما تقدمه من أكلات شعبية ومستلزمات قديمة .

ويحرص الآباء، وكبار السن، على اصطحاب أبنائهم من الجيل الحالي لمرافقتهم لتعزيز الموروث الشعبي لديهم، وتعريفهم بتراث الأجداد سواء في الأكلات الشعبية التي مضى عليها عقود واختفت من على موائدنا وغيرها .

وما يميز الأسواق "الشعبية"هو بساطتها وتدني أسعارها بالمقارنة مع الأسواق، والمتاجر الأخرى وأيضًا تنوع سلعها ما بين القديم والحديث، وانتشار البسطات والتي في الأغلب تقوم عليها نسوة كبيرات في السن، حيث يحرصن على بيع مستلزمات قديمة سواء غذائية أو منزلية .

وتقول أم محمد، في الستين من عمرها، إنها تحرص في شهر رمضان الفضيل، من كل عام على زيارة سوق الحلة بشكل مستمر لشراء بعض الحاجات لتزيين مائدة إفطارها والتي افتقدتها الأسواق والمطاعم الحديثة، ومنها الحلبة واللحوح والسمك والأواني الفخارية وغيرها.

وشاطرها الرأي مواطن آخر حرص على اصطحاب أطفاله، حيث قال إن الأسواق الشعبية توفر وخصوصًا في شهر رمضان العديد من الأكلات الشعبية القديمة والتي اختفت من مطابخنا، موضحًا أنه يتردد عليها في الأسبوع ما بين مرة إلى مرتين لشراء الأسماك، والخضار، والسمبوسة، واللحم، بأسعار أقل من غيرها من الأسواق الأخرى.

وقال محمد العنزي إن الأسواق الشعبية تعيد له ذكريات الزمن الجميل في رمضان وتعد أحد أهم المقاصد في الشهر الكريم.

طوابير الإفطار

ويشير الزميل عمر السبيعي إلى أنه ولأعوام مَضتْ على اندثار عَادة الإفطار الجماعي في شهر الصيام، بعد أن كانت تُشكل طوابير بين الأقارب والجيران، متناسين سلبيات تلك العادة التي استمرت عشرات الأعوام، والضحية فيها حَبيسات المطبخ الرمضاني!

تلك العادة كان لها فصولٌ من الزمن، وتحديدًا في محافظة رنية، إذ كانت قبل ٣٠ عامًا تقريبًا؛ وتحديدًا بين سُكان البادية الذين يجمعون نساءهم في مَسكن أحدهم منذ ساعات الصباح لمساعدة أهل بيته على إعداد أطباق الأطعمة والمشروبات التي تكفي لإطعام ما لا يقل عن ٤٠ شخصًا.

"محمد سعد" أحد سكان محافظة رنية، تحدث لـ"سبق" عن طقوس تلك العادة الرمضانية وقال: يَعمُد الأهالي إلى إعداد جدول رمضاني بالأيام مُنذ مطلع الشهر وحتى يومه الأخير، وقد تكون الضيافة مرةً واحدةً في كل منزل أو مرتين؛ حسب عدد المشتركين في الإفطار الجماعي.

وأضاف: يَجمع "الإفطار الجماعي" الأُسر يوميًا في منزل صاحب المبادرة، ويتنقلون من منزلٍ لآخر طوال أيام الشهر الكريم، ويُقيم الرجال صلاة المغرب والعشاء والتراويح في المنزل الذي يحتضن ضيافتهم، ولاسيما في المناطق الريفية.

وشاركه المواطن "خالد السبيعي" بالقول: ضحية تلك العادة هي طاهية تلك الأطعمة والمشروبات التي تقضي يومها الرمضاني منذ ساعات الصباح في التحضير لتلك المأدبة التي يتوافد ضيوفها منذ ساعات النهار الأولى وحتى قبيل صلاة التراويح وقد تمتد لمنتصف الليل.

وأردف: "تُضيع ربة المنزل الكثير من العبادات والفرص الثمينة بسبب التحضير لتلك الأطعمة التي قد تتحوّل لنقمة الإسراف من جرّاء فائض الأطعمة الذي يذهب هباءً منثورًا".

المسحراتي وقرقيعان

ويوضح الزميل عبدالله السالم أن المنطقة الشرقية ما زالت متمسكة بالكثير من العادات والتقاليد في شهر رمضان المبارك، ولقرب المنطقة الشرقية جغرافيًا من دول الخليج العربي إلا أن أهالي المنطقة يعدونها من الموروث الشعبي الذي لا يمكن التفريط فيه ويتم إحياؤه في كل عام ويتوارثه الأجيال، إضافة إلى التطوير في هذه المواريث دون الإخلال بمضمونها، خصوصًا مع دخول وسائل التقنية الحديثة التي وُظفت في تطوير وخدمة هذه المواريث الشعبية .

واستعرضت "سبق" بعض هذه العادات والتقاليد التي يمارسها سكان المنطقة الشرقية خلال شهر رمضان المبارك، وكان القرقيعان أو القريقعانة أو الكريكعان أو الناصفة أبرزها، وهي عادة سنوية ومناسبة يحتفل بها سكان المنطقة الشرقية ومعظم دول الخليج بمنتصف شهر رمضان بحيث يقوم الأطفال بالدوران مرتدين أزياء شعبية خاصة بالمنطقة الشرقية ويرددون أناشيد معروفة ويقوم الأهالي بتوزيع الحلويات والسكاكر عليهم.

وتختلف الأهازيج والأناشيد بحسب المناطق اختلافًا بسيطًا ولكنها تبقى متشابهة في مضمونها، وهدفها إدخال السرور والبهجة على الأطفال وغالبًا ما يكون هناك مقر لتجمع الأطفال في الحي وعمل حفل لذلك بالأزياء الشعبية، بمشاركة الآباء والأمهات وتوزيع الهدايا والفلوس عليهم، وهذه العادة بدأت بالانتقال لبعض مدن المملكة بهدف إدخال البهجة والفرح والسرور على الأطفال .

ويقول "أبو جميل": قرقيعان عادة سنوية ثابتة في المنطقة الشرقية ويتم الإعداد لها من منتصف شهر شعبان سواء بالزي أو المكان أو تجهيز الدعوات، وعادة ما يكون هناك ضيوف من خارج المنطقة لحضور احتفالات قرقيعان، ويتم في هذه المناسبة توزيع الهدايا والحلويات والفلوس على الأطفال وعلى الأولاد والبنات، فهي فرحة ثابتة لهم وترسخ في آذانهم أعوامًا وأعوامًا وهذا هو الهدف الأساس من قرقيعان .

ومن العادات المرتبطة بعدة مناطق، عادة الإفطار في المساجد في شهر رمضان، وهي عادة ربما عند الكثير من سكان المملكة في مختلف المناطق، ولكن تشتهر بشكل كبير في المنطقة الشرقية، فتشاهد سكان الحي يجتمعون كل يوم من بداية شهر رمضان المبارك لتناول الفطور الأول عند أذان المغرب في المسجد وكل السكان يجلبون الوجبات من منازلهم .

ويعلق "أبو أحمد" على هذه القاعدة بأنها موجودة من أكثر من 50 عامًا ولم نفرط يومًا واحدًا في شهر رمضان في هذه العادة، فتشاهد سكان الحي والمتبرعين يتسابقون لتقديم الوجبات من منازلهم في المسجد خصوصًا أن الكثير من المساجد خصصت أماكن خاصة للإفطار في رمضان، إضافة إلى أن هناك تعاونًا مستمرًا في شهر رمضان وغير شهر رمضان مع الجمعيات الخيرية لتزويدها بوجبات إفطار لتوزيعها على المحتاجين حتى خارج الحي، والحمد لله التعاون معهم مستمر طوال أيام السنة .

المسحراتي ويسمى "بوطبيلة" وهو معروف عند دول الخليج ومنها المنطقة الشرقية، وتبدأ مهمة المسحراتي مع بداية أول يوم من شهر رمضان بجمع سكان الحارة والأطفال حوله، والدوران في الحارات للإعلان عن بداية شهر رمضان، وكذلك الإعلان عن دخول وقت السحور قبل أذان الفجر بساعة، ومازالت الكثير من محافظات المنطقة الشرقية متمسكة بالمسحراتي خصوصًا في قرى محافظتي القطيف والأحساء، حيث نشاهده حاملاً معه طبلة، ويتجوَّل لإيقاظ النَّائمين كي يتناولوا وجبة السحور، والاستعداد لصلاة الفجر .

ويقول "أحمد العامر" إن عادة المسحراتي غالبًا تكون لأشخاص معينين يقومون بهذه المهمة السعيدة التي تُدخل الفرح والسرور وأجواء رمضان في نفوس سكان الحارة، إضافة إلى أن أهالي الحارة يقدمون التبرعات والهدايا للمسحراتي وإكرامه تقديرًا لجهوده التي يقوم بها .


المائدة الشعبية

ومن جازان يشير الزميل محمد المواسي إلى عادات، تكاد تكون قد اندثرت اليوم، وبعضها لا تزال لدى بعض التجمعات السكانية أو القبائل، كالفطور الجماعي، وتبادل الطعام، والمشاركة في إعداد الطعام، والاحتفال برمضان عبر تزيين المنازل ووجهات القرى، وغيرها من الزينات التي يتم تركيبها في المنازل، كالفوانيس التي تتدلى في واجهات بعض البيوت، وكذلك الكثير من العادات والطقوس الرمضانية.. فما إن يقترب دخول الشهر الكريم حتى تتسابق الأسر على بسطات بيع الأواني الفخارية في منطقة جازان للتبضع منها، وخصوصًا إناء المغش والحيسية والتنور. ويستخدم إناء المغش في طهو اللحم غالبًا مع الخضار، والحيسية يوضع فيها الخمير "طحين الحبوب الحمراء بعد خبزه، ومن ثم يفت، ويوضع مع المرق". أما التنور، أو الميفا كما يسمى في العامية الجازانية، فهو يثبت في الأرض لعملية الحنيذ أو الخبز فيه، وذلك بعد إيقاد النار في الحطم بعد تجميعه داخله. ويعد ذلك من الإرث الذي يستعاد بشكل كبير في شهر رمضان المبارك.

وتتميز منطقة جازان بالكثير من الأكلات الشعبية الرمضانية، ويقبل عليها الأهالي؛ لما لها من طعم لذيذ، ونكهة محببة. وما زالت نساء المنطقة، وخصوصًا كبيرات السن، يبدعن في صنع وإعداد الأكلات الشعبية لأبنائهن وضيوفهن، ويحرصن أيضًا على توفير الأكلات الشعبية في وجبتَي الإفطار والسحور، كـ"المغش"، وأنواع عدة من الأطعمة.

ومن الأهازيج التي يرددها أطفال بعض القرى الجنوبية في المنطقة: "يا رمضان يا رميضاني، وسحورك بر عيساني، يا رمضان يا غايب سنة، وسحورك تحت المعجنة".

وقديمًا في فيفاء، وقبل رمضان بأيام، تجتهد النساء في طحن الحبوب "الدخن والزعر والغرب" على الرحى. وكل تلك الحبوب من نتاج الأرض. أما الرجال فيذبحون الذبائح، ويقطعون اللحم، وينشرونه على ما يسمى "المساييع" لتجفيفه، ولاسيما أن الكهرباء والثلاجات غير موجودة في تلك الأيام.

ومن العادات لدى البعض هناك بعد سماع خبر رؤية الهلال، وإعلان دخول الشهر، أن يبادر رب البيت بإطلاق الرصاص من شرفة بيته، فيتبعه الناس، ويطلقون الرصاص إعلامًا بدخول الشهر. ويتم الإعلام بالطريقة نفسها عند إعلان العيد. وما زالت هذه العادة موجودة إلى اليوم لدى البعض.


ويذكر فرحان الفيفي في تقرير سابق - وهو أحد أعيان المحافظة - الحديث عن رمضانات فيفاء السالفة، ويقول: "كان في كل بقعة في فيفاء موقع ذو إطلالة رائعة، يجتمع فيه الناس عصر كل ليلة إلى صلاة المغرب، وهو ما يسمى (المندى)، فيتجاذبون أطراف الحديث، ويمارس الفتيان خلال تلك الجلسة بعض الرياضات، كالقفز لأعلى مسافة، قد تصل إلى المترين، متجاوزين مدرجًا زراعيًّا ونحوه، أو يلعبون ما يعرف بلعبة المزاقرة. وعند الغروب يصعد المؤذن على بيته، أو على المسجد، فيرفع الأذان، فيفطر الناس.

ويتابع: تكون النساء قد أعدت مائدة الإفطار على سطح البيت، فيجتمع كل فيفاء فوق بيوتهم الأسطوانية لتناول الإفطار. والمائدة تكون عبارة عن خبز "المثفاة"، وجمعها "أثافي"، وهي عبارة عن حجرتين ملساوين، يوضع بينهما الحطب، وتلصق عليهما الخبز، بعد أن يثبت على بعض ورق الشجر، كورق الموز، إضافة إلى السمن والمرق واللحم. وبعض الأسر يشترون النشاء، فيعده الناس في القدور، ثم يبرد على شُرف البيوت، وتضيف بعض الأسر شراب وفاكهة الأناناس المعلب.

وفي شهر رمضان يجتمع الناس المحيطون بسوق فيفاء "النفيعة" في السوق حتى قبيل الغروب، وفي بعض بقاع فيفاء يجتمع الناس للصلاة وتلاوة القرآن في المساجد، كمسجد الدرب.

ويقول "الفيفي": إن الناس ينامون مبكرًا، ولا يكاد يسهر لمنتصف الليل في فيفاء إلا قلة. وقبيل السحور يتفقد الناس جيرانهم لإيقاظهم لإعداد السحور. وقد يطلق البعض الرصاص لإيقاظ كل القبيلة. وفي بعض البيوت المتقاربة يربط الناس حبلاً مثبتًا عليه بعض الصحون، تدق في شرف البيوت عند هز الحبل؛ ليستيقظ الجيران؛ لتقوم بعمل المسحراتي.

وعن وجبة السحور قال: وجبة السحور عادة هي الدخن المخلوط بالحليب والسكر، وكانت الأمهات يكثرن وجبة السحور، ويقنعن أطفالهن الراغبين في الصيام بأن تناول شيء من وجبة السحور وقت الغداء لا يفطر، فشاعت بعدها مقولة (سور امحرس لا يفطر)، وتعني بقايا طعام السحور لا تفطر!

وعن أواخر رمضان يقول: في أواخر رمضان يستعد الكل للعيد، فتحلق رؤوس الأطفال، وتحنى أقدامهم، وتعد النساء الطيب المصنوع من الأشجار العطرية، كالشيح والبعيثران والكاذي، ويقمن بطحن حجارة الكحل، ويضفن إليها بعض الدهن.

ويقول علي الأمير: إن من العادات الباقية زيارة الأقارب والتهنئة بشهر رمضان المبارك، ودائمًا تردد العبارة المشهور أثناء الزيارة "شهر مبارك، وكل عام وأنتم بخير"، وكذا تبادل المأكولات الشعبية، مثل اللحوح والمغش والحيسية بين الجيران قبل وجبة الإفطار، واجتماع أفراد الأسرة حول المائدة، وتزيين المنازل، وتجديد الإنارة الخارجية، وكذلك تغيير بعض الأثاث.. وتعم الفرحة الأطفال والكبار لاستقبال هذا الشهر الكريم.

ويقول عبد الرحمن محمد الأمير معبرًا على طريقته عما تغير واندثر من عادات لدى البعض: ها أنت أقبلت يا رمضان، وأقبلت نفحاتك الجميلة، ها أنت أقبلت وأقبلت بشائر الرحمات والبركات، ولكن هل لي بسؤال عابر؟ فقف معي لتجيبني! لماذا لم تأتِ معك جمعات الأحبة؟ هل رحلت ولن تعود؟! أين هي تلك البدائر في رمضان عندما نجتمع وكلنا ينادي (هيا نرمض على هذا وذاك)؟! كل الأبواب مفتوحة، كلٌّ ينادي اليوم عندي وغدًا عند فلان.. هل يا رمضان ستعيدها لنا أم أن أنفسنا هي التي لم تعد لذلك؟ حتمًا نعم، هي أنفسنا تغيرت، وبقيت تلك الأيام في غياهب الذكريات، نرويها بـ"كُنا وكُنا".