سمو ولي العهد وهوية المملكة

لا شك أنه في ظل العولمة أصبحت مسألة الهوية الوطنية للدول والمجتمعات من أبرز الأمور التي تلقى اهتمامًا على المستوى العالمي، ولاسيما في ظل التحديات المعاصرة التي صاحبت ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة التي تؤثر في الهويات الوطنية الخاصة لدول وشعوب العالم بما تحمله من أبعاد دينية وثقافية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

والحديث عن صراع الهوية ليس أمرًا هامشيًّا، وليس من باب الترف الفكري كما قد يظن البعض، بل إنه أبرز وأخطر صراع يعيشه العالم اليوم؛ لأن ساحة هذا الصراع هي الوعي، فمن يتمكن من صياغة وعي الناس سوف يؤثر في بناء وتشكيل هويتهم؛ وبالتالي يستطيع السيطرة عليهم والتحكم في ميولهم وتوجهاتهم وخيارتهم المختلفة؛ ومن هنا فموضوع الهوية العربية الإسلامية والحرص على تميزها يعد أمرًا جوهريًّا؛ لأنه يلامس منظومة القيم والمبادئ والأخلاق المكونة للوجود الحضاري لهذه الأمة.

وليس أمر الخوف على الهوية قاصرًا على عالمنا العربي، بل إن كثيرًا من الكُتاب والمثقفين في دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا قد نبهوا إلى خطورة هيمنة ثقافة العولمة على هوياتهم الحضارية الخاصة. وعلى سبيل المثال: يشكو كثير من الفرنسيين من انحسار الثقافة الفرنسية، وضعف تأثيرها عالميًّا. ومن الأدلة على ذلك خفوت الجوائز الأدبية الفرنسية، بل لم يعد لها أية أصداء تذكر في الصحافة العالمية، والأفلام الفرنسية تُوزَّع في دور العرض السينمائية حول العالم بنسبة ضئيلة للغاية، لا تتجاوز (1%)، وتعاني الكتب والمطبوعات الفرنسية كسادًا كبيرًا!!

وعندما وضعت السعودية رؤية 2030 لم يغب عنها ترسيخ الهوية الوطنية السعودية، وغرس قيم الانتماء والولاء وقيم الوسطية والتسامح والاعتدال في نفوس أبناء السعودية، بل إن أحد أهم البرامج الاستراتيجية لرؤية 2030 هي دعم برنامج تعزيز الشخصية السعودية، وترسيخ هويتها الوطنية في ظل مسيرة التطوير والتحديث التي تشهدها السعودية في جميع المجالات.

وفي لقائه الشهير مؤخرًا أكد سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - عراب رؤية 2030 أن دستور المملكة العربية السعودية هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأن هويتها هي الإسلام بقيمه النبيلة، ومنظومته الأخلاقية الرفيعة، وحضارته الخالدة، وقطع بذلك - حفظه الله - الطريق على محترفي الصيد في الماء العكر، الذين صوَّرت لهم نفوسهم المريضة وخيالاتهم الواهمة أن مسيرة التطوير والتحديث، وثقافة الإبداع والابتكار وريادة الأعمال التي تشهدها مملكتنا حاليًا، تتقاطع بشكل أو بآخر مع هوية المملكة العربية الإسلامية.

في الحقيقة، إن الإسلام هو هويتنا الخالدة؛ فقد شرّف الله هذه البلاد بالحرمين الشريفين، وهي مهبط الوحي، ومهد الإسلام. ولا أظن أحدًا يختلف في أن تكون هويتنا هي الإسلام؛ لأننا دون الإسلام لا شيء، وبفضل الإسلام تمتلك السعودية قوة ناعمة هائلة، لا تمتلكها أية دولة أخرى في العالم؛ فالإسلام هو قدرنا العظيم الذي كتبه الله تعالى لنا، وهو أهم مكوِّن في الشخصية السعودية، بل هو المكون الوحيد الذي يعبِّر بصدق عن مشاعرنا بما يتفق مع كينونتنا، ومع حقائق التاريخ والواقع والجغرافيا.

وعلى هذا الأساس أتصور أن تلعب مختلف القطاعات الحكومية في الدولة دورًا بارزًا في ترسخ مفاهيم الهوية الوطنية السعودية، وفي مقدمتها المدارس والجامعات، ومختلف القطاعات التعليمية ومؤسسات التعليم في السعودية. ولا يجب أن نغفل دور الأسرة في بناء شخصية أبنائها، وتعزيز الهوية الوطنية في نفوسهم من أجل مستقبل زاهر مشرق حافل بالتطور والإبداع والمنجزات الحضارية.

بقي أن نشير إلى أن التمسك بهويتنا الوطنية السعودية، والحفاظ على تميًّزها، ليس مطلبًا شرعيًّا وحسب، بل هو أيضًا مطلب وطني؛ فالأمة المتميزة هي التي تمتلك زمام الريادة والقيادة. ولا يعني تمسكنا بهويتنا التصادم مع الآخرين، بل الحفاظ على تميُّز هذه الهوية في ظل الانفتاح على العالم؛ لأننا أصحاب رسالة عالمية، تدعو إلى التعاون والتسامح، ونشر الخير بين البشر جميعًا.

غسان عسيلان
اعلان
سمو ولي العهد وهوية المملكة
سبق

لا شك أنه في ظل العولمة أصبحت مسألة الهوية الوطنية للدول والمجتمعات من أبرز الأمور التي تلقى اهتمامًا على المستوى العالمي، ولاسيما في ظل التحديات المعاصرة التي صاحبت ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة التي تؤثر في الهويات الوطنية الخاصة لدول وشعوب العالم بما تحمله من أبعاد دينية وثقافية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

والحديث عن صراع الهوية ليس أمرًا هامشيًّا، وليس من باب الترف الفكري كما قد يظن البعض، بل إنه أبرز وأخطر صراع يعيشه العالم اليوم؛ لأن ساحة هذا الصراع هي الوعي، فمن يتمكن من صياغة وعي الناس سوف يؤثر في بناء وتشكيل هويتهم؛ وبالتالي يستطيع السيطرة عليهم والتحكم في ميولهم وتوجهاتهم وخيارتهم المختلفة؛ ومن هنا فموضوع الهوية العربية الإسلامية والحرص على تميزها يعد أمرًا جوهريًّا؛ لأنه يلامس منظومة القيم والمبادئ والأخلاق المكونة للوجود الحضاري لهذه الأمة.

وليس أمر الخوف على الهوية قاصرًا على عالمنا العربي، بل إن كثيرًا من الكُتاب والمثقفين في دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا قد نبهوا إلى خطورة هيمنة ثقافة العولمة على هوياتهم الحضارية الخاصة. وعلى سبيل المثال: يشكو كثير من الفرنسيين من انحسار الثقافة الفرنسية، وضعف تأثيرها عالميًّا. ومن الأدلة على ذلك خفوت الجوائز الأدبية الفرنسية، بل لم يعد لها أية أصداء تذكر في الصحافة العالمية، والأفلام الفرنسية تُوزَّع في دور العرض السينمائية حول العالم بنسبة ضئيلة للغاية، لا تتجاوز (1%)، وتعاني الكتب والمطبوعات الفرنسية كسادًا كبيرًا!!

وعندما وضعت السعودية رؤية 2030 لم يغب عنها ترسيخ الهوية الوطنية السعودية، وغرس قيم الانتماء والولاء وقيم الوسطية والتسامح والاعتدال في نفوس أبناء السعودية، بل إن أحد أهم البرامج الاستراتيجية لرؤية 2030 هي دعم برنامج تعزيز الشخصية السعودية، وترسيخ هويتها الوطنية في ظل مسيرة التطوير والتحديث التي تشهدها السعودية في جميع المجالات.

وفي لقائه الشهير مؤخرًا أكد سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - عراب رؤية 2030 أن دستور المملكة العربية السعودية هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأن هويتها هي الإسلام بقيمه النبيلة، ومنظومته الأخلاقية الرفيعة، وحضارته الخالدة، وقطع بذلك - حفظه الله - الطريق على محترفي الصيد في الماء العكر، الذين صوَّرت لهم نفوسهم المريضة وخيالاتهم الواهمة أن مسيرة التطوير والتحديث، وثقافة الإبداع والابتكار وريادة الأعمال التي تشهدها مملكتنا حاليًا، تتقاطع بشكل أو بآخر مع هوية المملكة العربية الإسلامية.

في الحقيقة، إن الإسلام هو هويتنا الخالدة؛ فقد شرّف الله هذه البلاد بالحرمين الشريفين، وهي مهبط الوحي، ومهد الإسلام. ولا أظن أحدًا يختلف في أن تكون هويتنا هي الإسلام؛ لأننا دون الإسلام لا شيء، وبفضل الإسلام تمتلك السعودية قوة ناعمة هائلة، لا تمتلكها أية دولة أخرى في العالم؛ فالإسلام هو قدرنا العظيم الذي كتبه الله تعالى لنا، وهو أهم مكوِّن في الشخصية السعودية، بل هو المكون الوحيد الذي يعبِّر بصدق عن مشاعرنا بما يتفق مع كينونتنا، ومع حقائق التاريخ والواقع والجغرافيا.

وعلى هذا الأساس أتصور أن تلعب مختلف القطاعات الحكومية في الدولة دورًا بارزًا في ترسخ مفاهيم الهوية الوطنية السعودية، وفي مقدمتها المدارس والجامعات، ومختلف القطاعات التعليمية ومؤسسات التعليم في السعودية. ولا يجب أن نغفل دور الأسرة في بناء شخصية أبنائها، وتعزيز الهوية الوطنية في نفوسهم من أجل مستقبل زاهر مشرق حافل بالتطور والإبداع والمنجزات الحضارية.

بقي أن نشير إلى أن التمسك بهويتنا الوطنية السعودية، والحفاظ على تميًّزها، ليس مطلبًا شرعيًّا وحسب، بل هو أيضًا مطلب وطني؛ فالأمة المتميزة هي التي تمتلك زمام الريادة والقيادة. ولا يعني تمسكنا بهويتنا التصادم مع الآخرين، بل الحفاظ على تميُّز هذه الهوية في ظل الانفتاح على العالم؛ لأننا أصحاب رسالة عالمية، تدعو إلى التعاون والتسامح، ونشر الخير بين البشر جميعًا.

12 مايو 2021 - 30 رمضان 1442
12:17 AM
اخر تعديل
21 يونيو 2021 - 11 ذو القعدة 1442
07:39 PM

سمو ولي العهد وهوية المملكة

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
1
805

لا شك أنه في ظل العولمة أصبحت مسألة الهوية الوطنية للدول والمجتمعات من أبرز الأمور التي تلقى اهتمامًا على المستوى العالمي، ولاسيما في ظل التحديات المعاصرة التي صاحبت ثورة المعلومات والاتصالات الهائلة التي تؤثر في الهويات الوطنية الخاصة لدول وشعوب العالم بما تحمله من أبعاد دينية وثقافية وفكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية.

والحديث عن صراع الهوية ليس أمرًا هامشيًّا، وليس من باب الترف الفكري كما قد يظن البعض، بل إنه أبرز وأخطر صراع يعيشه العالم اليوم؛ لأن ساحة هذا الصراع هي الوعي، فمن يتمكن من صياغة وعي الناس سوف يؤثر في بناء وتشكيل هويتهم؛ وبالتالي يستطيع السيطرة عليهم والتحكم في ميولهم وتوجهاتهم وخيارتهم المختلفة؛ ومن هنا فموضوع الهوية العربية الإسلامية والحرص على تميزها يعد أمرًا جوهريًّا؛ لأنه يلامس منظومة القيم والمبادئ والأخلاق المكونة للوجود الحضاري لهذه الأمة.

وليس أمر الخوف على الهوية قاصرًا على عالمنا العربي، بل إن كثيرًا من الكُتاب والمثقفين في دول كبرى مثل فرنسا وألمانيا قد نبهوا إلى خطورة هيمنة ثقافة العولمة على هوياتهم الحضارية الخاصة. وعلى سبيل المثال: يشكو كثير من الفرنسيين من انحسار الثقافة الفرنسية، وضعف تأثيرها عالميًّا. ومن الأدلة على ذلك خفوت الجوائز الأدبية الفرنسية، بل لم يعد لها أية أصداء تذكر في الصحافة العالمية، والأفلام الفرنسية تُوزَّع في دور العرض السينمائية حول العالم بنسبة ضئيلة للغاية، لا تتجاوز (1%)، وتعاني الكتب والمطبوعات الفرنسية كسادًا كبيرًا!!

وعندما وضعت السعودية رؤية 2030 لم يغب عنها ترسيخ الهوية الوطنية السعودية، وغرس قيم الانتماء والولاء وقيم الوسطية والتسامح والاعتدال في نفوس أبناء السعودية، بل إن أحد أهم البرامج الاستراتيجية لرؤية 2030 هي دعم برنامج تعزيز الشخصية السعودية، وترسيخ هويتها الوطنية في ظل مسيرة التطوير والتحديث التي تشهدها السعودية في جميع المجالات.

وفي لقائه الشهير مؤخرًا أكد سمو سيدي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان - حفظه الله - عراب رؤية 2030 أن دستور المملكة العربية السعودية هو القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وأن هويتها هي الإسلام بقيمه النبيلة، ومنظومته الأخلاقية الرفيعة، وحضارته الخالدة، وقطع بذلك - حفظه الله - الطريق على محترفي الصيد في الماء العكر، الذين صوَّرت لهم نفوسهم المريضة وخيالاتهم الواهمة أن مسيرة التطوير والتحديث، وثقافة الإبداع والابتكار وريادة الأعمال التي تشهدها مملكتنا حاليًا، تتقاطع بشكل أو بآخر مع هوية المملكة العربية الإسلامية.

في الحقيقة، إن الإسلام هو هويتنا الخالدة؛ فقد شرّف الله هذه البلاد بالحرمين الشريفين، وهي مهبط الوحي، ومهد الإسلام. ولا أظن أحدًا يختلف في أن تكون هويتنا هي الإسلام؛ لأننا دون الإسلام لا شيء، وبفضل الإسلام تمتلك السعودية قوة ناعمة هائلة، لا تمتلكها أية دولة أخرى في العالم؛ فالإسلام هو قدرنا العظيم الذي كتبه الله تعالى لنا، وهو أهم مكوِّن في الشخصية السعودية، بل هو المكون الوحيد الذي يعبِّر بصدق عن مشاعرنا بما يتفق مع كينونتنا، ومع حقائق التاريخ والواقع والجغرافيا.

وعلى هذا الأساس أتصور أن تلعب مختلف القطاعات الحكومية في الدولة دورًا بارزًا في ترسخ مفاهيم الهوية الوطنية السعودية، وفي مقدمتها المدارس والجامعات، ومختلف القطاعات التعليمية ومؤسسات التعليم في السعودية. ولا يجب أن نغفل دور الأسرة في بناء شخصية أبنائها، وتعزيز الهوية الوطنية في نفوسهم من أجل مستقبل زاهر مشرق حافل بالتطور والإبداع والمنجزات الحضارية.

بقي أن نشير إلى أن التمسك بهويتنا الوطنية السعودية، والحفاظ على تميًّزها، ليس مطلبًا شرعيًّا وحسب، بل هو أيضًا مطلب وطني؛ فالأمة المتميزة هي التي تمتلك زمام الريادة والقيادة. ولا يعني تمسكنا بهويتنا التصادم مع الآخرين، بل الحفاظ على تميُّز هذه الهوية في ظل الانفتاح على العالم؛ لأننا أصحاب رسالة عالمية، تدعو إلى التعاون والتسامح، ونشر الخير بين البشر جميعًا.