العالقون بالمدارس الأهلية

من بين الرسائل التي انهالت عليّ طلبًا للمشورة مع جائحة كورونا، استوقفتني رسالة أم لا يزال قلبها يخفق خوفًا على مستقبل ابنها، الذي لم يعد صغيرًا بل معلمًا بإحدى المدارس الأهلية، حيث طلبت مني إبداء الرأي القانوني حول الاتفاقية التي أعدتها إدارة المدرسة متضمنة منح ابنها المعلم إجازة 4 أشهر يتقاضى خلالها 60 % فقط من الراتب، فأجبتها والدهشة تتملكني بأن يوقع فورًا وهو مغمض، لعلمي المسبق بأن المدارس والجامعات الأهلية مستبعدة من دعم ساند، لكنني أكبرت بهذه المدرسة الحضارية حسها الوطني ومبادرتها الخيرة برد ولو جزء بسيط من أفضال الحكومة على القطاع الخاص والذي لم نلمس منه تلك المساهمات الاجتماعية الرائدة والفعّالة!!

لا أدري لماذا يرافق سوء الطالع الآلاف من شبابنا وبناتنا خريجي كليات التربية أو بعض التخصصات الجامعية، وكأنهم توائم الحظ السيئ ، حيث لم يشملهم التعيين على الوظائف التعليمية، وظلوا طوال هذه السنين أشبه بالمهاجرين الذين اثروا الرحيل بحثًا عن رزقهم فتاه بهم المركب في عرض البحر!!

هؤلاء الشباب والبنات المستبعدون من التعيين، حتى عندما استبشروا الخير برؤية جزيرة المدارس الأهلية وعزموا العيش فيها لفترة من الزمن تجنبًا لأمواج الحياة العاتية، لم يشملهم سلم العلاوات ولا الترقيات ولا حتى الإجازة السنوية بأجر، وإنما ظلوا على راتب مقطوع لا يتجاوز 3000 ريال يذهب منها 300 ريال للتأمينات الاجتماعية، وعقد عمل ينتهي مع آخر يوم بالفصل الثاني، ليظل مستوى معيشتهم بهذه المدارس المقطوعة مقارنة برفاهية أقرانهم بالمدارس الحكومية أشبه بعيشة الإنسان البدائي الذي يضرم ناره بحجر الصوان ويتلحف بأوراق الشجر ويقتات على النباتات وما يجود به البحر من أسماك!!

وحتى عندما تجدد الأمل مرة أخرى لهؤلاء الشباب والبنات برسو باخرة وزارة التعليم لإجلاء المعلمين المتضررين من جائحة كورونا وتعليق الدراسة بإجازة مدفوعة الأجر استثنت وكالة التعليم العام المدارس الأهلية من هذا القرار بحجة أنه يخضع للعلاقة التعاقدية ولصلاحية صاحب المنشأة، وكذلك الحال حين سمع هؤلاء العالقون بجزيرة المدارس الأهلية أزيز طائرة الإنقاذ التابعة لوزارة الموارد البشرية تحلق في أجوائهم ظنوا لوهلة أنها لمحت دخان معاناتهم فجاءت لإسعافهم قبل أن يصدموا مرة أخرى باستبعادهم من دعم ساند، ليصبحوا وفقًا لقرار إضافة المادة 41 للائحة التنفيذية لنظام العمل أمام ثلاثة خيارات صورية؛ إما التمتع بإجازة بأجر(وهذا غير متوفر)، أو الاتفاق على إجازة دون أجر ( وهذا ليس حلاً)، أو تخفيض الأجر بما يوازي ساعات العمل الفعلية (وهذا يفاقم من معاناتهم)، أو يتعرضوا لقرارات الفصل التعسفية بحجة القوة القاهرة، وهو ما سيفقدهم حتى مقومات الحياة البدائية فيواجهوا مصيرهم المجهول خلال الأشهر القادمة!!

وأخيرًا .. وقبل أن أختم، أود العودة بكم لرسالة تلك الأم المكلومة على مستقبل ابنها المعلم، حين عاودت إبلاغي النهار الثاني بأن المدرسة استدركت عملها الخير وعاد ضميرها للنوم ثانية، حيث أضافت للاتفاقية فقرة؛ أنه إذا لم يشمل المدرسة دعم ساند تكون إجازة الأربعة أشهر من دون راتب، حينها تخيلت ابن هذه الأم المحبطة وهو ينضم إلى العالقين بجزيرة المدارس الأهلية النائية ليفترش معهم تراب شاطئها ويحدق بسمائها مرددًا بكل أسى وحسرة أبيات الشاعر السوداني الكبير/ إدريس جماع ؛ (إن حظى كدقيق فوق شوك نثروه، ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه، صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه، إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه)!!

أحمد عجب
اعلان
العالقون بالمدارس الأهلية
سبق

من بين الرسائل التي انهالت عليّ طلبًا للمشورة مع جائحة كورونا، استوقفتني رسالة أم لا يزال قلبها يخفق خوفًا على مستقبل ابنها، الذي لم يعد صغيرًا بل معلمًا بإحدى المدارس الأهلية، حيث طلبت مني إبداء الرأي القانوني حول الاتفاقية التي أعدتها إدارة المدرسة متضمنة منح ابنها المعلم إجازة 4 أشهر يتقاضى خلالها 60 % فقط من الراتب، فأجبتها والدهشة تتملكني بأن يوقع فورًا وهو مغمض، لعلمي المسبق بأن المدارس والجامعات الأهلية مستبعدة من دعم ساند، لكنني أكبرت بهذه المدرسة الحضارية حسها الوطني ومبادرتها الخيرة برد ولو جزء بسيط من أفضال الحكومة على القطاع الخاص والذي لم نلمس منه تلك المساهمات الاجتماعية الرائدة والفعّالة!!

لا أدري لماذا يرافق سوء الطالع الآلاف من شبابنا وبناتنا خريجي كليات التربية أو بعض التخصصات الجامعية، وكأنهم توائم الحظ السيئ ، حيث لم يشملهم التعيين على الوظائف التعليمية، وظلوا طوال هذه السنين أشبه بالمهاجرين الذين اثروا الرحيل بحثًا عن رزقهم فتاه بهم المركب في عرض البحر!!

هؤلاء الشباب والبنات المستبعدون من التعيين، حتى عندما استبشروا الخير برؤية جزيرة المدارس الأهلية وعزموا العيش فيها لفترة من الزمن تجنبًا لأمواج الحياة العاتية، لم يشملهم سلم العلاوات ولا الترقيات ولا حتى الإجازة السنوية بأجر، وإنما ظلوا على راتب مقطوع لا يتجاوز 3000 ريال يذهب منها 300 ريال للتأمينات الاجتماعية، وعقد عمل ينتهي مع آخر يوم بالفصل الثاني، ليظل مستوى معيشتهم بهذه المدارس المقطوعة مقارنة برفاهية أقرانهم بالمدارس الحكومية أشبه بعيشة الإنسان البدائي الذي يضرم ناره بحجر الصوان ويتلحف بأوراق الشجر ويقتات على النباتات وما يجود به البحر من أسماك!!

وحتى عندما تجدد الأمل مرة أخرى لهؤلاء الشباب والبنات برسو باخرة وزارة التعليم لإجلاء المعلمين المتضررين من جائحة كورونا وتعليق الدراسة بإجازة مدفوعة الأجر استثنت وكالة التعليم العام المدارس الأهلية من هذا القرار بحجة أنه يخضع للعلاقة التعاقدية ولصلاحية صاحب المنشأة، وكذلك الحال حين سمع هؤلاء العالقون بجزيرة المدارس الأهلية أزيز طائرة الإنقاذ التابعة لوزارة الموارد البشرية تحلق في أجوائهم ظنوا لوهلة أنها لمحت دخان معاناتهم فجاءت لإسعافهم قبل أن يصدموا مرة أخرى باستبعادهم من دعم ساند، ليصبحوا وفقًا لقرار إضافة المادة 41 للائحة التنفيذية لنظام العمل أمام ثلاثة خيارات صورية؛ إما التمتع بإجازة بأجر(وهذا غير متوفر)، أو الاتفاق على إجازة دون أجر ( وهذا ليس حلاً)، أو تخفيض الأجر بما يوازي ساعات العمل الفعلية (وهذا يفاقم من معاناتهم)، أو يتعرضوا لقرارات الفصل التعسفية بحجة القوة القاهرة، وهو ما سيفقدهم حتى مقومات الحياة البدائية فيواجهوا مصيرهم المجهول خلال الأشهر القادمة!!

وأخيرًا .. وقبل أن أختم، أود العودة بكم لرسالة تلك الأم المكلومة على مستقبل ابنها المعلم، حين عاودت إبلاغي النهار الثاني بأن المدرسة استدركت عملها الخير وعاد ضميرها للنوم ثانية، حيث أضافت للاتفاقية فقرة؛ أنه إذا لم يشمل المدرسة دعم ساند تكون إجازة الأربعة أشهر من دون راتب، حينها تخيلت ابن هذه الأم المحبطة وهو ينضم إلى العالقين بجزيرة المدارس الأهلية النائية ليفترش معهم تراب شاطئها ويحدق بسمائها مرددًا بكل أسى وحسرة أبيات الشاعر السوداني الكبير/ إدريس جماع ؛ (إن حظى كدقيق فوق شوك نثروه، ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه، صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه، إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه)!!

14 إبريل 2020 - 21 شعبان 1441
08:42 PM
اخر تعديل
30 أكتوبر 2020 - 13 ربيع الأول 1442
09:31 AM

العالقون بالمدارس الأهلية

أحمد عجب - الرياض
A A A
5
7,852

من بين الرسائل التي انهالت عليّ طلبًا للمشورة مع جائحة كورونا، استوقفتني رسالة أم لا يزال قلبها يخفق خوفًا على مستقبل ابنها، الذي لم يعد صغيرًا بل معلمًا بإحدى المدارس الأهلية، حيث طلبت مني إبداء الرأي القانوني حول الاتفاقية التي أعدتها إدارة المدرسة متضمنة منح ابنها المعلم إجازة 4 أشهر يتقاضى خلالها 60 % فقط من الراتب، فأجبتها والدهشة تتملكني بأن يوقع فورًا وهو مغمض، لعلمي المسبق بأن المدارس والجامعات الأهلية مستبعدة من دعم ساند، لكنني أكبرت بهذه المدرسة الحضارية حسها الوطني ومبادرتها الخيرة برد ولو جزء بسيط من أفضال الحكومة على القطاع الخاص والذي لم نلمس منه تلك المساهمات الاجتماعية الرائدة والفعّالة!!

لا أدري لماذا يرافق سوء الطالع الآلاف من شبابنا وبناتنا خريجي كليات التربية أو بعض التخصصات الجامعية، وكأنهم توائم الحظ السيئ ، حيث لم يشملهم التعيين على الوظائف التعليمية، وظلوا طوال هذه السنين أشبه بالمهاجرين الذين اثروا الرحيل بحثًا عن رزقهم فتاه بهم المركب في عرض البحر!!

هؤلاء الشباب والبنات المستبعدون من التعيين، حتى عندما استبشروا الخير برؤية جزيرة المدارس الأهلية وعزموا العيش فيها لفترة من الزمن تجنبًا لأمواج الحياة العاتية، لم يشملهم سلم العلاوات ولا الترقيات ولا حتى الإجازة السنوية بأجر، وإنما ظلوا على راتب مقطوع لا يتجاوز 3000 ريال يذهب منها 300 ريال للتأمينات الاجتماعية، وعقد عمل ينتهي مع آخر يوم بالفصل الثاني، ليظل مستوى معيشتهم بهذه المدارس المقطوعة مقارنة برفاهية أقرانهم بالمدارس الحكومية أشبه بعيشة الإنسان البدائي الذي يضرم ناره بحجر الصوان ويتلحف بأوراق الشجر ويقتات على النباتات وما يجود به البحر من أسماك!!

وحتى عندما تجدد الأمل مرة أخرى لهؤلاء الشباب والبنات برسو باخرة وزارة التعليم لإجلاء المعلمين المتضررين من جائحة كورونا وتعليق الدراسة بإجازة مدفوعة الأجر استثنت وكالة التعليم العام المدارس الأهلية من هذا القرار بحجة أنه يخضع للعلاقة التعاقدية ولصلاحية صاحب المنشأة، وكذلك الحال حين سمع هؤلاء العالقون بجزيرة المدارس الأهلية أزيز طائرة الإنقاذ التابعة لوزارة الموارد البشرية تحلق في أجوائهم ظنوا لوهلة أنها لمحت دخان معاناتهم فجاءت لإسعافهم قبل أن يصدموا مرة أخرى باستبعادهم من دعم ساند، ليصبحوا وفقًا لقرار إضافة المادة 41 للائحة التنفيذية لنظام العمل أمام ثلاثة خيارات صورية؛ إما التمتع بإجازة بأجر(وهذا غير متوفر)، أو الاتفاق على إجازة دون أجر ( وهذا ليس حلاً)، أو تخفيض الأجر بما يوازي ساعات العمل الفعلية (وهذا يفاقم من معاناتهم)، أو يتعرضوا لقرارات الفصل التعسفية بحجة القوة القاهرة، وهو ما سيفقدهم حتى مقومات الحياة البدائية فيواجهوا مصيرهم المجهول خلال الأشهر القادمة!!

وأخيرًا .. وقبل أن أختم، أود العودة بكم لرسالة تلك الأم المكلومة على مستقبل ابنها المعلم، حين عاودت إبلاغي النهار الثاني بأن المدرسة استدركت عملها الخير وعاد ضميرها للنوم ثانية، حيث أضافت للاتفاقية فقرة؛ أنه إذا لم يشمل المدرسة دعم ساند تكون إجازة الأربعة أشهر من دون راتب، حينها تخيلت ابن هذه الأم المحبطة وهو ينضم إلى العالقين بجزيرة المدارس الأهلية النائية ليفترش معهم تراب شاطئها ويحدق بسمائها مرددًا بكل أسى وحسرة أبيات الشاعر السوداني الكبير/ إدريس جماع ؛ (إن حظى كدقيق فوق شوك نثروه، ثم قالوا لحفاة يوم ريح اجمعوه، صعب الأمر عليهم ثم قالوا اتركوه، إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه)!!