سري للغاية..

في العادة، وكشيء معتاد، أقوم بتصوير بعض الأشياء من داخل بيتي الصغير، كأن أقوم بتصوير كتاب أو إهداء وصلني، أو غيرهما؛ فيظهر في أطراف الصورة جزءٌ من بيتي، سواء كان طرفًا من أثاث أو غيره؛ فتأتيني أسئلة عن الأثاث أو المقتنيات المنزلية من أين أشتري مثلها؟! وهكذا. ومن الأسئلة التي تردني أيضًا: لماذا لا تصور منزلك مثلاً؟ وتنشره في وسائل التواصل الاجتماعي مثل الأغلب؟ ولماذا لا تصور تفاصيل حياتك الشخصية؟.. أقف مستغربًا هنا.

وعند الحديث مع بعض الأصدقاء أو الأصحاب يستغرب عن معلومة في حياتي الشخصية لا يعرفها، قد أكون ذكرتها في سياق حديثي معه، فيذكر لي أنه لم يسمعها مني في حساباتي بوسائل التواصل الاجتماعي. أقف مستغربا هنا مرة أخرى.

‏أصبح معنى الخصوصية والحياة الشخصية مختلفًا مع ظهور وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الماضي كنا نعتبر الكثير من التصرفات والأفعال خاصة، وكنا نتحفظ على الكشف عن معلوماتنا أو تفاصيل يومنا لزملائنا أو معارفنا من غير المقربين. أما صورنا الشخصية فكانت أمرًا في غاية الخصوصية حتى بين الأصدقاء. أما الآن فقد أصبحنا ننشر الكثير من معلوماتنا الخاصة والشخصية حتى بدون طلب، طالما أن هناك جمهورًا يستقبلها.

ففي حديثها بأحد المجالس بدأت تذكر تفاصيل التفاصيل الدقيقة جدًّا عن حياة إحدى الشخصيات التي انتشر صيتها بوسائل التواصل الاجتماعي. قلت: كيف عرفتِ؟! قالت: "هي ذكرت ذلك في حسابها بالسناب شات". أعتقد أني سأقف كثيرًا من الاستغراب.

‏علماء الاتصال والشبكات الاجتماعية يتحدثون عن مصطلح مخيف جدًّا، يسمى "التعرية الاجتماعية"، وهي أن تكون كل خصوصياتك منشورة على الإنترنت والشبكات الاجتماعية بوعي أو دون وعي منك. وهذا شيء مرعب، وخصوصًا مع ازدياد اقتناء الأجهزة الذكية، وانتشار مواقع وتطبيقات الإعلام الرقمي، وفترات المكوث بالمنزل مع هذه الأزمة، وإساءة البعض في استخدامها.

‏الخصوصيات والأسرار الشخصية أصبحت عيانًا بيانًا أمام مرأى ومسمع الكل. والمصيبة والطامة الكبرى عندما تنتشر بعض المقاطع الخاصة لصغار السن بالذات، إما خفية عن رقيب الأسرة، أو بدعم كامل من الوالدين. والله المستعان. وإما عن قناعة تامة بذلك، أو تقليد أعمى لآخرين.. حتى أصبحنا نعرف ماذا تأكل، وماذا تلبس، وماذا تحب، وماذا تكره، ومتى تنام، ومتى تأتي أو تعود، وماذا ستفعل و... و... و...

قال أحد المختصين في علم التربية: "احرصوا على ألا تسكبوا كل ثقتكم في إناء الآخرين؛ فقد يكون مثقوبًا، حينها تكون الصدمة قاتلة. فتعلّم أن تحتفظ بخصوصيتك مع الآخرين".

مع علمي أن البعض حياته وقوته هو نشر خصوصياته في وسائل التواصل بهدف كسب المشاهدات والمتابعين والمال أيضًا، لكن ما ذكرته هو وجهة نظري؛ لأنك تستطيع صناعة محتوى ممتاز، تكسب فيه المشاهدات والمتابعين والمال والذكر الحسن دون نشر خصوصياتك، إن كان هذا هدفك.

‏همستُ في نفسي وقلت: قد تزداد الحماسة عندي، وأنشر أو أذكر شيئًا من خصوصياتي العائلية أو الشخصية، وهي طبيعة تأثرية بالواقع.. لكن الأصل أن هناك خطوطًا حمراء، نتوقف قبلها بكثير، بل نُشعر بها الآخرين أنه ليس لك الحق في تفتيش خصوصياتنا؛ لأن "سرّاق" الخصوصيات قد تندم أنك بثثت لهم أمرًا في يوم من الأيام. مع أن البعض يراه أمرًا عاديًّا، لكن على الأقل أن نكون أكثر هدوءًا من حماسة البعض في نشر أسرارهم على وسائل التواصل الاجتماعي. هو مجرد رأي بثثته لكم؛ لأني أخشى أن تفعل ما قاله أحدهم "لا تبصم لأحد بعشرة أصابع، وتفتح له خصوصياتك كاملة، بل اترك أصبعًا واحدًا على الأقل؛ فقد تحتاج إلى أن تعضه ندمًا أن فعلت ذلك". هي وجهة نظر فقط. والسلام نظر.

بدر الغامدي
اعلان
سري للغاية..
سبق

في العادة، وكشيء معتاد، أقوم بتصوير بعض الأشياء من داخل بيتي الصغير، كأن أقوم بتصوير كتاب أو إهداء وصلني، أو غيرهما؛ فيظهر في أطراف الصورة جزءٌ من بيتي، سواء كان طرفًا من أثاث أو غيره؛ فتأتيني أسئلة عن الأثاث أو المقتنيات المنزلية من أين أشتري مثلها؟! وهكذا. ومن الأسئلة التي تردني أيضًا: لماذا لا تصور منزلك مثلاً؟ وتنشره في وسائل التواصل الاجتماعي مثل الأغلب؟ ولماذا لا تصور تفاصيل حياتك الشخصية؟.. أقف مستغربًا هنا.

وعند الحديث مع بعض الأصدقاء أو الأصحاب يستغرب عن معلومة في حياتي الشخصية لا يعرفها، قد أكون ذكرتها في سياق حديثي معه، فيذكر لي أنه لم يسمعها مني في حساباتي بوسائل التواصل الاجتماعي. أقف مستغربا هنا مرة أخرى.

‏أصبح معنى الخصوصية والحياة الشخصية مختلفًا مع ظهور وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الماضي كنا نعتبر الكثير من التصرفات والأفعال خاصة، وكنا نتحفظ على الكشف عن معلوماتنا أو تفاصيل يومنا لزملائنا أو معارفنا من غير المقربين. أما صورنا الشخصية فكانت أمرًا في غاية الخصوصية حتى بين الأصدقاء. أما الآن فقد أصبحنا ننشر الكثير من معلوماتنا الخاصة والشخصية حتى بدون طلب، طالما أن هناك جمهورًا يستقبلها.

ففي حديثها بأحد المجالس بدأت تذكر تفاصيل التفاصيل الدقيقة جدًّا عن حياة إحدى الشخصيات التي انتشر صيتها بوسائل التواصل الاجتماعي. قلت: كيف عرفتِ؟! قالت: "هي ذكرت ذلك في حسابها بالسناب شات". أعتقد أني سأقف كثيرًا من الاستغراب.

‏علماء الاتصال والشبكات الاجتماعية يتحدثون عن مصطلح مخيف جدًّا، يسمى "التعرية الاجتماعية"، وهي أن تكون كل خصوصياتك منشورة على الإنترنت والشبكات الاجتماعية بوعي أو دون وعي منك. وهذا شيء مرعب، وخصوصًا مع ازدياد اقتناء الأجهزة الذكية، وانتشار مواقع وتطبيقات الإعلام الرقمي، وفترات المكوث بالمنزل مع هذه الأزمة، وإساءة البعض في استخدامها.

‏الخصوصيات والأسرار الشخصية أصبحت عيانًا بيانًا أمام مرأى ومسمع الكل. والمصيبة والطامة الكبرى عندما تنتشر بعض المقاطع الخاصة لصغار السن بالذات، إما خفية عن رقيب الأسرة، أو بدعم كامل من الوالدين. والله المستعان. وإما عن قناعة تامة بذلك، أو تقليد أعمى لآخرين.. حتى أصبحنا نعرف ماذا تأكل، وماذا تلبس، وماذا تحب، وماذا تكره، ومتى تنام، ومتى تأتي أو تعود، وماذا ستفعل و... و... و...

قال أحد المختصين في علم التربية: "احرصوا على ألا تسكبوا كل ثقتكم في إناء الآخرين؛ فقد يكون مثقوبًا، حينها تكون الصدمة قاتلة. فتعلّم أن تحتفظ بخصوصيتك مع الآخرين".

مع علمي أن البعض حياته وقوته هو نشر خصوصياته في وسائل التواصل بهدف كسب المشاهدات والمتابعين والمال أيضًا، لكن ما ذكرته هو وجهة نظري؛ لأنك تستطيع صناعة محتوى ممتاز، تكسب فيه المشاهدات والمتابعين والمال والذكر الحسن دون نشر خصوصياتك، إن كان هذا هدفك.

‏همستُ في نفسي وقلت: قد تزداد الحماسة عندي، وأنشر أو أذكر شيئًا من خصوصياتي العائلية أو الشخصية، وهي طبيعة تأثرية بالواقع.. لكن الأصل أن هناك خطوطًا حمراء، نتوقف قبلها بكثير، بل نُشعر بها الآخرين أنه ليس لك الحق في تفتيش خصوصياتنا؛ لأن "سرّاق" الخصوصيات قد تندم أنك بثثت لهم أمرًا في يوم من الأيام. مع أن البعض يراه أمرًا عاديًّا، لكن على الأقل أن نكون أكثر هدوءًا من حماسة البعض في نشر أسرارهم على وسائل التواصل الاجتماعي. هو مجرد رأي بثثته لكم؛ لأني أخشى أن تفعل ما قاله أحدهم "لا تبصم لأحد بعشرة أصابع، وتفتح له خصوصياتك كاملة، بل اترك أصبعًا واحدًا على الأقل؛ فقد تحتاج إلى أن تعضه ندمًا أن فعلت ذلك". هي وجهة نظر فقط. والسلام نظر.

06 يونيو 2020 - 14 شوّال 1441
10:33 PM

سري للغاية..

بدر الغامدي - جدة
A A A
0
3,051

في العادة، وكشيء معتاد، أقوم بتصوير بعض الأشياء من داخل بيتي الصغير، كأن أقوم بتصوير كتاب أو إهداء وصلني، أو غيرهما؛ فيظهر في أطراف الصورة جزءٌ من بيتي، سواء كان طرفًا من أثاث أو غيره؛ فتأتيني أسئلة عن الأثاث أو المقتنيات المنزلية من أين أشتري مثلها؟! وهكذا. ومن الأسئلة التي تردني أيضًا: لماذا لا تصور منزلك مثلاً؟ وتنشره في وسائل التواصل الاجتماعي مثل الأغلب؟ ولماذا لا تصور تفاصيل حياتك الشخصية؟.. أقف مستغربًا هنا.

وعند الحديث مع بعض الأصدقاء أو الأصحاب يستغرب عن معلومة في حياتي الشخصية لا يعرفها، قد أكون ذكرتها في سياق حديثي معه، فيذكر لي أنه لم يسمعها مني في حساباتي بوسائل التواصل الاجتماعي. أقف مستغربا هنا مرة أخرى.

‏أصبح معنى الخصوصية والحياة الشخصية مختلفًا مع ظهور وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي. ففي الماضي كنا نعتبر الكثير من التصرفات والأفعال خاصة، وكنا نتحفظ على الكشف عن معلوماتنا أو تفاصيل يومنا لزملائنا أو معارفنا من غير المقربين. أما صورنا الشخصية فكانت أمرًا في غاية الخصوصية حتى بين الأصدقاء. أما الآن فقد أصبحنا ننشر الكثير من معلوماتنا الخاصة والشخصية حتى بدون طلب، طالما أن هناك جمهورًا يستقبلها.

ففي حديثها بأحد المجالس بدأت تذكر تفاصيل التفاصيل الدقيقة جدًّا عن حياة إحدى الشخصيات التي انتشر صيتها بوسائل التواصل الاجتماعي. قلت: كيف عرفتِ؟! قالت: "هي ذكرت ذلك في حسابها بالسناب شات". أعتقد أني سأقف كثيرًا من الاستغراب.

‏علماء الاتصال والشبكات الاجتماعية يتحدثون عن مصطلح مخيف جدًّا، يسمى "التعرية الاجتماعية"، وهي أن تكون كل خصوصياتك منشورة على الإنترنت والشبكات الاجتماعية بوعي أو دون وعي منك. وهذا شيء مرعب، وخصوصًا مع ازدياد اقتناء الأجهزة الذكية، وانتشار مواقع وتطبيقات الإعلام الرقمي، وفترات المكوث بالمنزل مع هذه الأزمة، وإساءة البعض في استخدامها.

‏الخصوصيات والأسرار الشخصية أصبحت عيانًا بيانًا أمام مرأى ومسمع الكل. والمصيبة والطامة الكبرى عندما تنتشر بعض المقاطع الخاصة لصغار السن بالذات، إما خفية عن رقيب الأسرة، أو بدعم كامل من الوالدين. والله المستعان. وإما عن قناعة تامة بذلك، أو تقليد أعمى لآخرين.. حتى أصبحنا نعرف ماذا تأكل، وماذا تلبس، وماذا تحب، وماذا تكره، ومتى تنام، ومتى تأتي أو تعود، وماذا ستفعل و... و... و...

قال أحد المختصين في علم التربية: "احرصوا على ألا تسكبوا كل ثقتكم في إناء الآخرين؛ فقد يكون مثقوبًا، حينها تكون الصدمة قاتلة. فتعلّم أن تحتفظ بخصوصيتك مع الآخرين".

مع علمي أن البعض حياته وقوته هو نشر خصوصياته في وسائل التواصل بهدف كسب المشاهدات والمتابعين والمال أيضًا، لكن ما ذكرته هو وجهة نظري؛ لأنك تستطيع صناعة محتوى ممتاز، تكسب فيه المشاهدات والمتابعين والمال والذكر الحسن دون نشر خصوصياتك، إن كان هذا هدفك.

‏همستُ في نفسي وقلت: قد تزداد الحماسة عندي، وأنشر أو أذكر شيئًا من خصوصياتي العائلية أو الشخصية، وهي طبيعة تأثرية بالواقع.. لكن الأصل أن هناك خطوطًا حمراء، نتوقف قبلها بكثير، بل نُشعر بها الآخرين أنه ليس لك الحق في تفتيش خصوصياتنا؛ لأن "سرّاق" الخصوصيات قد تندم أنك بثثت لهم أمرًا في يوم من الأيام. مع أن البعض يراه أمرًا عاديًّا، لكن على الأقل أن نكون أكثر هدوءًا من حماسة البعض في نشر أسرارهم على وسائل التواصل الاجتماعي. هو مجرد رأي بثثته لكم؛ لأني أخشى أن تفعل ما قاله أحدهم "لا تبصم لأحد بعشرة أصابع، وتفتح له خصوصياتك كاملة، بل اترك أصبعًا واحدًا على الأقل؛ فقد تحتاج إلى أن تعضه ندمًا أن فعلت ذلك". هي وجهة نظر فقط. والسلام نظر.