وسائل التواصل تفضح الأمن الإيراني

انتشرت خلال الأيام مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف مقتل وإصابة مئات الشباب الذين يتظاهرون منذ فترة في إيران احتجاجًا على شح المياه في محافظة أصفهان الإيرانية، والوحشية المفرطة التي تعاملت بها أجهزة الأمن مع المحتجين، وإطلاقها الذخيرة الحية عليهم بطريقة مباشرة.

ومع أن ذلك لم يعد من الأمور التي تثير الاستغراب في إيران، التي يشير تاريخها منذ مجيء حكومة الملالي أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد مدنيين عُزَّل، خرجوا في مظاهرات سلمية، لا يمنعها الدستور الإيراني؛ للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية، إلا أن اللافت هو ما أكدته المستشفيات وبعض المؤسسات الطبية الأخرى بأن كثيرًا من المحتجين تعرَّضوا لاقتلاع أعينهم في مراكز التعذيب التي أُخذوا إليها عقب اعتقالهم!

كذلك تصدى كثير من المحافظين المتشددين الذين يشغلون مناصب دينية مهمة إلى مهاجمة المحتجين، وظهروا على قنوات فضائية وإذاعية وهم يدعون عناصر الأجهزة الأمنية كافة إلى إطلاق النار مباشرة على المتظاهرين، وأصدروا فتاوى من وحي خيالاتهم المريضة باستحلال دماء هؤلاء، بل إن أحدهم -وهو حسن نوروزي الذي يشغل منصب نائب رئيس الهيئة القضائية في البرلمان الإيراني- تبجح بالاعتراف بأنه أقدم في مرات سابقة على قتل المحتجين بنفسه.

ما فعله نوروزي وضعه تحت طائلة الملاحقة القانونية في كثير من الدول التي وضعته على لائحة المطلوبين. ورغم أن البرلمان الإيراني الذي شعر بالحرج الشديد من تصريحات نوروزي قد سارع إلى إدانتها إلا أن ذلك لا يغيِّر من حقيقة الأمر شيئًا.

مشكلة النظام الإيراني أنه ما زال يعيش على هامش الزمن، ولم يستوعب التغيرات التي يمر بها العالم، ويبدو أن قادته ما زالت تعشش في أذهانهم أفكار قديمة، تعود إلى فترة الثورة التي أرجعوا بها بلادهم مئات السنين إلى الوراء، ولم يستطيعوا الانتقال إلى مرحلة الدولة التي تفترض عليهم التعامل بمنطق مختلف، يقوم على مراعاة مبادئ وموجهات السياسة الدولية، والتوقف عن محاولات تصدير الأزمات إلى دول الجوار.

كذلك يجهل قادة إيران بشكل تام أن ما أفرزته ثورة الاتصالات الحديثة من مواقع التواصل الاجتماعي يضع الأحداث كافة تحت أنظار العالم أجمع في ظرف دقائق وثوانٍ معدودات؛ فما يحدث في أي بقعة من العالم يكون عرضة لأن يراه الجميع في بقية دول العالم دون عناء أو جهد، كما أنه لا يكون قابلاً للإنكار لأنها عبارة عن مشاهد مصوَّرة، تنبض بالحياة.

الدليل على ما ذكرته هو أن قائد قوة شرطة أصفهان محمد رضا مير حيدري لم يجد بُدًّا من الاعتراف علنًا بأن قوات من الشرطة والحرس الثوري والباسيج شاركت في قمع المحتجين؛ وذلك بعد أن أظهرتهم مقاطع الواتس أب والفيس بوك، وأن عشرات المحتجين تم نقلهم إلى سجن دستغرد بوسط المحافظة، كما تم نقل عشرات المصابين إلى المستشفيات.

وبدلاً من معالجة أسباب أزمة شح المياه لوقف المظاهرات وحالة عدم الاستقرار، قامت السلطات الإيرانية -كعادتها- بمحاولة الهروب إلى الأمام عبر تقليص فرصة الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى الحد الأدنى، وهو إجراء ثبت في حالات كثيرة عدم فاعليته؛ لأن مستخدمي تلك الوسائل لن يعدموا طريقة لتجاوز العقبات، بل إن بعضهم يقوم بتصوير المقاطع ويحتفظ بها في هاتفه حتى عودة الإنترنت ومن ثم يقوم بإعادة بثها.

في العصر الذي نعيشه في الوقت الحالي اكتسبت تلك الوسائل أهمية كبرى وتأثيرًا فاعلاً بالاستفادة من المزايا العديد التي تمتاز بها، مثل سرعة الوصول إلى أكبر فئة مستهدفة، بأقل تكلفة مادية، كما أنها تستخدم لغة قريبة من الناس، بعيدًا عن النخبوية، يختارها المتلقون الذين يقومون بمهمة نشر المادة عبر تبادلها على هواتفهم المحمولة، وتحميلها على مواقع الشبكة؛ لذلك ليس أمام الأنظمة المتجبرة مثل النظام الإيراني وسيلة لوقفها والسيطرة عليها.

علي آل شرمة
اعلان
وسائل التواصل تفضح الأمن الإيراني
سبق

انتشرت خلال الأيام مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف مقتل وإصابة مئات الشباب الذين يتظاهرون منذ فترة في إيران احتجاجًا على شح المياه في محافظة أصفهان الإيرانية، والوحشية المفرطة التي تعاملت بها أجهزة الأمن مع المحتجين، وإطلاقها الذخيرة الحية عليهم بطريقة مباشرة.

ومع أن ذلك لم يعد من الأمور التي تثير الاستغراب في إيران، التي يشير تاريخها منذ مجيء حكومة الملالي أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد مدنيين عُزَّل، خرجوا في مظاهرات سلمية، لا يمنعها الدستور الإيراني؛ للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية، إلا أن اللافت هو ما أكدته المستشفيات وبعض المؤسسات الطبية الأخرى بأن كثيرًا من المحتجين تعرَّضوا لاقتلاع أعينهم في مراكز التعذيب التي أُخذوا إليها عقب اعتقالهم!

كذلك تصدى كثير من المحافظين المتشددين الذين يشغلون مناصب دينية مهمة إلى مهاجمة المحتجين، وظهروا على قنوات فضائية وإذاعية وهم يدعون عناصر الأجهزة الأمنية كافة إلى إطلاق النار مباشرة على المتظاهرين، وأصدروا فتاوى من وحي خيالاتهم المريضة باستحلال دماء هؤلاء، بل إن أحدهم -وهو حسن نوروزي الذي يشغل منصب نائب رئيس الهيئة القضائية في البرلمان الإيراني- تبجح بالاعتراف بأنه أقدم في مرات سابقة على قتل المحتجين بنفسه.

ما فعله نوروزي وضعه تحت طائلة الملاحقة القانونية في كثير من الدول التي وضعته على لائحة المطلوبين. ورغم أن البرلمان الإيراني الذي شعر بالحرج الشديد من تصريحات نوروزي قد سارع إلى إدانتها إلا أن ذلك لا يغيِّر من حقيقة الأمر شيئًا.

مشكلة النظام الإيراني أنه ما زال يعيش على هامش الزمن، ولم يستوعب التغيرات التي يمر بها العالم، ويبدو أن قادته ما زالت تعشش في أذهانهم أفكار قديمة، تعود إلى فترة الثورة التي أرجعوا بها بلادهم مئات السنين إلى الوراء، ولم يستطيعوا الانتقال إلى مرحلة الدولة التي تفترض عليهم التعامل بمنطق مختلف، يقوم على مراعاة مبادئ وموجهات السياسة الدولية، والتوقف عن محاولات تصدير الأزمات إلى دول الجوار.

كذلك يجهل قادة إيران بشكل تام أن ما أفرزته ثورة الاتصالات الحديثة من مواقع التواصل الاجتماعي يضع الأحداث كافة تحت أنظار العالم أجمع في ظرف دقائق وثوانٍ معدودات؛ فما يحدث في أي بقعة من العالم يكون عرضة لأن يراه الجميع في بقية دول العالم دون عناء أو جهد، كما أنه لا يكون قابلاً للإنكار لأنها عبارة عن مشاهد مصوَّرة، تنبض بالحياة.

الدليل على ما ذكرته هو أن قائد قوة شرطة أصفهان محمد رضا مير حيدري لم يجد بُدًّا من الاعتراف علنًا بأن قوات من الشرطة والحرس الثوري والباسيج شاركت في قمع المحتجين؛ وذلك بعد أن أظهرتهم مقاطع الواتس أب والفيس بوك، وأن عشرات المحتجين تم نقلهم إلى سجن دستغرد بوسط المحافظة، كما تم نقل عشرات المصابين إلى المستشفيات.

وبدلاً من معالجة أسباب أزمة شح المياه لوقف المظاهرات وحالة عدم الاستقرار، قامت السلطات الإيرانية -كعادتها- بمحاولة الهروب إلى الأمام عبر تقليص فرصة الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى الحد الأدنى، وهو إجراء ثبت في حالات كثيرة عدم فاعليته؛ لأن مستخدمي تلك الوسائل لن يعدموا طريقة لتجاوز العقبات، بل إن بعضهم يقوم بتصوير المقاطع ويحتفظ بها في هاتفه حتى عودة الإنترنت ومن ثم يقوم بإعادة بثها.

في العصر الذي نعيشه في الوقت الحالي اكتسبت تلك الوسائل أهمية كبرى وتأثيرًا فاعلاً بالاستفادة من المزايا العديد التي تمتاز بها، مثل سرعة الوصول إلى أكبر فئة مستهدفة، بأقل تكلفة مادية، كما أنها تستخدم لغة قريبة من الناس، بعيدًا عن النخبوية، يختارها المتلقون الذين يقومون بمهمة نشر المادة عبر تبادلها على هواتفهم المحمولة، وتحميلها على مواقع الشبكة؛ لذلك ليس أمام الأنظمة المتجبرة مثل النظام الإيراني وسيلة لوقفها والسيطرة عليها.

04 ديسمبر 2021 - 29 ربيع الآخر 1443
11:03 PM

وسائل التواصل تفضح الأمن الإيراني

علي آل شرمة - الرياض
A A A
0
1,176

انتشرت خلال الأيام مقاطع مصورة على وسائل التواصل الاجتماعي، تكشف مقتل وإصابة مئات الشباب الذين يتظاهرون منذ فترة في إيران احتجاجًا على شح المياه في محافظة أصفهان الإيرانية، والوحشية المفرطة التي تعاملت بها أجهزة الأمن مع المحتجين، وإطلاقها الذخيرة الحية عليهم بطريقة مباشرة.

ومع أن ذلك لم يعد من الأمور التي تثير الاستغراب في إيران، التي يشير تاريخها منذ مجيء حكومة الملالي أواخر تسعينيات القرن الماضي إلى ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد مدنيين عُزَّل، خرجوا في مظاهرات سلمية، لا يمنعها الدستور الإيراني؛ للمطالبة بتحسين ظروفهم المعيشية، إلا أن اللافت هو ما أكدته المستشفيات وبعض المؤسسات الطبية الأخرى بأن كثيرًا من المحتجين تعرَّضوا لاقتلاع أعينهم في مراكز التعذيب التي أُخذوا إليها عقب اعتقالهم!

كذلك تصدى كثير من المحافظين المتشددين الذين يشغلون مناصب دينية مهمة إلى مهاجمة المحتجين، وظهروا على قنوات فضائية وإذاعية وهم يدعون عناصر الأجهزة الأمنية كافة إلى إطلاق النار مباشرة على المتظاهرين، وأصدروا فتاوى من وحي خيالاتهم المريضة باستحلال دماء هؤلاء، بل إن أحدهم -وهو حسن نوروزي الذي يشغل منصب نائب رئيس الهيئة القضائية في البرلمان الإيراني- تبجح بالاعتراف بأنه أقدم في مرات سابقة على قتل المحتجين بنفسه.

ما فعله نوروزي وضعه تحت طائلة الملاحقة القانونية في كثير من الدول التي وضعته على لائحة المطلوبين. ورغم أن البرلمان الإيراني الذي شعر بالحرج الشديد من تصريحات نوروزي قد سارع إلى إدانتها إلا أن ذلك لا يغيِّر من حقيقة الأمر شيئًا.

مشكلة النظام الإيراني أنه ما زال يعيش على هامش الزمن، ولم يستوعب التغيرات التي يمر بها العالم، ويبدو أن قادته ما زالت تعشش في أذهانهم أفكار قديمة، تعود إلى فترة الثورة التي أرجعوا بها بلادهم مئات السنين إلى الوراء، ولم يستطيعوا الانتقال إلى مرحلة الدولة التي تفترض عليهم التعامل بمنطق مختلف، يقوم على مراعاة مبادئ وموجهات السياسة الدولية، والتوقف عن محاولات تصدير الأزمات إلى دول الجوار.

كذلك يجهل قادة إيران بشكل تام أن ما أفرزته ثورة الاتصالات الحديثة من مواقع التواصل الاجتماعي يضع الأحداث كافة تحت أنظار العالم أجمع في ظرف دقائق وثوانٍ معدودات؛ فما يحدث في أي بقعة من العالم يكون عرضة لأن يراه الجميع في بقية دول العالم دون عناء أو جهد، كما أنه لا يكون قابلاً للإنكار لأنها عبارة عن مشاهد مصوَّرة، تنبض بالحياة.

الدليل على ما ذكرته هو أن قائد قوة شرطة أصفهان محمد رضا مير حيدري لم يجد بُدًّا من الاعتراف علنًا بأن قوات من الشرطة والحرس الثوري والباسيج شاركت في قمع المحتجين؛ وذلك بعد أن أظهرتهم مقاطع الواتس أب والفيس بوك، وأن عشرات المحتجين تم نقلهم إلى سجن دستغرد بوسط المحافظة، كما تم نقل عشرات المصابين إلى المستشفيات.

وبدلاً من معالجة أسباب أزمة شح المياه لوقف المظاهرات وحالة عدم الاستقرار، قامت السلطات الإيرانية -كعادتها- بمحاولة الهروب إلى الأمام عبر تقليص فرصة الوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي إلى الحد الأدنى، وهو إجراء ثبت في حالات كثيرة عدم فاعليته؛ لأن مستخدمي تلك الوسائل لن يعدموا طريقة لتجاوز العقبات، بل إن بعضهم يقوم بتصوير المقاطع ويحتفظ بها في هاتفه حتى عودة الإنترنت ومن ثم يقوم بإعادة بثها.

في العصر الذي نعيشه في الوقت الحالي اكتسبت تلك الوسائل أهمية كبرى وتأثيرًا فاعلاً بالاستفادة من المزايا العديد التي تمتاز بها، مثل سرعة الوصول إلى أكبر فئة مستهدفة، بأقل تكلفة مادية، كما أنها تستخدم لغة قريبة من الناس، بعيدًا عن النخبوية، يختارها المتلقون الذين يقومون بمهمة نشر المادة عبر تبادلها على هواتفهم المحمولة، وتحميلها على مواقع الشبكة؛ لذلك ليس أمام الأنظمة المتجبرة مثل النظام الإيراني وسيلة لوقفها والسيطرة عليها.