"دبلوماسية البنغ بونغ"

العام القادم 2021 سوف يشهد مرور خمسين عامًا على ولادة دبلوماسية لطيفة ومحببة لدى الكثيرين، ألا وهي "دبلوماسية البنغ بونغ"، بالإشارة إلى لعبة تنس الطاولة الشهيرة، حين وجّهت الصين عام 1971م دعوة للمنتخب الأمريكي للطاولة للعب في الصين معلنة بعدها إنهاء قطيعة طويلة. وكانت اللاعبة الأمريكية "جودي هورفروست"، التي كانت تبلغ من العمر 15 عامًا، أول من تطأ قدماه الصين بعد تلك السنوات الجافة من العلاقة بين الدولتين. ولم تكن اللاعبة الأمريكية حينها تعرف شيئًا عن الصين سوى سور الصين العظيم، وأنها دولة اشتراكية، ولا تربطها ببلادها علاقات دبلوماسية. ومهّدت هذه المقدمة غير الرسمية والحدث الرياضي الطريق لعودة العلاقات الأمريكية – الصينية؛ وقام بعدها الرئيس الأمريكي "نيكسون" بتلبية الدعوة لزيارة الصين في عام 1972م؛ ليحدث بعد ذلك نمو العلاقات بين البلدين فيما يخدم الأهداف الأمريكية والصينية إزاء تعاظم النفوذ السوفييتي في تلك الحقبة.

ما دعاني إلى كتابة هذه السطور هو ما حدث من تواصل واجتماع مرئي بين وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل؛ للتباحث حول القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الوزارتَين الموقرتَين، التي تبشّر باهتمام قادم على المستوى الرسمي للدبلوماسية الرياضية، وأهمية استغلالها وتفعليها من خلال أدوات السعودية الناعمة.

أصبحت الدبلوماسية الرياضية اليوم جزءًا لا يتجزأ من العلاقات الدولية، ورافدًا مهمًّا كإحدى أدوات القوة الناعمة التي تعد الأنجع والأكثر انتشارًا بين الأوساط الشعبية، وكذلك على المستوى الدولي. كما بالإمكان استخدامها لتعزيز جاذبية الدول لتحقيق أهدافها السامية.

وتسعى مختلف البلدان إلى استخدام الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية بشكل أفضل، وتتسابق على استضافة العديد من المناسبات الرياضية بغض النظر عن كلفتها المادية؛ وذلك لتعزيز صورتها الدولية من خلال رفعها شعارات تدعو للسلام، وتعزيز مبادئ الإنسانية، والقيم السامية، كنبذ التطرف والعنف وخطابات الكراهية.

وتخلق تلك المناسبات الرياضية للدول المستضيفة منصات اجتماعية واقتصادية وكذلك سياسية مثمرة، وبإمكانها إزالة العديد من المفاهيم المغلوطة عن بعض العادات والتقاليد التي تتكون حولها نوع من الضبابية، كما عملت الصين باستضافتها الأولمبياد في 2008 و2014 التي ساعدت الصين في خلق صورة لنفسها كدولة اقتصادية عالمية قوية، واطلع الكثيرون على نمو وحضارة الصين الجديدة المختلفة تمامًا عن الحقبة الماضية، معلنة من خلالها الانفتاح على العالم الخارجي، وفتح قنوات من الاتصال مع العديد من الدول ذات التوجهات المختلفة؛ وهذا يؤكد أهمية الدبلوماسية الرياضية باستخدامها كأداة للقوة الناعمة لتحقيق مبادئ الدبلوماسية الشعبية، وذلك من خلال التواصل المباشر مع مختلف الشعوب للفت أنظار تلك الدول المشاركة في هذه الفعالية للبلد المستضيف، وما تحقق فيه من تنمية وتقدُّم وتطوُّر، اختلف عما كان في السابق.

نحن في السعودية لدينا العديد من الأنشطة الرياضية المميزة؛ فالدوري السعودي يعتبر من الدوريات المتقدمة، ليس على المستوى العربي فقط، ولكن على المستوى العالمي أيضًا؛ ويعود هذا الفضل للقيادة الرشيدة التي أولت الاهتمام الكبير لمختلف الأنشطة الرياضية في السعودية لتعزيز روح المنافسة الدولية، ليس على مستوى القارة فقط، بل على مستوى العالم أيضًا، فضلاً عن التنوع المناخي الذي يساعد السعودية على استضافة العديد من المناسبات الرياضية المهمة. فالرياضة هي التي تقرّب الشعوب من بعضها، وتزيل ما تختزله الذاكرة البشرية من صراعات سابقة. والتعاون المشترك بين الرياضة والدبلوماسية يخلق لدينا أداة لها تأثيرها القوي والفاعل أيضًا.

قال الدبلوماسي الأمريكي الشهير، جيم كاين، ذات مرة ناصحًا الإدارة الأمريكية: "قد تكون الرياضة موردًا سياسيًّا أكثر فاعلية من سياسة العصا والجزرة؛ فهي وسيلة قوية للتواصل وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف الثقافية والعرقية".

عبدالسلام المشيطي
اعلان
"دبلوماسية البنغ بونغ"
سبق

العام القادم 2021 سوف يشهد مرور خمسين عامًا على ولادة دبلوماسية لطيفة ومحببة لدى الكثيرين، ألا وهي "دبلوماسية البنغ بونغ"، بالإشارة إلى لعبة تنس الطاولة الشهيرة، حين وجّهت الصين عام 1971م دعوة للمنتخب الأمريكي للطاولة للعب في الصين معلنة بعدها إنهاء قطيعة طويلة. وكانت اللاعبة الأمريكية "جودي هورفروست"، التي كانت تبلغ من العمر 15 عامًا، أول من تطأ قدماه الصين بعد تلك السنوات الجافة من العلاقة بين الدولتين. ولم تكن اللاعبة الأمريكية حينها تعرف شيئًا عن الصين سوى سور الصين العظيم، وأنها دولة اشتراكية، ولا تربطها ببلادها علاقات دبلوماسية. ومهّدت هذه المقدمة غير الرسمية والحدث الرياضي الطريق لعودة العلاقات الأمريكية – الصينية؛ وقام بعدها الرئيس الأمريكي "نيكسون" بتلبية الدعوة لزيارة الصين في عام 1972م؛ ليحدث بعد ذلك نمو العلاقات بين البلدين فيما يخدم الأهداف الأمريكية والصينية إزاء تعاظم النفوذ السوفييتي في تلك الحقبة.

ما دعاني إلى كتابة هذه السطور هو ما حدث من تواصل واجتماع مرئي بين وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل؛ للتباحث حول القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الوزارتَين الموقرتَين، التي تبشّر باهتمام قادم على المستوى الرسمي للدبلوماسية الرياضية، وأهمية استغلالها وتفعليها من خلال أدوات السعودية الناعمة.

أصبحت الدبلوماسية الرياضية اليوم جزءًا لا يتجزأ من العلاقات الدولية، ورافدًا مهمًّا كإحدى أدوات القوة الناعمة التي تعد الأنجع والأكثر انتشارًا بين الأوساط الشعبية، وكذلك على المستوى الدولي. كما بالإمكان استخدامها لتعزيز جاذبية الدول لتحقيق أهدافها السامية.

وتسعى مختلف البلدان إلى استخدام الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية بشكل أفضل، وتتسابق على استضافة العديد من المناسبات الرياضية بغض النظر عن كلفتها المادية؛ وذلك لتعزيز صورتها الدولية من خلال رفعها شعارات تدعو للسلام، وتعزيز مبادئ الإنسانية، والقيم السامية، كنبذ التطرف والعنف وخطابات الكراهية.

وتخلق تلك المناسبات الرياضية للدول المستضيفة منصات اجتماعية واقتصادية وكذلك سياسية مثمرة، وبإمكانها إزالة العديد من المفاهيم المغلوطة عن بعض العادات والتقاليد التي تتكون حولها نوع من الضبابية، كما عملت الصين باستضافتها الأولمبياد في 2008 و2014 التي ساعدت الصين في خلق صورة لنفسها كدولة اقتصادية عالمية قوية، واطلع الكثيرون على نمو وحضارة الصين الجديدة المختلفة تمامًا عن الحقبة الماضية، معلنة من خلالها الانفتاح على العالم الخارجي، وفتح قنوات من الاتصال مع العديد من الدول ذات التوجهات المختلفة؛ وهذا يؤكد أهمية الدبلوماسية الرياضية باستخدامها كأداة للقوة الناعمة لتحقيق مبادئ الدبلوماسية الشعبية، وذلك من خلال التواصل المباشر مع مختلف الشعوب للفت أنظار تلك الدول المشاركة في هذه الفعالية للبلد المستضيف، وما تحقق فيه من تنمية وتقدُّم وتطوُّر، اختلف عما كان في السابق.

نحن في السعودية لدينا العديد من الأنشطة الرياضية المميزة؛ فالدوري السعودي يعتبر من الدوريات المتقدمة، ليس على المستوى العربي فقط، ولكن على المستوى العالمي أيضًا؛ ويعود هذا الفضل للقيادة الرشيدة التي أولت الاهتمام الكبير لمختلف الأنشطة الرياضية في السعودية لتعزيز روح المنافسة الدولية، ليس على مستوى القارة فقط، بل على مستوى العالم أيضًا، فضلاً عن التنوع المناخي الذي يساعد السعودية على استضافة العديد من المناسبات الرياضية المهمة. فالرياضة هي التي تقرّب الشعوب من بعضها، وتزيل ما تختزله الذاكرة البشرية من صراعات سابقة. والتعاون المشترك بين الرياضة والدبلوماسية يخلق لدينا أداة لها تأثيرها القوي والفاعل أيضًا.

قال الدبلوماسي الأمريكي الشهير، جيم كاين، ذات مرة ناصحًا الإدارة الأمريكية: "قد تكون الرياضة موردًا سياسيًّا أكثر فاعلية من سياسة العصا والجزرة؛ فهي وسيلة قوية للتواصل وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف الثقافية والعرقية".

27 أكتوبر 2020 - 10 ربيع الأول 1442
09:45 PM
اخر تعديل
10 نوفمبر 2020 - 24 ربيع الأول 1442
11:17 AM

"دبلوماسية البنغ بونغ"

عبدالسلام المشيطي - الرياض
A A A
0
1,125

العام القادم 2021 سوف يشهد مرور خمسين عامًا على ولادة دبلوماسية لطيفة ومحببة لدى الكثيرين، ألا وهي "دبلوماسية البنغ بونغ"، بالإشارة إلى لعبة تنس الطاولة الشهيرة، حين وجّهت الصين عام 1971م دعوة للمنتخب الأمريكي للطاولة للعب في الصين معلنة بعدها إنهاء قطيعة طويلة. وكانت اللاعبة الأمريكية "جودي هورفروست"، التي كانت تبلغ من العمر 15 عامًا، أول من تطأ قدماه الصين بعد تلك السنوات الجافة من العلاقة بين الدولتين. ولم تكن اللاعبة الأمريكية حينها تعرف شيئًا عن الصين سوى سور الصين العظيم، وأنها دولة اشتراكية، ولا تربطها ببلادها علاقات دبلوماسية. ومهّدت هذه المقدمة غير الرسمية والحدث الرياضي الطريق لعودة العلاقات الأمريكية – الصينية؛ وقام بعدها الرئيس الأمريكي "نيكسون" بتلبية الدعوة لزيارة الصين في عام 1972م؛ ليحدث بعد ذلك نمو العلاقات بين البلدين فيما يخدم الأهداف الأمريكية والصينية إزاء تعاظم النفوذ السوفييتي في تلك الحقبة.

ما دعاني إلى كتابة هذه السطور هو ما حدث من تواصل واجتماع مرئي بين وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان، ووزير الرياضة الأمير عبدالعزيز بن تركي الفيصل؛ للتباحث حول القضايا ذات الاهتمام المشترك بين الوزارتَين الموقرتَين، التي تبشّر باهتمام قادم على المستوى الرسمي للدبلوماسية الرياضية، وأهمية استغلالها وتفعليها من خلال أدوات السعودية الناعمة.

أصبحت الدبلوماسية الرياضية اليوم جزءًا لا يتجزأ من العلاقات الدولية، ورافدًا مهمًّا كإحدى أدوات القوة الناعمة التي تعد الأنجع والأكثر انتشارًا بين الأوساط الشعبية، وكذلك على المستوى الدولي. كما بالإمكان استخدامها لتعزيز جاذبية الدول لتحقيق أهدافها السامية.

وتسعى مختلف البلدان إلى استخدام الدبلوماسية الرياضية لتحقيق أهداف سياساتها الخارجية بشكل أفضل، وتتسابق على استضافة العديد من المناسبات الرياضية بغض النظر عن كلفتها المادية؛ وذلك لتعزيز صورتها الدولية من خلال رفعها شعارات تدعو للسلام، وتعزيز مبادئ الإنسانية، والقيم السامية، كنبذ التطرف والعنف وخطابات الكراهية.

وتخلق تلك المناسبات الرياضية للدول المستضيفة منصات اجتماعية واقتصادية وكذلك سياسية مثمرة، وبإمكانها إزالة العديد من المفاهيم المغلوطة عن بعض العادات والتقاليد التي تتكون حولها نوع من الضبابية، كما عملت الصين باستضافتها الأولمبياد في 2008 و2014 التي ساعدت الصين في خلق صورة لنفسها كدولة اقتصادية عالمية قوية، واطلع الكثيرون على نمو وحضارة الصين الجديدة المختلفة تمامًا عن الحقبة الماضية، معلنة من خلالها الانفتاح على العالم الخارجي، وفتح قنوات من الاتصال مع العديد من الدول ذات التوجهات المختلفة؛ وهذا يؤكد أهمية الدبلوماسية الرياضية باستخدامها كأداة للقوة الناعمة لتحقيق مبادئ الدبلوماسية الشعبية، وذلك من خلال التواصل المباشر مع مختلف الشعوب للفت أنظار تلك الدول المشاركة في هذه الفعالية للبلد المستضيف، وما تحقق فيه من تنمية وتقدُّم وتطوُّر، اختلف عما كان في السابق.

نحن في السعودية لدينا العديد من الأنشطة الرياضية المميزة؛ فالدوري السعودي يعتبر من الدوريات المتقدمة، ليس على المستوى العربي فقط، ولكن على المستوى العالمي أيضًا؛ ويعود هذا الفضل للقيادة الرشيدة التي أولت الاهتمام الكبير لمختلف الأنشطة الرياضية في السعودية لتعزيز روح المنافسة الدولية، ليس على مستوى القارة فقط، بل على مستوى العالم أيضًا، فضلاً عن التنوع المناخي الذي يساعد السعودية على استضافة العديد من المناسبات الرياضية المهمة. فالرياضة هي التي تقرّب الشعوب من بعضها، وتزيل ما تختزله الذاكرة البشرية من صراعات سابقة. والتعاون المشترك بين الرياضة والدبلوماسية يخلق لدينا أداة لها تأثيرها القوي والفاعل أيضًا.

قال الدبلوماسي الأمريكي الشهير، جيم كاين، ذات مرة ناصحًا الإدارة الأمريكية: "قد تكون الرياضة موردًا سياسيًّا أكثر فاعلية من سياسة العصا والجزرة؛ فهي وسيلة قوية للتواصل وبناء العلاقات مع مختلف الأطراف الثقافية والعرقية".