"صرخة" سكيورتي

ما زالت صرخة حارس الأمن الذي أطل علينا مؤخرًا بمقطع فيديو تدوي في أذني، وما زالت هيئته تتراءى أمام عيني، موضحًا مظلمته من تأخُّر رواتبه 3 أشهر، وأنه يعول أسرته، وعليه ديون وأقساط سيارة، وكيف تلقى الرد البارد من الإدارة حين طالبها بحقه؛ ما جعل الغصة التي بحلقة تتدحرج من سفح (جبل القهر)، وتكبر شيئًا فشيئًا ككرة الثلج حتى وصلت إلى (وادي الشرفاء) محدثة هذا الحراك والتعاطف الإنساني اللامحدود مع معاناة هذا الموظف البسيط!!

إن كثرة مقاطع الشكوى المتداولة هذه الأيام لحراس الأمن لا تعود أسبابها فقط لظلم وجور القطاع الخاص، وإنما لتهميش هذه الفئة من قِبل بعض أفراد المجتمع أولاً، ومجلس الشورى ثانيًا، وجمعية حقوق الإنسان ثالثًا؛ إذ ترى الغالبية العظمى أن مجرد إلقاء السلام عليهم وهم وقوف عند البوابة يعد قمة التواضع والكرم معهم!!

غالبية السكيورتيه نشؤوا في ظروف اجتماعية صعبة، ربما للفقر الذي كان يعانيه عائل الأسرة، أو طلاق الوالدين، أو وقوع حادثة مفاجئة أبعدتهم عن التحصيل العلمي، وغيّرت مجرى حياتهم، وكان حريًّا بالمشرِّع ممثلاً بمجلس الشورى دراسة مأساتهم، وتقديم الحلول النظامية لمساعدتهم على تجاوز هذه الظروف الصعبة. وأول تلك الحلول إلغاء الفقرة الـ4 بالمادة الـ108 من نظام العمل التي تمنح الضوء الأخضر لتشغيل الحارس 12 ساعة في اليوم، وكأنه ريموت كونترول، وليس إنسانًا طبيعيًّا مثلنا. من المفترض تشريع دمجهم بالوظائف الإدارية بعد إخضاعهم لدورات تدريبية لتصحيح مسارهم، وتأمين مستقبلهم. وكان من المفترض أن يخصص لهم باب بالنظام لمعالجة أوضاعهم؛ فهم -في نظري- أولى من الأحداث أو عمال البحر أو عمال المناجم والمحاجر الذين أُفردت لهم أبواب كاملة لمراعاة حقوقهم وظروف تشغيلهم!!

أما جمعية حقوق الإنسان وبقية مؤسسات المجتمع المدني فلم ألمس منهم أي وقفة تجاه حراس الأمن وما يعانونه من ظروف اجتماعية قاهرة؛ فغالبيتهم معدمون، وكثيرًا ما نصادف بالشوارع الرئيسة ونحن نستقل سياراتنا الفارهة أحد حراس الأمن راجلاً، يتصبب عرقًا تحت أشعة الشمس وهو متجه لعمله لابسًا البدلة والكاب، وحاملاً بجنبه عصا الحراسة. وما إن يصل إلى عمله حتى يتصل عليه المدير المسؤول، يحاسبه على الدقيقة، ويخصم من راتبه الشهري الذي لا يتجاوز يومية المشرف الأجنبي. وهكذا يظل السكيورتي حبيس الظلم والتهميش!!

عودة لحارس الأمن الذي ما زالت صرخته تدوي بأذني؛ لأتساءل بكل براءة: أين نظام حماية الأجور الذي تتم من خلاله متابعة وفاء الشركات بالرواتب آليًّا نهاية كل شهر، ومَن يخالف توقف خدماته؟ لماذا لا تُطبَّق على الشركة العقوبة المنصوص عليها بالمادة الـ229 بنظام العمل، التي تصل لغرامة مائة ألف ريال، وإغلاق المنشأة مدة 30 يومًا؟ لماذا لم تحل مشكلة هذا الإنسان المقهور والموظف البسيط من البداية بالرغم من وجود رقم التواصل الذي تعلنه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بعد كل حادثة مشابهة 19911؟ أم إنه قدر هذا السكيورتي المحبط أن يظل واقفًا منكسرًا طوال الوقت أمام بوابة حياتنا الهانئة، وليس من حقه التظلم أو العيش مثلنا، أو حتى رفع عينه في أعيننا؟!!

أحمد عجب
اعلان
"صرخة" سكيورتي
سبق

ما زالت صرخة حارس الأمن الذي أطل علينا مؤخرًا بمقطع فيديو تدوي في أذني، وما زالت هيئته تتراءى أمام عيني، موضحًا مظلمته من تأخُّر رواتبه 3 أشهر، وأنه يعول أسرته، وعليه ديون وأقساط سيارة، وكيف تلقى الرد البارد من الإدارة حين طالبها بحقه؛ ما جعل الغصة التي بحلقة تتدحرج من سفح (جبل القهر)، وتكبر شيئًا فشيئًا ككرة الثلج حتى وصلت إلى (وادي الشرفاء) محدثة هذا الحراك والتعاطف الإنساني اللامحدود مع معاناة هذا الموظف البسيط!!

إن كثرة مقاطع الشكوى المتداولة هذه الأيام لحراس الأمن لا تعود أسبابها فقط لظلم وجور القطاع الخاص، وإنما لتهميش هذه الفئة من قِبل بعض أفراد المجتمع أولاً، ومجلس الشورى ثانيًا، وجمعية حقوق الإنسان ثالثًا؛ إذ ترى الغالبية العظمى أن مجرد إلقاء السلام عليهم وهم وقوف عند البوابة يعد قمة التواضع والكرم معهم!!

غالبية السكيورتيه نشؤوا في ظروف اجتماعية صعبة، ربما للفقر الذي كان يعانيه عائل الأسرة، أو طلاق الوالدين، أو وقوع حادثة مفاجئة أبعدتهم عن التحصيل العلمي، وغيّرت مجرى حياتهم، وكان حريًّا بالمشرِّع ممثلاً بمجلس الشورى دراسة مأساتهم، وتقديم الحلول النظامية لمساعدتهم على تجاوز هذه الظروف الصعبة. وأول تلك الحلول إلغاء الفقرة الـ4 بالمادة الـ108 من نظام العمل التي تمنح الضوء الأخضر لتشغيل الحارس 12 ساعة في اليوم، وكأنه ريموت كونترول، وليس إنسانًا طبيعيًّا مثلنا. من المفترض تشريع دمجهم بالوظائف الإدارية بعد إخضاعهم لدورات تدريبية لتصحيح مسارهم، وتأمين مستقبلهم. وكان من المفترض أن يخصص لهم باب بالنظام لمعالجة أوضاعهم؛ فهم -في نظري- أولى من الأحداث أو عمال البحر أو عمال المناجم والمحاجر الذين أُفردت لهم أبواب كاملة لمراعاة حقوقهم وظروف تشغيلهم!!

أما جمعية حقوق الإنسان وبقية مؤسسات المجتمع المدني فلم ألمس منهم أي وقفة تجاه حراس الأمن وما يعانونه من ظروف اجتماعية قاهرة؛ فغالبيتهم معدمون، وكثيرًا ما نصادف بالشوارع الرئيسة ونحن نستقل سياراتنا الفارهة أحد حراس الأمن راجلاً، يتصبب عرقًا تحت أشعة الشمس وهو متجه لعمله لابسًا البدلة والكاب، وحاملاً بجنبه عصا الحراسة. وما إن يصل إلى عمله حتى يتصل عليه المدير المسؤول، يحاسبه على الدقيقة، ويخصم من راتبه الشهري الذي لا يتجاوز يومية المشرف الأجنبي. وهكذا يظل السكيورتي حبيس الظلم والتهميش!!

عودة لحارس الأمن الذي ما زالت صرخته تدوي بأذني؛ لأتساءل بكل براءة: أين نظام حماية الأجور الذي تتم من خلاله متابعة وفاء الشركات بالرواتب آليًّا نهاية كل شهر، ومَن يخالف توقف خدماته؟ لماذا لا تُطبَّق على الشركة العقوبة المنصوص عليها بالمادة الـ229 بنظام العمل، التي تصل لغرامة مائة ألف ريال، وإغلاق المنشأة مدة 30 يومًا؟ لماذا لم تحل مشكلة هذا الإنسان المقهور والموظف البسيط من البداية بالرغم من وجود رقم التواصل الذي تعلنه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بعد كل حادثة مشابهة 19911؟ أم إنه قدر هذا السكيورتي المحبط أن يظل واقفًا منكسرًا طوال الوقت أمام بوابة حياتنا الهانئة، وليس من حقه التظلم أو العيش مثلنا، أو حتى رفع عينه في أعيننا؟!!

25 يونيو 2020 - 4 ذو القعدة 1441
12:29 AM
اخر تعديل
18 سبتمبر 2020 - 1 صفر 1442
03:59 PM

"صرخة" سكيورتي

أحمد عجب - الرياض
A A A
4
2,799

ما زالت صرخة حارس الأمن الذي أطل علينا مؤخرًا بمقطع فيديو تدوي في أذني، وما زالت هيئته تتراءى أمام عيني، موضحًا مظلمته من تأخُّر رواتبه 3 أشهر، وأنه يعول أسرته، وعليه ديون وأقساط سيارة، وكيف تلقى الرد البارد من الإدارة حين طالبها بحقه؛ ما جعل الغصة التي بحلقة تتدحرج من سفح (جبل القهر)، وتكبر شيئًا فشيئًا ككرة الثلج حتى وصلت إلى (وادي الشرفاء) محدثة هذا الحراك والتعاطف الإنساني اللامحدود مع معاناة هذا الموظف البسيط!!

إن كثرة مقاطع الشكوى المتداولة هذه الأيام لحراس الأمن لا تعود أسبابها فقط لظلم وجور القطاع الخاص، وإنما لتهميش هذه الفئة من قِبل بعض أفراد المجتمع أولاً، ومجلس الشورى ثانيًا، وجمعية حقوق الإنسان ثالثًا؛ إذ ترى الغالبية العظمى أن مجرد إلقاء السلام عليهم وهم وقوف عند البوابة يعد قمة التواضع والكرم معهم!!

غالبية السكيورتيه نشؤوا في ظروف اجتماعية صعبة، ربما للفقر الذي كان يعانيه عائل الأسرة، أو طلاق الوالدين، أو وقوع حادثة مفاجئة أبعدتهم عن التحصيل العلمي، وغيّرت مجرى حياتهم، وكان حريًّا بالمشرِّع ممثلاً بمجلس الشورى دراسة مأساتهم، وتقديم الحلول النظامية لمساعدتهم على تجاوز هذه الظروف الصعبة. وأول تلك الحلول إلغاء الفقرة الـ4 بالمادة الـ108 من نظام العمل التي تمنح الضوء الأخضر لتشغيل الحارس 12 ساعة في اليوم، وكأنه ريموت كونترول، وليس إنسانًا طبيعيًّا مثلنا. من المفترض تشريع دمجهم بالوظائف الإدارية بعد إخضاعهم لدورات تدريبية لتصحيح مسارهم، وتأمين مستقبلهم. وكان من المفترض أن يخصص لهم باب بالنظام لمعالجة أوضاعهم؛ فهم -في نظري- أولى من الأحداث أو عمال البحر أو عمال المناجم والمحاجر الذين أُفردت لهم أبواب كاملة لمراعاة حقوقهم وظروف تشغيلهم!!

أما جمعية حقوق الإنسان وبقية مؤسسات المجتمع المدني فلم ألمس منهم أي وقفة تجاه حراس الأمن وما يعانونه من ظروف اجتماعية قاهرة؛ فغالبيتهم معدمون، وكثيرًا ما نصادف بالشوارع الرئيسة ونحن نستقل سياراتنا الفارهة أحد حراس الأمن راجلاً، يتصبب عرقًا تحت أشعة الشمس وهو متجه لعمله لابسًا البدلة والكاب، وحاملاً بجنبه عصا الحراسة. وما إن يصل إلى عمله حتى يتصل عليه المدير المسؤول، يحاسبه على الدقيقة، ويخصم من راتبه الشهري الذي لا يتجاوز يومية المشرف الأجنبي. وهكذا يظل السكيورتي حبيس الظلم والتهميش!!

عودة لحارس الأمن الذي ما زالت صرخته تدوي بأذني؛ لأتساءل بكل براءة: أين نظام حماية الأجور الذي تتم من خلاله متابعة وفاء الشركات بالرواتب آليًّا نهاية كل شهر، ومَن يخالف توقف خدماته؟ لماذا لا تُطبَّق على الشركة العقوبة المنصوص عليها بالمادة الـ229 بنظام العمل، التي تصل لغرامة مائة ألف ريال، وإغلاق المنشأة مدة 30 يومًا؟ لماذا لم تحل مشكلة هذا الإنسان المقهور والموظف البسيط من البداية بالرغم من وجود رقم التواصل الذي تعلنه وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية بعد كل حادثة مشابهة 19911؟ أم إنه قدر هذا السكيورتي المحبط أن يظل واقفًا منكسرًا طوال الوقت أمام بوابة حياتنا الهانئة، وليس من حقه التظلم أو العيش مثلنا، أو حتى رفع عينه في أعيننا؟!!