تركي الحمد لـ"سبق": إصلاحات الملك وولي العهد جددت شباب السعودية وأقلقت "ملالي" طهران و"الخليفة العثماني" وآخرين

كشف عن أبرز معاركه الفكرية وتجاربه ورواياته ووصيته و"اعترافاته" الكاملة التي سيكتبها بلا أسرار

- جمال الحياة في تنوعها.. لماذا تحاسبونني على عقدة القوميين والبعثيين والليبرالية وغيرها؟

- رؤية الأمير محمد بن سلمان تُعيق الأطماع الخارجية التي تريد تجاوز الدولة السعودية.

- "الدين رحمة" والآية الكريمة {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} تنطبق على من أضلوا الناس.

- هذا رأيي في الصحوة والحداثة والليبرالية والفشل والتصالح مع الذات والتكريم.

- لا يقلقني من لا يراني روائياً فالتذوق الأدبي مختلف وغيرهم يعتبرونني الأفضل.

- من الظلم أن نعتبر "تميم بن حمد" سياسياً فهو دمية للآخرين.. وشعب قطر لن يسامح "تنظيم الحمدين".

- نحتاج حملة وطنية ضد التطرف لمنع شياطين الدنيا من التلاعب بمشاعر الناس.

- السياسة العربية هي فن خلق الأوهام ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.. وهذه آفاتها ومشكلاتها.

- الطفرة المالية جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع والنتيجة ظهور شخصيتنا المستلبة.

- لا بد من ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة وجيل جديد يؤمن بالحياة أولاً.

- أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي وتحقيق النجاح المطلق لرؤية 2030.

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي: يُعرف عن أستاذ العلوم السياسية، والمفكر والروائي السعودي الدكتور تركي الحمد، أنه قليل الظهور الإعلامي، وزاهد إلى حد كبير في حواراته الصحفية، ويكتفي بتغريدات يضع فيها رأيه حول الأحداث ومواقفه السياسية المختلفة.

في الحوار التالي الذي خص به "سبق"، تَحَدّث في العديد من الأمور السياسية، والفكرية، والشخصية، والفلسفية، والاجتماعية. وقال رأيه في الصحوة، والطفرة، والحداثة، والليبرالية، ورواياته، والمجتمع، وكشف عما يحمله من بقايا عقدة القوميين، والبعثيين وغيرهم التي يتهم بها.

وتَطَرّق "الحمد" لواقع السعودية الجديد، وإصلاحات الملك وولي العهد، التي أقلقت ملالي طهران، والخليفة العثماني، وتنظيم الحمدين وغيرهم من الطامعين، والحالمين بتجاوز بلادنا سياسياً؛ مؤكداً أن رؤية الأمير محمد بن سلمان تعيق كل تلك الأطماع وتوقفها.

إن الحوار مع تركي الحمد في حقيقة الأمر، هو جولة فكرية سياسية وفلسفية عميقة مع رجل جدلي مختلف عن الآخرين، له زاوية أخرى مختلفة في مواقفه ورؤيته للأشياء والحياة، قد نختلف أو نتفق معها لكننا نحترمها؛ فإلى تفاصيل الحوار.

** أخذَتْكَ الحياة في عدة اتجاهات، وتنوعت المسارات، وكثر الضجيج حولك؛ فهل أنت ممن يفعل ما يشاء، ويترك الآخرين يفهمون ما يشاؤون؟

نعم أنا كذلك بالفعل، مقتدياً بحكمة "قل كلمتك وامضِ"؛ فالعقول ليست واحدة في فهمها، والنص، كل نص خاضع للتأويل وفهم مختلف؛ بل حتى لو حاولت أن تشرح ما تعني، فإن شرحك نص بذاته يفهمه المتلقي وفق عقله أو حتى هواه. فلسفة "هيغل" مثلاً أنتجت الشيوعية والفاشية، وذات الشيء يمكن أن يقال عن "نيتشه".

** وماذا عن قوله تعالى: {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}؟ على من تنطبق هذه الآية هذه الأيام؟

تنطبق هذه الآية على تجار الدين هذه الأيام، الذين أضلوا الناس بالخرافة، ودفعوا بالشباب الى التهلكة حين استغلوا الدين لتأجيج حماستهم، وهم -ومن يحبون- قاعدون؛ فأي ظلم أكثر من هذا، وهم اليوم في بداية انقلاب الظلم عليهم.

** دعني أسألك عن التحولات الكبيرة والسريعة التي يقودها خادم الحرمين وولي العهد، وتشهدها بلادنا حالياً، هل هي لتدارك تباطؤ سابق غير مبرر؟

نعم، وكما صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل فترة؛ فإنه في عجلة من أمره، يريد أن يرى السعودية التي يحلم بها في حياته، وسوف يراها إن شاء الله. كان واضحاً منذ زمن أن السعودية بحاجة إلى ثوب جديد كي تواكب متغيرات العصر وصعوباته؛ حتى جاء الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد، مدركين أن المسألة أصبحت قضية وجود الكيان؛ إن لم يبادرا بعملية إصلاح شاملة؛ فكانت رؤية ٢٠٣٠.

** ولماذا تزعج السعودية الجديدة التي راهن الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان عليها بلغة المستقبل، وكسبا الرهان، ملالي إيران، و"تنظيم الحمدين" وغيرها؟

طبيعي أن يُقلق ما يجري في السعودية الملالي في إيران، و"الخليفة العثماني" في أنقرة؛ فكلاهما يسعى إلى نفخ الروح في إمبراطوريات بائدة، ووجود سعودية قوية يقف سداً أمام هذه الأطماع، ولا أقول الطموحات؛ فالطموح مشروع، "والطمع يذهب ما انجمع".

الأطماع الإيرانية والعثمانية لا يمكن أن تتحقق دون تجاوز الدولة السعودية؛ لذلك هم ضد أي فعل لتجديد هذه الدولة. أما تنظيم الحمدين فلا أقيم له اعتباراً حقيقة الأمر؛ فهو مجرد دمية للآخرين، وقد أدخلت قطر نفسها في نفق مظلم ومغامرة ستخرج منها خاسرة في النهاية، وحينها لن ينفع الندم، ولن يسامحهما شعب قطر المغلوب على أمره.

** لماذا لقبتَ الرئيس التركي "أردوغان" بـ"الخليفة العثماني"؟ هل تراه ما زال يبحث عن الزعامة لإمبراطورية سابقة؟

إنه الحلم العثماني سيدي الكريم، ليس هناك أسوأ من الثمالة الأيديولوجية، حين تجعلك معتقداً أنه يمكنك النفخ في أرواح الموتى كي يعودوا، والنتيجة كارثية في النهاية. حاول "موتسليني" النفخ في روح الإمبراطورية الرومانية، وحاول هتلر إعادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة أو الرايخ الثالث؛ ولكنهم في النهاية سقطوا. ما مات لا يمكن أن يُبعث من جديد في هذا العالم بالطبع، مثل حلم الخلافة لدى المؤدجلة قلوبهم من الإسلاميين؛ لذا أتوقع سقوطاً كارثياً لأردوغان، الذي لو اكتفى ببلده؛ لكان رمزاً يضاهي رمز أتاتورك في قلوب الأتراك.

** سياسياً كيف تصنف "تميم بن حمد"؟ وكيف تحل أزمة قطر؟

من الظلم أن يُعتبر تميم بن حمد سياسياً من الأساس؛ فهو فتى وجد نفسه في مواجهة عالم لا يعرف عنه أي شيء، ينفذ ما يؤمر به؛ حتى لو يكن يؤمن به. أنا حقيقةً أشفق عليه وعلى قطر. السياسة هي أن تعرف حجمك وقدراتك وحقائق الواقع: قطر دولة صغيرة الحجم، ديموغرافياً وجغرافياً، ولا يمكن لها أن تلعب دور الدولة الكبرى؛ لذا -وبهذه الحقائق- لا يمكن أن تكون ذات شأن حتى لو امتلكت مال العالم كله. هي أمور لا تباع ولا تشترى، فعلاً أشفق عليه؛ فلو كان سياسياً لأدرك أن مستقبل قطر في محيطها، وليس مع "أردوغان" الحالم بالخلافة، ولا مع إيران الحالمة بعودة سيد الزمان.

** في كتابك "السياسة بين الحلال والحرام.. أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لماذا صوّرت الإسلاميين بشياطين الدنيا؟

لأنهم كذلك، يتلاعبون بمشاعر الناس، ويعزفون على وتر الدين، ويدغدغون عواطف الجماهير الدينية؛ من أجل غايات لا علاقة لها بالدين؛ فالدين رحمة، وهؤلاء حوّلوه إلى نقمة. والدين محبة، وهؤلاء حوّلوه إلى حقد أعمى.. ألا يحق لي في مثل هذا الواقع أن أصف من يستغل الدين بشياطين الدنيا؟

** طالَبَ البعض بتكريمك لإثرائك الحياة الثقافية المحلية والعربية والعالمية، والبعض الآخر يُصِرّ على محاسبتك لأنك لم تتخلص حتى الآن من عقد القوميين والبعثيين والليبرالية. ما ردك؟

شيء طبيعي أن يكون ذلك، وهذه هي طبيعة الحياة. ثم لنفرض أنني لم أتخلص من عقد القوميين وغيرهم؛ فلماذا تحاسبني؟ الإيمان بفكرة -مهما كانت- ليس جريمة طالما بقيتْ في حدود الإيمان والعمل السلمي. أنت لا تؤمن بهذه الفكرة أو تلك؛ فذاك شأنك؛ أما أن تُجرّمني إن لم أؤمن بفكرتك، وتجبرني على اعتناقها ولو ظاهراً؛ فهذه هي الجريمة.

جمال الحياة في تنوعها، كما أن جمال الحديقة في تنوع أزهارها، وجمال اللوحة بتعدد ألوانها؛ ولكن البعض يريدها حديقة بنبتة واحدة، ولوحة بلون واحد.

** تتحدث عن الليبرالية كثيراً؛ فهل هي عقيدة حياة أم طريقة تفكير؟

الليبرالية في جوهرها فلسفة حياة في المقام الأول، تقوم على احترام الفرد وحريته المؤطرة بالقانون، طالما أنها لا تتعارض مع حرية الآخرين. وهي طريقة تفكير نعم، من حيث إنها توجه العقل نحو النظر إلى الأمور بنسبية؛ أي أنها نقيض الدوغماتية التي ترى الأمور من منظور واحد ورأي واحد ولون واحد. بإيجاز العبارة: الليبرالية هي الحياة عندما تكون الحرية روحها، والتنوع جوهرها.

** ما هي خلاصة تجاربك بعد معاركك الفكرية المحتدمة، ومحطات الصراع على الساحة الثقافية؟

الخلاصة: إياك والثبات على رأي، أو سجن نفسك في "دوغماتية" معينة، دينية كانت أو دنيوية؛ فالحياة بطبيعتها متغيرة، ومن لا يتغير معها فمصيره الجمود والتشظي. هذا لا يعني التخلي عن المبدأ؛ ولكنه يعني التخلي عن وسائل تحقيق المبدأ، حين اكتشاف عقمها. وخلاصة تجاربي؟ الانسان هو الأصل، وما عدا ذلك مجرد وسيلة. المبادئ وُضعت من أجل الإنسان، ولم يُخلق الإنسان من أجل المبادئ.

** حسناً.. وأين تكمن حرية الإنسان؟ في القناعة بما هو مُقدّر؟ أم العيش في طيف النظريات الفكرية؟

حرية الانسان تكمن في الاختيار. الاختيار هو جوهر الحرية. أن تختار القناعة أو العيش في عالم الفكر أو غير ذلك؛ فهذا هو جوهر الحرية؛ بل هو جوهر الإنسان، وبلا حرية، بلا اختيار، يندثر الإنسان.

** هل كانت "الصحوة"، و"الحداثة" شران مستطيران في مجتمعنا؟

أما الصحوة؛ فقد كانت شراً مستطيراً إلى أبعد مدى؛ فقد أضاعت علينا فرصاً تاريخية عديدة في القفز للأمام بقوة، بتطرفها وتنظيراتها التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة؛ بل هي تنظيرات أناس قد طواهم الزمن، نظروا لأزمانهم لا لزمننا. أربعون عاماً من الزمان قتلت فيها الصحوة روح الإنسان فينا، بنشر ثقافة الموت والعنف والدمار. والحقيقة أن الصحوة مرحلة وعدّت، وليست هذه هي المشكلة اليوم؛ فما مضى قد مضى. المشكلة تكمن في إعادة المجتمع والعقل إلى الحياة من جديد، بتمكين ثقافة الحياة من توجيه عقل الفرد، وهذا قد يستغرق عقوداً من الزمان ما كان أغنانا عنها لو حوصرت الصحوة في بداياتها.

أما الحداثة فلا أستطيع القول إنها كانت شراً مستطيراً؛ لأننا لم نعشها بكل أبعادها ببساطة؛ بل لامسناها من بعيد، وعلى استحياء. أما الصحوة فقد تخللت كل مسامات حياتنا؛ ولذلك لا يمكن المقارنة بين تيارين، أحدهما أُعطِيَ كامل الفرصة، والآخر جزءاً من فرصة.

** في مجتمعنا حراك قانوني حازم تجاه المخالفين، وأصحاب الطرح "المضلل" سياسياً واجتماعياً، هل يكفي لردعهم؟

كلا لا يكفي؛ فهؤلاء زرعوا بذور التطرف في كل بيت ومدرسة وجامعة ومسجد خلال أربعين عاماً من اختطاف المجتمع. المطلوب -إلى جانب الحراك القانوني- حملة وطنية ضد الفكر المتطرف، تشمل كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. أكثر من أربعين عاماً من تسميم العقول تحتاج إلى أكثر من قانون رادع. تحتاج إلى ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة، وخلق جيل جديد يؤمن بالحياة أولاً. هذه ليست عملية سهلة؛ ولكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

** عربياً، المشاريع القومية تفشل بشكل دائم؛ هل لأنها مجرد أمنيات وتأملات ممن يجلسون على الأرائك؟

كل مشروع أو حلم يحاول تجاوز حقائق الواقع هو مشروع فاشل. نعم الأحلام جميلة؛ ولكن بشرط ألا تكون أحلام صيف. الوحدة المصرية السورية لم تلبث أكثر من سنوات ثلاث، لماذا؟ لأنها قامت على أسس عاطفية الأيديولوجية، على أساس أننا أمة واحدة من العرب، وهذا ليس أساساً ثابتاً! نعم نحن ننتمي إلى ثقافة عربية واحدة، كما تنتمي أمريكا اللاتينية إلى ثقافة واحدة؛ ولكننا لسنا أمة واحدة سياسياً أو مصلحياً؛ فكل دولة عربية لها مصلحتها الخاصة واتجاهها الخاص. الوحدة الأوروبية قامت على المصلحة المشتركة وليس العاطفة المشتركة.. حين نقفز على حقائق الواقع لا بد أن نفشل، والأدلجة هي التي تقف وراء إخفاقات السياسة العربية، وليس مجرد تراجعها.. أدلجة النظر للأشياء تجعل الفرد والجماعة يرون العالم بلون واحد ومعنى واحد؛ وبالتالي لا يستطيعون التعامل معه في واقعه؛ فالسياسة من هذا المنظور إما أن تكون مؤامرة، أو تكالباً للعدو على أمة يخشونها، وهي الأفضل؛ ولكن هذا التكالب هو ما يعيق هيمنة هذه الأمة، وغير ذلك.

السياسة العربية هي كل ذلك؛ إلا أن تكون فن التعامل مع الواقع والمتغيرات، وهنا تكمن آفاتها وكل مشكلاتها وإشكالاتها. السياسة العربية هي فن خلق الأوهام؛ ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.

** لماذا حمّلت مسؤولية تشوّه المجتمع السعودي، والسلبية التي تعتري أسلوب الحياة وشخصية المواطن على الطفرة المادية، والصحوة؟

الطفرة جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع؛ كالباحثين عن الذهب في كاليفورنيا في القرن التاسع عشر، والصحوة حاولت أن تجعلنا مجتمعاً "كاليفينياً" بمساعدة مال الطفرة، ونجحت. الطفرة والصحوة جعلتنا نعتقد أننا نملك مصباح علاء الدين "الريال والهلال"؛ وهنا مكمن الخطأ. طفرة تبشر بالدنيا وصحوة تبشر بما بعد الدنيا، شخصية مستلبة هي النتيجة.

** روائياً.. يصنفك البعض بأفضل الروائيين السعوديين، وآخرون يرونك لست بروائي أصلاً، هل سبب هذا الاختلاف مواقف شخصية أم أنه تذوق أدبي؟

ربما كلاهما؛ فالتذوق الأدبي مختلف من شخص لشخص، والمواقف الشخصية لها دور في الموضوع؛ ولكن كما قلت سابقاً: هذه هي طبيعة الأمور، ولا تقلقني هذه المسالة؛ فما يستحق الحياة سيحيى، وما لا قيمة له سيندثر. البقاء للأفضل.

** هل الأعمال الروائية ذات الزمان والمكان والخلفية التاريخية لبعض مؤلفيها، هي بالضرورة سيرة ذاتية؟

كلا، ليس بالضرورة سيرة ذاتية كاملة. ظن البعض أن ثلاثيتي "أطياف الأزقة المهجورة" هي سيرة ذاتية، وهذا غير صحيح.. في ملامح وحياة بطلها "هشام إبراهيم العابر" الكثير من حياتي؛ ولكنه ليس أنا، كما أن "كمال أحمد عبد الجواد" ليس "نجيب محفوظ"؛ برغم أن فيه الكثير منه. سيرتي الذاتية سأكتبها في الوقت المناسب، وستكون بمثل "اعترافات" جان جاك روسو، تعريةً كاملةً للذات؛ وكأني في محراب كاثوليكي لا أسرار فيه.

** ما هي أهم الكتابات التي قرأتها في الآونة الأخيرة؟

أنهيت مؤخراً كتاب "التاريخ الفكري لليبرالية" للمفكر الفرنسي بيير مانن، وترجمة هاشم صالح، صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وهو كتاب تعريفي بنشأة الليبرالية في أوروبا، وأبرز مفكريها، وتطورها التاريخي.

** ما هي وصايا تركي الحمد؟

ومن هو تركي الحمد كي يوصي؟ عسى أن أوصي نفسي قبل أن أوصي الآخرين.. وعموماً وصاياي في كتبي ومقالاتي وتغريداتي، وأظنها تكفي.

** ما هو الهدف الذي فشلت في تحقيقه؟

كثيرة هي الأهداف، عامة وخاصة، التي فشلت في تحقيقها؛ ولكني لا أراه فشلاً حقيقةً؛ فقد حاولت، وفي المحاولة تكمن نكهة الحياة. هكذا أقول لنفسي دائماً. والمهم هو أنني كنت دائماً متصالحاً مع ذاتي. لم أسعَ يوماً لتحقيق هدف على حساب هذا التصالح.

** متى تصبر؟ ومتى تغضب؟ ومتى تفرح؟

متى أصبر؟ حين يكون الصبر هو الخيار الوحيد أمامي. متى أغضب؟ حين أرى الحق حقاً، ويرونه حقاً ولكنهم يتجاهلونه لهذا الغرض أو ذاك. متى أفرح؟ حين يُعترف بصحة أفكاري.

** بين عام هجري طوى شراعه، وآخر جديد أفرد أشرعته للرياح، ماذا تتمنى؟

ماذا أتمنى؟ أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي من أجل سعودية جديدة نجحت في نزع ثوبها الضيق القديم، وارتدت ثوبها الجديد. أتمنى النجاح المطلق لرؤية 2030 التي وإن شكّك البعض فيها؛ إلا أني أرى ملامح الدولة السعودية العصرية فيها. نعم سنعاني؛ ولكن لا ولادة بلا ألم، وقد تأخرنا كثيراً؛ ولكن غداً لناظره قريب.

اعلان
تركي الحمد لـ"سبق": إصلاحات الملك وولي العهد جددت شباب السعودية وأقلقت "ملالي" طهران و"الخليفة العثماني" وآخرين
سبق

- جمال الحياة في تنوعها.. لماذا تحاسبونني على عقدة القوميين والبعثيين والليبرالية وغيرها؟

- رؤية الأمير محمد بن سلمان تُعيق الأطماع الخارجية التي تريد تجاوز الدولة السعودية.

- "الدين رحمة" والآية الكريمة {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} تنطبق على من أضلوا الناس.

- هذا رأيي في الصحوة والحداثة والليبرالية والفشل والتصالح مع الذات والتكريم.

- لا يقلقني من لا يراني روائياً فالتذوق الأدبي مختلف وغيرهم يعتبرونني الأفضل.

- من الظلم أن نعتبر "تميم بن حمد" سياسياً فهو دمية للآخرين.. وشعب قطر لن يسامح "تنظيم الحمدين".

- نحتاج حملة وطنية ضد التطرف لمنع شياطين الدنيا من التلاعب بمشاعر الناس.

- السياسة العربية هي فن خلق الأوهام ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.. وهذه آفاتها ومشكلاتها.

- الطفرة المالية جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع والنتيجة ظهور شخصيتنا المستلبة.

- لا بد من ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة وجيل جديد يؤمن بالحياة أولاً.

- أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي وتحقيق النجاح المطلق لرؤية 2030.

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي: يُعرف عن أستاذ العلوم السياسية، والمفكر والروائي السعودي الدكتور تركي الحمد، أنه قليل الظهور الإعلامي، وزاهد إلى حد كبير في حواراته الصحفية، ويكتفي بتغريدات يضع فيها رأيه حول الأحداث ومواقفه السياسية المختلفة.

في الحوار التالي الذي خص به "سبق"، تَحَدّث في العديد من الأمور السياسية، والفكرية، والشخصية، والفلسفية، والاجتماعية. وقال رأيه في الصحوة، والطفرة، والحداثة، والليبرالية، ورواياته، والمجتمع، وكشف عما يحمله من بقايا عقدة القوميين، والبعثيين وغيرهم التي يتهم بها.

وتَطَرّق "الحمد" لواقع السعودية الجديد، وإصلاحات الملك وولي العهد، التي أقلقت ملالي طهران، والخليفة العثماني، وتنظيم الحمدين وغيرهم من الطامعين، والحالمين بتجاوز بلادنا سياسياً؛ مؤكداً أن رؤية الأمير محمد بن سلمان تعيق كل تلك الأطماع وتوقفها.

إن الحوار مع تركي الحمد في حقيقة الأمر، هو جولة فكرية سياسية وفلسفية عميقة مع رجل جدلي مختلف عن الآخرين، له زاوية أخرى مختلفة في مواقفه ورؤيته للأشياء والحياة، قد نختلف أو نتفق معها لكننا نحترمها؛ فإلى تفاصيل الحوار.

** أخذَتْكَ الحياة في عدة اتجاهات، وتنوعت المسارات، وكثر الضجيج حولك؛ فهل أنت ممن يفعل ما يشاء، ويترك الآخرين يفهمون ما يشاؤون؟

نعم أنا كذلك بالفعل، مقتدياً بحكمة "قل كلمتك وامضِ"؛ فالعقول ليست واحدة في فهمها، والنص، كل نص خاضع للتأويل وفهم مختلف؛ بل حتى لو حاولت أن تشرح ما تعني، فإن شرحك نص بذاته يفهمه المتلقي وفق عقله أو حتى هواه. فلسفة "هيغل" مثلاً أنتجت الشيوعية والفاشية، وذات الشيء يمكن أن يقال عن "نيتشه".

** وماذا عن قوله تعالى: {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}؟ على من تنطبق هذه الآية هذه الأيام؟

تنطبق هذه الآية على تجار الدين هذه الأيام، الذين أضلوا الناس بالخرافة، ودفعوا بالشباب الى التهلكة حين استغلوا الدين لتأجيج حماستهم، وهم -ومن يحبون- قاعدون؛ فأي ظلم أكثر من هذا، وهم اليوم في بداية انقلاب الظلم عليهم.

** دعني أسألك عن التحولات الكبيرة والسريعة التي يقودها خادم الحرمين وولي العهد، وتشهدها بلادنا حالياً، هل هي لتدارك تباطؤ سابق غير مبرر؟

نعم، وكما صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل فترة؛ فإنه في عجلة من أمره، يريد أن يرى السعودية التي يحلم بها في حياته، وسوف يراها إن شاء الله. كان واضحاً منذ زمن أن السعودية بحاجة إلى ثوب جديد كي تواكب متغيرات العصر وصعوباته؛ حتى جاء الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد، مدركين أن المسألة أصبحت قضية وجود الكيان؛ إن لم يبادرا بعملية إصلاح شاملة؛ فكانت رؤية ٢٠٣٠.

** ولماذا تزعج السعودية الجديدة التي راهن الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان عليها بلغة المستقبل، وكسبا الرهان، ملالي إيران، و"تنظيم الحمدين" وغيرها؟

طبيعي أن يُقلق ما يجري في السعودية الملالي في إيران، و"الخليفة العثماني" في أنقرة؛ فكلاهما يسعى إلى نفخ الروح في إمبراطوريات بائدة، ووجود سعودية قوية يقف سداً أمام هذه الأطماع، ولا أقول الطموحات؛ فالطموح مشروع، "والطمع يذهب ما انجمع".

الأطماع الإيرانية والعثمانية لا يمكن أن تتحقق دون تجاوز الدولة السعودية؛ لذلك هم ضد أي فعل لتجديد هذه الدولة. أما تنظيم الحمدين فلا أقيم له اعتباراً حقيقة الأمر؛ فهو مجرد دمية للآخرين، وقد أدخلت قطر نفسها في نفق مظلم ومغامرة ستخرج منها خاسرة في النهاية، وحينها لن ينفع الندم، ولن يسامحهما شعب قطر المغلوب على أمره.

** لماذا لقبتَ الرئيس التركي "أردوغان" بـ"الخليفة العثماني"؟ هل تراه ما زال يبحث عن الزعامة لإمبراطورية سابقة؟

إنه الحلم العثماني سيدي الكريم، ليس هناك أسوأ من الثمالة الأيديولوجية، حين تجعلك معتقداً أنه يمكنك النفخ في أرواح الموتى كي يعودوا، والنتيجة كارثية في النهاية. حاول "موتسليني" النفخ في روح الإمبراطورية الرومانية، وحاول هتلر إعادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة أو الرايخ الثالث؛ ولكنهم في النهاية سقطوا. ما مات لا يمكن أن يُبعث من جديد في هذا العالم بالطبع، مثل حلم الخلافة لدى المؤدجلة قلوبهم من الإسلاميين؛ لذا أتوقع سقوطاً كارثياً لأردوغان، الذي لو اكتفى ببلده؛ لكان رمزاً يضاهي رمز أتاتورك في قلوب الأتراك.

** سياسياً كيف تصنف "تميم بن حمد"؟ وكيف تحل أزمة قطر؟

من الظلم أن يُعتبر تميم بن حمد سياسياً من الأساس؛ فهو فتى وجد نفسه في مواجهة عالم لا يعرف عنه أي شيء، ينفذ ما يؤمر به؛ حتى لو يكن يؤمن به. أنا حقيقةً أشفق عليه وعلى قطر. السياسة هي أن تعرف حجمك وقدراتك وحقائق الواقع: قطر دولة صغيرة الحجم، ديموغرافياً وجغرافياً، ولا يمكن لها أن تلعب دور الدولة الكبرى؛ لذا -وبهذه الحقائق- لا يمكن أن تكون ذات شأن حتى لو امتلكت مال العالم كله. هي أمور لا تباع ولا تشترى، فعلاً أشفق عليه؛ فلو كان سياسياً لأدرك أن مستقبل قطر في محيطها، وليس مع "أردوغان" الحالم بالخلافة، ولا مع إيران الحالمة بعودة سيد الزمان.

** في كتابك "السياسة بين الحلال والحرام.. أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لماذا صوّرت الإسلاميين بشياطين الدنيا؟

لأنهم كذلك، يتلاعبون بمشاعر الناس، ويعزفون على وتر الدين، ويدغدغون عواطف الجماهير الدينية؛ من أجل غايات لا علاقة لها بالدين؛ فالدين رحمة، وهؤلاء حوّلوه إلى نقمة. والدين محبة، وهؤلاء حوّلوه إلى حقد أعمى.. ألا يحق لي في مثل هذا الواقع أن أصف من يستغل الدين بشياطين الدنيا؟

** طالَبَ البعض بتكريمك لإثرائك الحياة الثقافية المحلية والعربية والعالمية، والبعض الآخر يُصِرّ على محاسبتك لأنك لم تتخلص حتى الآن من عقد القوميين والبعثيين والليبرالية. ما ردك؟

شيء طبيعي أن يكون ذلك، وهذه هي طبيعة الحياة. ثم لنفرض أنني لم أتخلص من عقد القوميين وغيرهم؛ فلماذا تحاسبني؟ الإيمان بفكرة -مهما كانت- ليس جريمة طالما بقيتْ في حدود الإيمان والعمل السلمي. أنت لا تؤمن بهذه الفكرة أو تلك؛ فذاك شأنك؛ أما أن تُجرّمني إن لم أؤمن بفكرتك، وتجبرني على اعتناقها ولو ظاهراً؛ فهذه هي الجريمة.

جمال الحياة في تنوعها، كما أن جمال الحديقة في تنوع أزهارها، وجمال اللوحة بتعدد ألوانها؛ ولكن البعض يريدها حديقة بنبتة واحدة، ولوحة بلون واحد.

** تتحدث عن الليبرالية كثيراً؛ فهل هي عقيدة حياة أم طريقة تفكير؟

الليبرالية في جوهرها فلسفة حياة في المقام الأول، تقوم على احترام الفرد وحريته المؤطرة بالقانون، طالما أنها لا تتعارض مع حرية الآخرين. وهي طريقة تفكير نعم، من حيث إنها توجه العقل نحو النظر إلى الأمور بنسبية؛ أي أنها نقيض الدوغماتية التي ترى الأمور من منظور واحد ورأي واحد ولون واحد. بإيجاز العبارة: الليبرالية هي الحياة عندما تكون الحرية روحها، والتنوع جوهرها.

** ما هي خلاصة تجاربك بعد معاركك الفكرية المحتدمة، ومحطات الصراع على الساحة الثقافية؟

الخلاصة: إياك والثبات على رأي، أو سجن نفسك في "دوغماتية" معينة، دينية كانت أو دنيوية؛ فالحياة بطبيعتها متغيرة، ومن لا يتغير معها فمصيره الجمود والتشظي. هذا لا يعني التخلي عن المبدأ؛ ولكنه يعني التخلي عن وسائل تحقيق المبدأ، حين اكتشاف عقمها. وخلاصة تجاربي؟ الانسان هو الأصل، وما عدا ذلك مجرد وسيلة. المبادئ وُضعت من أجل الإنسان، ولم يُخلق الإنسان من أجل المبادئ.

** حسناً.. وأين تكمن حرية الإنسان؟ في القناعة بما هو مُقدّر؟ أم العيش في طيف النظريات الفكرية؟

حرية الانسان تكمن في الاختيار. الاختيار هو جوهر الحرية. أن تختار القناعة أو العيش في عالم الفكر أو غير ذلك؛ فهذا هو جوهر الحرية؛ بل هو جوهر الإنسان، وبلا حرية، بلا اختيار، يندثر الإنسان.

** هل كانت "الصحوة"، و"الحداثة" شران مستطيران في مجتمعنا؟

أما الصحوة؛ فقد كانت شراً مستطيراً إلى أبعد مدى؛ فقد أضاعت علينا فرصاً تاريخية عديدة في القفز للأمام بقوة، بتطرفها وتنظيراتها التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة؛ بل هي تنظيرات أناس قد طواهم الزمن، نظروا لأزمانهم لا لزمننا. أربعون عاماً من الزمان قتلت فيها الصحوة روح الإنسان فينا، بنشر ثقافة الموت والعنف والدمار. والحقيقة أن الصحوة مرحلة وعدّت، وليست هذه هي المشكلة اليوم؛ فما مضى قد مضى. المشكلة تكمن في إعادة المجتمع والعقل إلى الحياة من جديد، بتمكين ثقافة الحياة من توجيه عقل الفرد، وهذا قد يستغرق عقوداً من الزمان ما كان أغنانا عنها لو حوصرت الصحوة في بداياتها.

أما الحداثة فلا أستطيع القول إنها كانت شراً مستطيراً؛ لأننا لم نعشها بكل أبعادها ببساطة؛ بل لامسناها من بعيد، وعلى استحياء. أما الصحوة فقد تخللت كل مسامات حياتنا؛ ولذلك لا يمكن المقارنة بين تيارين، أحدهما أُعطِيَ كامل الفرصة، والآخر جزءاً من فرصة.

** في مجتمعنا حراك قانوني حازم تجاه المخالفين، وأصحاب الطرح "المضلل" سياسياً واجتماعياً، هل يكفي لردعهم؟

كلا لا يكفي؛ فهؤلاء زرعوا بذور التطرف في كل بيت ومدرسة وجامعة ومسجد خلال أربعين عاماً من اختطاف المجتمع. المطلوب -إلى جانب الحراك القانوني- حملة وطنية ضد الفكر المتطرف، تشمل كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. أكثر من أربعين عاماً من تسميم العقول تحتاج إلى أكثر من قانون رادع. تحتاج إلى ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة، وخلق جيل جديد يؤمن بالحياة أولاً. هذه ليست عملية سهلة؛ ولكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

** عربياً، المشاريع القومية تفشل بشكل دائم؛ هل لأنها مجرد أمنيات وتأملات ممن يجلسون على الأرائك؟

كل مشروع أو حلم يحاول تجاوز حقائق الواقع هو مشروع فاشل. نعم الأحلام جميلة؛ ولكن بشرط ألا تكون أحلام صيف. الوحدة المصرية السورية لم تلبث أكثر من سنوات ثلاث، لماذا؟ لأنها قامت على أسس عاطفية الأيديولوجية، على أساس أننا أمة واحدة من العرب، وهذا ليس أساساً ثابتاً! نعم نحن ننتمي إلى ثقافة عربية واحدة، كما تنتمي أمريكا اللاتينية إلى ثقافة واحدة؛ ولكننا لسنا أمة واحدة سياسياً أو مصلحياً؛ فكل دولة عربية لها مصلحتها الخاصة واتجاهها الخاص. الوحدة الأوروبية قامت على المصلحة المشتركة وليس العاطفة المشتركة.. حين نقفز على حقائق الواقع لا بد أن نفشل، والأدلجة هي التي تقف وراء إخفاقات السياسة العربية، وليس مجرد تراجعها.. أدلجة النظر للأشياء تجعل الفرد والجماعة يرون العالم بلون واحد ومعنى واحد؛ وبالتالي لا يستطيعون التعامل معه في واقعه؛ فالسياسة من هذا المنظور إما أن تكون مؤامرة، أو تكالباً للعدو على أمة يخشونها، وهي الأفضل؛ ولكن هذا التكالب هو ما يعيق هيمنة هذه الأمة، وغير ذلك.

السياسة العربية هي كل ذلك؛ إلا أن تكون فن التعامل مع الواقع والمتغيرات، وهنا تكمن آفاتها وكل مشكلاتها وإشكالاتها. السياسة العربية هي فن خلق الأوهام؛ ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.

** لماذا حمّلت مسؤولية تشوّه المجتمع السعودي، والسلبية التي تعتري أسلوب الحياة وشخصية المواطن على الطفرة المادية، والصحوة؟

الطفرة جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع؛ كالباحثين عن الذهب في كاليفورنيا في القرن التاسع عشر، والصحوة حاولت أن تجعلنا مجتمعاً "كاليفينياً" بمساعدة مال الطفرة، ونجحت. الطفرة والصحوة جعلتنا نعتقد أننا نملك مصباح علاء الدين "الريال والهلال"؛ وهنا مكمن الخطأ. طفرة تبشر بالدنيا وصحوة تبشر بما بعد الدنيا، شخصية مستلبة هي النتيجة.

** روائياً.. يصنفك البعض بأفضل الروائيين السعوديين، وآخرون يرونك لست بروائي أصلاً، هل سبب هذا الاختلاف مواقف شخصية أم أنه تذوق أدبي؟

ربما كلاهما؛ فالتذوق الأدبي مختلف من شخص لشخص، والمواقف الشخصية لها دور في الموضوع؛ ولكن كما قلت سابقاً: هذه هي طبيعة الأمور، ولا تقلقني هذه المسالة؛ فما يستحق الحياة سيحيى، وما لا قيمة له سيندثر. البقاء للأفضل.

** هل الأعمال الروائية ذات الزمان والمكان والخلفية التاريخية لبعض مؤلفيها، هي بالضرورة سيرة ذاتية؟

كلا، ليس بالضرورة سيرة ذاتية كاملة. ظن البعض أن ثلاثيتي "أطياف الأزقة المهجورة" هي سيرة ذاتية، وهذا غير صحيح.. في ملامح وحياة بطلها "هشام إبراهيم العابر" الكثير من حياتي؛ ولكنه ليس أنا، كما أن "كمال أحمد عبد الجواد" ليس "نجيب محفوظ"؛ برغم أن فيه الكثير منه. سيرتي الذاتية سأكتبها في الوقت المناسب، وستكون بمثل "اعترافات" جان جاك روسو، تعريةً كاملةً للذات؛ وكأني في محراب كاثوليكي لا أسرار فيه.

** ما هي أهم الكتابات التي قرأتها في الآونة الأخيرة؟

أنهيت مؤخراً كتاب "التاريخ الفكري لليبرالية" للمفكر الفرنسي بيير مانن، وترجمة هاشم صالح، صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وهو كتاب تعريفي بنشأة الليبرالية في أوروبا، وأبرز مفكريها، وتطورها التاريخي.

** ما هي وصايا تركي الحمد؟

ومن هو تركي الحمد كي يوصي؟ عسى أن أوصي نفسي قبل أن أوصي الآخرين.. وعموماً وصاياي في كتبي ومقالاتي وتغريداتي، وأظنها تكفي.

** ما هو الهدف الذي فشلت في تحقيقه؟

كثيرة هي الأهداف، عامة وخاصة، التي فشلت في تحقيقها؛ ولكني لا أراه فشلاً حقيقةً؛ فقد حاولت، وفي المحاولة تكمن نكهة الحياة. هكذا أقول لنفسي دائماً. والمهم هو أنني كنت دائماً متصالحاً مع ذاتي. لم أسعَ يوماً لتحقيق هدف على حساب هذا التصالح.

** متى تصبر؟ ومتى تغضب؟ ومتى تفرح؟

متى أصبر؟ حين يكون الصبر هو الخيار الوحيد أمامي. متى أغضب؟ حين أرى الحق حقاً، ويرونه حقاً ولكنهم يتجاهلونه لهذا الغرض أو ذاك. متى أفرح؟ حين يُعترف بصحة أفكاري.

** بين عام هجري طوى شراعه، وآخر جديد أفرد أشرعته للرياح، ماذا تتمنى؟

ماذا أتمنى؟ أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي من أجل سعودية جديدة نجحت في نزع ثوبها الضيق القديم، وارتدت ثوبها الجديد. أتمنى النجاح المطلق لرؤية 2030 التي وإن شكّك البعض فيها؛ إلا أني أرى ملامح الدولة السعودية العصرية فيها. نعم سنعاني؛ ولكن لا ولادة بلا ألم، وقد تأخرنا كثيراً؛ ولكن غداً لناظره قريب.

05 أكتوبر 2018 - 25 محرّم 1440
03:52 PM

تركي الحمد لـ"سبق": إصلاحات الملك وولي العهد جددت شباب السعودية وأقلقت "ملالي" طهران و"الخليفة العثماني" وآخرين

كشف عن أبرز معاركه الفكرية وتجاربه ورواياته ووصيته و"اعترافاته" الكاملة التي سيكتبها بلا أسرار

A A A
33
27,660

- جمال الحياة في تنوعها.. لماذا تحاسبونني على عقدة القوميين والبعثيين والليبرالية وغيرها؟

- رؤية الأمير محمد بن سلمان تُعيق الأطماع الخارجية التي تريد تجاوز الدولة السعودية.

- "الدين رحمة" والآية الكريمة {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} تنطبق على من أضلوا الناس.

- هذا رأيي في الصحوة والحداثة والليبرالية والفشل والتصالح مع الذات والتكريم.

- لا يقلقني من لا يراني روائياً فالتذوق الأدبي مختلف وغيرهم يعتبرونني الأفضل.

- من الظلم أن نعتبر "تميم بن حمد" سياسياً فهو دمية للآخرين.. وشعب قطر لن يسامح "تنظيم الحمدين".

- نحتاج حملة وطنية ضد التطرف لمنع شياطين الدنيا من التلاعب بمشاعر الناس.

- السياسة العربية هي فن خلق الأوهام ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.. وهذه آفاتها ومشكلاتها.

- الطفرة المالية جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع والنتيجة ظهور شخصيتنا المستلبة.

- لا بد من ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة وجيل جديد يؤمن بالحياة أولاً.

- أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي وتحقيق النجاح المطلق لرؤية 2030.

أجرى الحوار/ شقران الرشيدي: يُعرف عن أستاذ العلوم السياسية، والمفكر والروائي السعودي الدكتور تركي الحمد، أنه قليل الظهور الإعلامي، وزاهد إلى حد كبير في حواراته الصحفية، ويكتفي بتغريدات يضع فيها رأيه حول الأحداث ومواقفه السياسية المختلفة.

في الحوار التالي الذي خص به "سبق"، تَحَدّث في العديد من الأمور السياسية، والفكرية، والشخصية، والفلسفية، والاجتماعية. وقال رأيه في الصحوة، والطفرة، والحداثة، والليبرالية، ورواياته، والمجتمع، وكشف عما يحمله من بقايا عقدة القوميين، والبعثيين وغيرهم التي يتهم بها.

وتَطَرّق "الحمد" لواقع السعودية الجديد، وإصلاحات الملك وولي العهد، التي أقلقت ملالي طهران، والخليفة العثماني، وتنظيم الحمدين وغيرهم من الطامعين، والحالمين بتجاوز بلادنا سياسياً؛ مؤكداً أن رؤية الأمير محمد بن سلمان تعيق كل تلك الأطماع وتوقفها.

إن الحوار مع تركي الحمد في حقيقة الأمر، هو جولة فكرية سياسية وفلسفية عميقة مع رجل جدلي مختلف عن الآخرين، له زاوية أخرى مختلفة في مواقفه ورؤيته للأشياء والحياة، قد نختلف أو نتفق معها لكننا نحترمها؛ فإلى تفاصيل الحوار.

** أخذَتْكَ الحياة في عدة اتجاهات، وتنوعت المسارات، وكثر الضجيج حولك؛ فهل أنت ممن يفعل ما يشاء، ويترك الآخرين يفهمون ما يشاؤون؟

نعم أنا كذلك بالفعل، مقتدياً بحكمة "قل كلمتك وامضِ"؛ فالعقول ليست واحدة في فهمها، والنص، كل نص خاضع للتأويل وفهم مختلف؛ بل حتى لو حاولت أن تشرح ما تعني، فإن شرحك نص بذاته يفهمه المتلقي وفق عقله أو حتى هواه. فلسفة "هيغل" مثلاً أنتجت الشيوعية والفاشية، وذات الشيء يمكن أن يقال عن "نيتشه".

** وماذا عن قوله تعالى: {وسيعـلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون}؟ على من تنطبق هذه الآية هذه الأيام؟

تنطبق هذه الآية على تجار الدين هذه الأيام، الذين أضلوا الناس بالخرافة، ودفعوا بالشباب الى التهلكة حين استغلوا الدين لتأجيج حماستهم، وهم -ومن يحبون- قاعدون؛ فأي ظلم أكثر من هذا، وهم اليوم في بداية انقلاب الظلم عليهم.

** دعني أسألك عن التحولات الكبيرة والسريعة التي يقودها خادم الحرمين وولي العهد، وتشهدها بلادنا حالياً، هل هي لتدارك تباطؤ سابق غير مبرر؟

نعم، وكما صرّح ولي العهد الأمير محمد بن سلمان قبل فترة؛ فإنه في عجلة من أمره، يريد أن يرى السعودية التي يحلم بها في حياته، وسوف يراها إن شاء الله. كان واضحاً منذ زمن أن السعودية بحاجة إلى ثوب جديد كي تواكب متغيرات العصر وصعوباته؛ حتى جاء الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد، مدركين أن المسألة أصبحت قضية وجود الكيان؛ إن لم يبادرا بعملية إصلاح شاملة؛ فكانت رؤية ٢٠٣٠.

** ولماذا تزعج السعودية الجديدة التي راهن الملك سلمان والأمير محمد بن سلمان عليها بلغة المستقبل، وكسبا الرهان، ملالي إيران، و"تنظيم الحمدين" وغيرها؟

طبيعي أن يُقلق ما يجري في السعودية الملالي في إيران، و"الخليفة العثماني" في أنقرة؛ فكلاهما يسعى إلى نفخ الروح في إمبراطوريات بائدة، ووجود سعودية قوية يقف سداً أمام هذه الأطماع، ولا أقول الطموحات؛ فالطموح مشروع، "والطمع يذهب ما انجمع".

الأطماع الإيرانية والعثمانية لا يمكن أن تتحقق دون تجاوز الدولة السعودية؛ لذلك هم ضد أي فعل لتجديد هذه الدولة. أما تنظيم الحمدين فلا أقيم له اعتباراً حقيقة الأمر؛ فهو مجرد دمية للآخرين، وقد أدخلت قطر نفسها في نفق مظلم ومغامرة ستخرج منها خاسرة في النهاية، وحينها لن ينفع الندم، ولن يسامحهما شعب قطر المغلوب على أمره.

** لماذا لقبتَ الرئيس التركي "أردوغان" بـ"الخليفة العثماني"؟ هل تراه ما زال يبحث عن الزعامة لإمبراطورية سابقة؟

إنه الحلم العثماني سيدي الكريم، ليس هناك أسوأ من الثمالة الأيديولوجية، حين تجعلك معتقداً أنه يمكنك النفخ في أرواح الموتى كي يعودوا، والنتيجة كارثية في النهاية. حاول "موتسليني" النفخ في روح الإمبراطورية الرومانية، وحاول هتلر إعادة الإمبراطورية الرومانية المقدسة أو الرايخ الثالث؛ ولكنهم في النهاية سقطوا. ما مات لا يمكن أن يُبعث من جديد في هذا العالم بالطبع، مثل حلم الخلافة لدى المؤدجلة قلوبهم من الإسلاميين؛ لذا أتوقع سقوطاً كارثياً لأردوغان، الذي لو اكتفى ببلده؛ لكان رمزاً يضاهي رمز أتاتورك في قلوب الأتراك.

** سياسياً كيف تصنف "تميم بن حمد"؟ وكيف تحل أزمة قطر؟

من الظلم أن يُعتبر تميم بن حمد سياسياً من الأساس؛ فهو فتى وجد نفسه في مواجهة عالم لا يعرف عنه أي شيء، ينفذ ما يؤمر به؛ حتى لو يكن يؤمن به. أنا حقيقةً أشفق عليه وعلى قطر. السياسة هي أن تعرف حجمك وقدراتك وحقائق الواقع: قطر دولة صغيرة الحجم، ديموغرافياً وجغرافياً، ولا يمكن لها أن تلعب دور الدولة الكبرى؛ لذا -وبهذه الحقائق- لا يمكن أن تكون ذات شأن حتى لو امتلكت مال العالم كله. هي أمور لا تباع ولا تشترى، فعلاً أشفق عليه؛ فلو كان سياسياً لأدرك أن مستقبل قطر في محيطها، وليس مع "أردوغان" الحالم بالخلافة، ولا مع إيران الحالمة بعودة سيد الزمان.

** في كتابك "السياسة بين الحلال والحرام.. أنتم أعلم بأمور دنياكم"، لماذا صوّرت الإسلاميين بشياطين الدنيا؟

لأنهم كذلك، يتلاعبون بمشاعر الناس، ويعزفون على وتر الدين، ويدغدغون عواطف الجماهير الدينية؛ من أجل غايات لا علاقة لها بالدين؛ فالدين رحمة، وهؤلاء حوّلوه إلى نقمة. والدين محبة، وهؤلاء حوّلوه إلى حقد أعمى.. ألا يحق لي في مثل هذا الواقع أن أصف من يستغل الدين بشياطين الدنيا؟

** طالَبَ البعض بتكريمك لإثرائك الحياة الثقافية المحلية والعربية والعالمية، والبعض الآخر يُصِرّ على محاسبتك لأنك لم تتخلص حتى الآن من عقد القوميين والبعثيين والليبرالية. ما ردك؟

شيء طبيعي أن يكون ذلك، وهذه هي طبيعة الحياة. ثم لنفرض أنني لم أتخلص من عقد القوميين وغيرهم؛ فلماذا تحاسبني؟ الإيمان بفكرة -مهما كانت- ليس جريمة طالما بقيتْ في حدود الإيمان والعمل السلمي. أنت لا تؤمن بهذه الفكرة أو تلك؛ فذاك شأنك؛ أما أن تُجرّمني إن لم أؤمن بفكرتك، وتجبرني على اعتناقها ولو ظاهراً؛ فهذه هي الجريمة.

جمال الحياة في تنوعها، كما أن جمال الحديقة في تنوع أزهارها، وجمال اللوحة بتعدد ألوانها؛ ولكن البعض يريدها حديقة بنبتة واحدة، ولوحة بلون واحد.

** تتحدث عن الليبرالية كثيراً؛ فهل هي عقيدة حياة أم طريقة تفكير؟

الليبرالية في جوهرها فلسفة حياة في المقام الأول، تقوم على احترام الفرد وحريته المؤطرة بالقانون، طالما أنها لا تتعارض مع حرية الآخرين. وهي طريقة تفكير نعم، من حيث إنها توجه العقل نحو النظر إلى الأمور بنسبية؛ أي أنها نقيض الدوغماتية التي ترى الأمور من منظور واحد ورأي واحد ولون واحد. بإيجاز العبارة: الليبرالية هي الحياة عندما تكون الحرية روحها، والتنوع جوهرها.

** ما هي خلاصة تجاربك بعد معاركك الفكرية المحتدمة، ومحطات الصراع على الساحة الثقافية؟

الخلاصة: إياك والثبات على رأي، أو سجن نفسك في "دوغماتية" معينة، دينية كانت أو دنيوية؛ فالحياة بطبيعتها متغيرة، ومن لا يتغير معها فمصيره الجمود والتشظي. هذا لا يعني التخلي عن المبدأ؛ ولكنه يعني التخلي عن وسائل تحقيق المبدأ، حين اكتشاف عقمها. وخلاصة تجاربي؟ الانسان هو الأصل، وما عدا ذلك مجرد وسيلة. المبادئ وُضعت من أجل الإنسان، ولم يُخلق الإنسان من أجل المبادئ.

** حسناً.. وأين تكمن حرية الإنسان؟ في القناعة بما هو مُقدّر؟ أم العيش في طيف النظريات الفكرية؟

حرية الانسان تكمن في الاختيار. الاختيار هو جوهر الحرية. أن تختار القناعة أو العيش في عالم الفكر أو غير ذلك؛ فهذا هو جوهر الحرية؛ بل هو جوهر الإنسان، وبلا حرية، بلا اختيار، يندثر الإنسان.

** هل كانت "الصحوة"، و"الحداثة" شران مستطيران في مجتمعنا؟

أما الصحوة؛ فقد كانت شراً مستطيراً إلى أبعد مدى؛ فقد أضاعت علينا فرصاً تاريخية عديدة في القفز للأمام بقوة، بتطرفها وتنظيراتها التي لا تمتّ إلى الواقع بصلة؛ بل هي تنظيرات أناس قد طواهم الزمن، نظروا لأزمانهم لا لزمننا. أربعون عاماً من الزمان قتلت فيها الصحوة روح الإنسان فينا، بنشر ثقافة الموت والعنف والدمار. والحقيقة أن الصحوة مرحلة وعدّت، وليست هذه هي المشكلة اليوم؛ فما مضى قد مضى. المشكلة تكمن في إعادة المجتمع والعقل إلى الحياة من جديد، بتمكين ثقافة الحياة من توجيه عقل الفرد، وهذا قد يستغرق عقوداً من الزمان ما كان أغنانا عنها لو حوصرت الصحوة في بداياتها.

أما الحداثة فلا أستطيع القول إنها كانت شراً مستطيراً؛ لأننا لم نعشها بكل أبعادها ببساطة؛ بل لامسناها من بعيد، وعلى استحياء. أما الصحوة فقد تخللت كل مسامات حياتنا؛ ولذلك لا يمكن المقارنة بين تيارين، أحدهما أُعطِيَ كامل الفرصة، والآخر جزءاً من فرصة.

** في مجتمعنا حراك قانوني حازم تجاه المخالفين، وأصحاب الطرح "المضلل" سياسياً واجتماعياً، هل يكفي لردعهم؟

كلا لا يكفي؛ فهؤلاء زرعوا بذور التطرف في كل بيت ومدرسة وجامعة ومسجد خلال أربعين عاماً من اختطاف المجتمع. المطلوب -إلى جانب الحراك القانوني- حملة وطنية ضد الفكر المتطرف، تشمل كافة مؤسسات التنشئة الاجتماعية. أكثر من أربعين عاماً من تسميم العقول تحتاج إلى أكثر من قانون رادع. تحتاج إلى ثقافة جديدة تبدأ بالعقول اليافعة، وخلق جيل جديد يؤمن بالحياة أولاً. هذه ليست عملية سهلة؛ ولكن مشوار الألف ميل يبدأ بخطوة واحدة.

** عربياً، المشاريع القومية تفشل بشكل دائم؛ هل لأنها مجرد أمنيات وتأملات ممن يجلسون على الأرائك؟

كل مشروع أو حلم يحاول تجاوز حقائق الواقع هو مشروع فاشل. نعم الأحلام جميلة؛ ولكن بشرط ألا تكون أحلام صيف. الوحدة المصرية السورية لم تلبث أكثر من سنوات ثلاث، لماذا؟ لأنها قامت على أسس عاطفية الأيديولوجية، على أساس أننا أمة واحدة من العرب، وهذا ليس أساساً ثابتاً! نعم نحن ننتمي إلى ثقافة عربية واحدة، كما تنتمي أمريكا اللاتينية إلى ثقافة واحدة؛ ولكننا لسنا أمة واحدة سياسياً أو مصلحياً؛ فكل دولة عربية لها مصلحتها الخاصة واتجاهها الخاص. الوحدة الأوروبية قامت على المصلحة المشتركة وليس العاطفة المشتركة.. حين نقفز على حقائق الواقع لا بد أن نفشل، والأدلجة هي التي تقف وراء إخفاقات السياسة العربية، وليس مجرد تراجعها.. أدلجة النظر للأشياء تجعل الفرد والجماعة يرون العالم بلون واحد ومعنى واحد؛ وبالتالي لا يستطيعون التعامل معه في واقعه؛ فالسياسة من هذا المنظور إما أن تكون مؤامرة، أو تكالباً للعدو على أمة يخشونها، وهي الأفضل؛ ولكن هذا التكالب هو ما يعيق هيمنة هذه الأمة، وغير ذلك.

السياسة العربية هي كل ذلك؛ إلا أن تكون فن التعامل مع الواقع والمتغيرات، وهنا تكمن آفاتها وكل مشكلاتها وإشكالاتها. السياسة العربية هي فن خلق الأوهام؛ ولذلك هي دائماً تراوح مكانها.

** لماذا حمّلت مسؤولية تشوّه المجتمع السعودي، والسلبية التي تعتري أسلوب الحياة وشخصية المواطن على الطفرة المادية، والصحوة؟

الطفرة جعلتنا من الباحثين عن الثراء السريع؛ كالباحثين عن الذهب في كاليفورنيا في القرن التاسع عشر، والصحوة حاولت أن تجعلنا مجتمعاً "كاليفينياً" بمساعدة مال الطفرة، ونجحت. الطفرة والصحوة جعلتنا نعتقد أننا نملك مصباح علاء الدين "الريال والهلال"؛ وهنا مكمن الخطأ. طفرة تبشر بالدنيا وصحوة تبشر بما بعد الدنيا، شخصية مستلبة هي النتيجة.

** روائياً.. يصنفك البعض بأفضل الروائيين السعوديين، وآخرون يرونك لست بروائي أصلاً، هل سبب هذا الاختلاف مواقف شخصية أم أنه تذوق أدبي؟

ربما كلاهما؛ فالتذوق الأدبي مختلف من شخص لشخص، والمواقف الشخصية لها دور في الموضوع؛ ولكن كما قلت سابقاً: هذه هي طبيعة الأمور، ولا تقلقني هذه المسالة؛ فما يستحق الحياة سيحيى، وما لا قيمة له سيندثر. البقاء للأفضل.

** هل الأعمال الروائية ذات الزمان والمكان والخلفية التاريخية لبعض مؤلفيها، هي بالضرورة سيرة ذاتية؟

كلا، ليس بالضرورة سيرة ذاتية كاملة. ظن البعض أن ثلاثيتي "أطياف الأزقة المهجورة" هي سيرة ذاتية، وهذا غير صحيح.. في ملامح وحياة بطلها "هشام إبراهيم العابر" الكثير من حياتي؛ ولكنه ليس أنا، كما أن "كمال أحمد عبد الجواد" ليس "نجيب محفوظ"؛ برغم أن فيه الكثير منه. سيرتي الذاتية سأكتبها في الوقت المناسب، وستكون بمثل "اعترافات" جان جاك روسو، تعريةً كاملةً للذات؛ وكأني في محراب كاثوليكي لا أسرار فيه.

** ما هي أهم الكتابات التي قرأتها في الآونة الأخيرة؟

أنهيت مؤخراً كتاب "التاريخ الفكري لليبرالية" للمفكر الفرنسي بيير مانن، وترجمة هاشم صالح، صادر عن مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية. وهو كتاب تعريفي بنشأة الليبرالية في أوروبا، وأبرز مفكريها، وتطورها التاريخي.

** ما هي وصايا تركي الحمد؟

ومن هو تركي الحمد كي يوصي؟ عسى أن أوصي نفسي قبل أن أوصي الآخرين.. وعموماً وصاياي في كتبي ومقالاتي وتغريداتي، وأظنها تكفي.

** ما هو الهدف الذي فشلت في تحقيقه؟

كثيرة هي الأهداف، عامة وخاصة، التي فشلت في تحقيقها؛ ولكني لا أراه فشلاً حقيقةً؛ فقد حاولت، وفي المحاولة تكمن نكهة الحياة. هكذا أقول لنفسي دائماً. والمهم هو أنني كنت دائماً متصالحاً مع ذاتي. لم أسعَ يوماً لتحقيق هدف على حساب هذا التصالح.

** متى تصبر؟ ومتى تغضب؟ ومتى تفرح؟

متى أصبر؟ حين يكون الصبر هو الخيار الوحيد أمامي. متى أغضب؟ حين أرى الحق حقاً، ويرونه حقاً ولكنهم يتجاهلونه لهذا الغرض أو ذاك. متى أفرح؟ حين يُعترف بصحة أفكاري.

** بين عام هجري طوى شراعه، وآخر جديد أفرد أشرعته للرياح، ماذا تتمنى؟

ماذا أتمنى؟ أتمنى أن تستمر مسيرة الإصلاح في بلدي من أجل سعودية جديدة نجحت في نزع ثوبها الضيق القديم، وارتدت ثوبها الجديد. أتمنى النجاح المطلق لرؤية 2030 التي وإن شكّك البعض فيها؛ إلا أني أرى ملامح الدولة السعودية العصرية فيها. نعم سنعاني؛ ولكن لا ولادة بلا ألم، وقد تأخرنا كثيراً؛ ولكن غداً لناظره قريب.