"عيب يا حبيبي كذا غلط"

إنه ذاك الخيط الرفيع بين الرأفة والقسوة..

ذلك الفرق البسيط بين التساهل والشدة..

ذلك الخط الذي تستوي عليه الأخلاق وتستقيم به السلوكيات..

ورغم رقته إلا أن التمكن منه أمر يكاد يكون أصعب معادلة في التربية!

"إنه الحزم"

إن المربي الحازم

يغدق.. ويمسك

يضحك.. ويُظهِر استياءه

لا يسمح بالتجاوز

يبحث عن جذور المشكلة

يوقف الخطأ بحكمة

لا يبالغ في ردة الفعل

لا يؤذي بتأديبه

لا يجرح بلسانه

ولا ينحاز لقلبه الرحوم عند رؤية عبرات فلذة كبده،

ولا يتغاضى عن الخطوط الحمراء بحجج واهية:

"معليش جوعان عشان كذا ضرب ولدكم"

"شكله نعسان عشان كذا يصارخ"

"وش أسوي هو دايم كذا شوي ويهدا"

"عطوه آيباد ويسكت"

"الله يصلحه حاولت بس ما قدرت عليه"

نحن بذلك نبرر للأخطاء السلوكية ونوجد لها مساحة للتمدد بحجج واهية، ونمرر رسالة خاطئة مبطنة لذلك الطفل، مضمونها:

"لا بأس أن تصرخ وتضرب وتكسر، إذا كنت جائعًا أو متعبًا أو منفعلًا، وسيتحملك الآخرون لا تقلق، كما أنك حالة استثنائية لا بأس لو تجاوزت على الآخرين فأنت صعب المراس!".

والواقع أنه لا مبرر يسمح لنا بأذية أي شخص مهما كان عمرنا، والتصرف الأقرب للمنطق والمسؤولية هو تعلم ضبط النفس، والسيطرة على المشاعر، وفهم الذات ومعرفة احتياجاتها وإشباعها حتى تهدأ، لا أن تنفجر تلك الانفعالات على حساب الآخرين محدثةً شقوقًا وتصدعات تتفاقم مع الوقت فيصبح (ولدهم ما ينطاق) (وجيتهم ثقيلة) (وبنتهم لا تحتمل)!!

تلك النوعية من الأهل عندما يتجاوز طفلهم كل الحدود أمام أعينهم يصرون على إيجاد الأعذار المستمرة له رحمة أو شفقة به أو حتى شعورًا بالعجز من السيطرة على الموقف؛ متناسين أو غافلين أن طفلهم سيكبر بلا مراعاة لمشاعر الآخرين، وبلا لباقة وحدود لتصرفاته وبلا دراية بما يشعر به من حوله.

وهنا يكون قد غلب طرف اللين والتساهل في غير محله، والأجدى أن يتسلح الأهل بشيء من الحزم لمنع التجاوز في سلوك أبنائهم.. فلا يكتفي ذلك الوالد المحرج من ضرب ابنه لابن أخيه بقول: "عيب يا حبيبي كذا غلط"، ثم يعاود ارتشاف فنجان الشاي ويستمر في حديثه، معتقدًا أنه قد قام بواجبه في التربية بتلك الكلمات المحدودة.

ولا يعني أيضًا أن يضرب بالعصا أو أن يشد أذنه أمام الحاضرين ليثبت لهم أنه لا يسكت عن الخطأ؛ فيوبخه بشدة بنفس الطريقة التي كانت هي الداء، فيضربه لأنه ضرب، أو يصرخ لأنه صرخ وهكذا..

إذن كيف عساه يتصرف؟

من الطبيعي أن ينفعل الطفل ويبالغ أحيانًا في بعض تصرفاته؛ وذلك لأنه يحتاج أن يتعلم كيف يضبط انفعالاته، فقاموسه لا يزال صغيرًا ولا يملك مهارات ولا خبرات ولا معلومات توجهه كيف يتصرف، ويحتاج للتوجيه وإكساب المهارات الاجتماعية اللائقة، كما أن هناك أسبابًا خفية دعته لتلك الظواهر وهذا ما يستدعي التحقق.

وهنا يكون الحزم سيد الموقف أولًا، بأن يوقف المربي الخطأ بوضع عواقب محددة متفق عليها مسبقًا عندما يساء التصرف، فالحزم أن تكون جاهزًا من قِبَل أن تحدث المواقف، لديك سياسات واضحة، خطوط حمراء معروفة، والأهم من كل ذلك أن تسأل نفسك لماذا فعل طفلي ذلك؟ فترجع للأسباب الداخلية لا الظاهرية وتعالج السلوك الخاطئ من جذوره.

اجعل لك منهجية واضحة وحازمة مع أبنائك، ولا تجعل مشاغلك تحل المواقف في لحظتها حلولًا عشوائية وليدة اللحظة، فتسبب لأطفالك عقدًا أو تطرفًا في السلوك، أو عدوانية تجعل محيطهم العائلي والمدرسي ينفر منهم، والسبب يرجع لعشوائيتك واتباعك لمزاجك أو ردة فعلك الانفعالية أو تساهلك ويأسك غير المقبول، أو بكل أسف انشغالك بذاتك وحياتك.

إن الشخصية المتزنة السليمة للفرد لن تكون نتاج تخبطات أو تساهل وتدليل مغلف بحنية، أو قسوة مغلفة بدعوى التربية الصحيحة من قِبَل ذويه، بل هي نتاج سياسة واضحة تتخذ الحزم منهجًا فلا رحمة مطلقة ولا قسوة زائدة؛ وإنما بين بين؛ فتعادل الكفة هو ما تحتاج إليه ليس أكثر.

لأنه بكل بساطة عندما تنعدم التربية السوية ستنتج إحدى تلك الشخصيات الصعبة أو العدوانية أو المنعزلة وليس منا من يرجو ذلك لأبنائه..

مها عبدالله الحقباني
اعلان
"عيب يا حبيبي كذا غلط"
سبق

إنه ذاك الخيط الرفيع بين الرأفة والقسوة..

ذلك الفرق البسيط بين التساهل والشدة..

ذلك الخط الذي تستوي عليه الأخلاق وتستقيم به السلوكيات..

ورغم رقته إلا أن التمكن منه أمر يكاد يكون أصعب معادلة في التربية!

"إنه الحزم"

إن المربي الحازم

يغدق.. ويمسك

يضحك.. ويُظهِر استياءه

لا يسمح بالتجاوز

يبحث عن جذور المشكلة

يوقف الخطأ بحكمة

لا يبالغ في ردة الفعل

لا يؤذي بتأديبه

لا يجرح بلسانه

ولا ينحاز لقلبه الرحوم عند رؤية عبرات فلذة كبده،

ولا يتغاضى عن الخطوط الحمراء بحجج واهية:

"معليش جوعان عشان كذا ضرب ولدكم"

"شكله نعسان عشان كذا يصارخ"

"وش أسوي هو دايم كذا شوي ويهدا"

"عطوه آيباد ويسكت"

"الله يصلحه حاولت بس ما قدرت عليه"

نحن بذلك نبرر للأخطاء السلوكية ونوجد لها مساحة للتمدد بحجج واهية، ونمرر رسالة خاطئة مبطنة لذلك الطفل، مضمونها:

"لا بأس أن تصرخ وتضرب وتكسر، إذا كنت جائعًا أو متعبًا أو منفعلًا، وسيتحملك الآخرون لا تقلق، كما أنك حالة استثنائية لا بأس لو تجاوزت على الآخرين فأنت صعب المراس!".

والواقع أنه لا مبرر يسمح لنا بأذية أي شخص مهما كان عمرنا، والتصرف الأقرب للمنطق والمسؤولية هو تعلم ضبط النفس، والسيطرة على المشاعر، وفهم الذات ومعرفة احتياجاتها وإشباعها حتى تهدأ، لا أن تنفجر تلك الانفعالات على حساب الآخرين محدثةً شقوقًا وتصدعات تتفاقم مع الوقت فيصبح (ولدهم ما ينطاق) (وجيتهم ثقيلة) (وبنتهم لا تحتمل)!!

تلك النوعية من الأهل عندما يتجاوز طفلهم كل الحدود أمام أعينهم يصرون على إيجاد الأعذار المستمرة له رحمة أو شفقة به أو حتى شعورًا بالعجز من السيطرة على الموقف؛ متناسين أو غافلين أن طفلهم سيكبر بلا مراعاة لمشاعر الآخرين، وبلا لباقة وحدود لتصرفاته وبلا دراية بما يشعر به من حوله.

وهنا يكون قد غلب طرف اللين والتساهل في غير محله، والأجدى أن يتسلح الأهل بشيء من الحزم لمنع التجاوز في سلوك أبنائهم.. فلا يكتفي ذلك الوالد المحرج من ضرب ابنه لابن أخيه بقول: "عيب يا حبيبي كذا غلط"، ثم يعاود ارتشاف فنجان الشاي ويستمر في حديثه، معتقدًا أنه قد قام بواجبه في التربية بتلك الكلمات المحدودة.

ولا يعني أيضًا أن يضرب بالعصا أو أن يشد أذنه أمام الحاضرين ليثبت لهم أنه لا يسكت عن الخطأ؛ فيوبخه بشدة بنفس الطريقة التي كانت هي الداء، فيضربه لأنه ضرب، أو يصرخ لأنه صرخ وهكذا..

إذن كيف عساه يتصرف؟

من الطبيعي أن ينفعل الطفل ويبالغ أحيانًا في بعض تصرفاته؛ وذلك لأنه يحتاج أن يتعلم كيف يضبط انفعالاته، فقاموسه لا يزال صغيرًا ولا يملك مهارات ولا خبرات ولا معلومات توجهه كيف يتصرف، ويحتاج للتوجيه وإكساب المهارات الاجتماعية اللائقة، كما أن هناك أسبابًا خفية دعته لتلك الظواهر وهذا ما يستدعي التحقق.

وهنا يكون الحزم سيد الموقف أولًا، بأن يوقف المربي الخطأ بوضع عواقب محددة متفق عليها مسبقًا عندما يساء التصرف، فالحزم أن تكون جاهزًا من قِبَل أن تحدث المواقف، لديك سياسات واضحة، خطوط حمراء معروفة، والأهم من كل ذلك أن تسأل نفسك لماذا فعل طفلي ذلك؟ فترجع للأسباب الداخلية لا الظاهرية وتعالج السلوك الخاطئ من جذوره.

اجعل لك منهجية واضحة وحازمة مع أبنائك، ولا تجعل مشاغلك تحل المواقف في لحظتها حلولًا عشوائية وليدة اللحظة، فتسبب لأطفالك عقدًا أو تطرفًا في السلوك، أو عدوانية تجعل محيطهم العائلي والمدرسي ينفر منهم، والسبب يرجع لعشوائيتك واتباعك لمزاجك أو ردة فعلك الانفعالية أو تساهلك ويأسك غير المقبول، أو بكل أسف انشغالك بذاتك وحياتك.

إن الشخصية المتزنة السليمة للفرد لن تكون نتاج تخبطات أو تساهل وتدليل مغلف بحنية، أو قسوة مغلفة بدعوى التربية الصحيحة من قِبَل ذويه، بل هي نتاج سياسة واضحة تتخذ الحزم منهجًا فلا رحمة مطلقة ولا قسوة زائدة؛ وإنما بين بين؛ فتعادل الكفة هو ما تحتاج إليه ليس أكثر.

لأنه بكل بساطة عندما تنعدم التربية السوية ستنتج إحدى تلك الشخصيات الصعبة أو العدوانية أو المنعزلة وليس منا من يرجو ذلك لأبنائه..

15 يونيو 2020 - 23 شوّال 1441
01:47 PM

"عيب يا حبيبي كذا غلط"

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
1
3,367

إنه ذاك الخيط الرفيع بين الرأفة والقسوة..

ذلك الفرق البسيط بين التساهل والشدة..

ذلك الخط الذي تستوي عليه الأخلاق وتستقيم به السلوكيات..

ورغم رقته إلا أن التمكن منه أمر يكاد يكون أصعب معادلة في التربية!

"إنه الحزم"

إن المربي الحازم

يغدق.. ويمسك

يضحك.. ويُظهِر استياءه

لا يسمح بالتجاوز

يبحث عن جذور المشكلة

يوقف الخطأ بحكمة

لا يبالغ في ردة الفعل

لا يؤذي بتأديبه

لا يجرح بلسانه

ولا ينحاز لقلبه الرحوم عند رؤية عبرات فلذة كبده،

ولا يتغاضى عن الخطوط الحمراء بحجج واهية:

"معليش جوعان عشان كذا ضرب ولدكم"

"شكله نعسان عشان كذا يصارخ"

"وش أسوي هو دايم كذا شوي ويهدا"

"عطوه آيباد ويسكت"

"الله يصلحه حاولت بس ما قدرت عليه"

نحن بذلك نبرر للأخطاء السلوكية ونوجد لها مساحة للتمدد بحجج واهية، ونمرر رسالة خاطئة مبطنة لذلك الطفل، مضمونها:

"لا بأس أن تصرخ وتضرب وتكسر، إذا كنت جائعًا أو متعبًا أو منفعلًا، وسيتحملك الآخرون لا تقلق، كما أنك حالة استثنائية لا بأس لو تجاوزت على الآخرين فأنت صعب المراس!".

والواقع أنه لا مبرر يسمح لنا بأذية أي شخص مهما كان عمرنا، والتصرف الأقرب للمنطق والمسؤولية هو تعلم ضبط النفس، والسيطرة على المشاعر، وفهم الذات ومعرفة احتياجاتها وإشباعها حتى تهدأ، لا أن تنفجر تلك الانفعالات على حساب الآخرين محدثةً شقوقًا وتصدعات تتفاقم مع الوقت فيصبح (ولدهم ما ينطاق) (وجيتهم ثقيلة) (وبنتهم لا تحتمل)!!

تلك النوعية من الأهل عندما يتجاوز طفلهم كل الحدود أمام أعينهم يصرون على إيجاد الأعذار المستمرة له رحمة أو شفقة به أو حتى شعورًا بالعجز من السيطرة على الموقف؛ متناسين أو غافلين أن طفلهم سيكبر بلا مراعاة لمشاعر الآخرين، وبلا لباقة وحدود لتصرفاته وبلا دراية بما يشعر به من حوله.

وهنا يكون قد غلب طرف اللين والتساهل في غير محله، والأجدى أن يتسلح الأهل بشيء من الحزم لمنع التجاوز في سلوك أبنائهم.. فلا يكتفي ذلك الوالد المحرج من ضرب ابنه لابن أخيه بقول: "عيب يا حبيبي كذا غلط"، ثم يعاود ارتشاف فنجان الشاي ويستمر في حديثه، معتقدًا أنه قد قام بواجبه في التربية بتلك الكلمات المحدودة.

ولا يعني أيضًا أن يضرب بالعصا أو أن يشد أذنه أمام الحاضرين ليثبت لهم أنه لا يسكت عن الخطأ؛ فيوبخه بشدة بنفس الطريقة التي كانت هي الداء، فيضربه لأنه ضرب، أو يصرخ لأنه صرخ وهكذا..

إذن كيف عساه يتصرف؟

من الطبيعي أن ينفعل الطفل ويبالغ أحيانًا في بعض تصرفاته؛ وذلك لأنه يحتاج أن يتعلم كيف يضبط انفعالاته، فقاموسه لا يزال صغيرًا ولا يملك مهارات ولا خبرات ولا معلومات توجهه كيف يتصرف، ويحتاج للتوجيه وإكساب المهارات الاجتماعية اللائقة، كما أن هناك أسبابًا خفية دعته لتلك الظواهر وهذا ما يستدعي التحقق.

وهنا يكون الحزم سيد الموقف أولًا، بأن يوقف المربي الخطأ بوضع عواقب محددة متفق عليها مسبقًا عندما يساء التصرف، فالحزم أن تكون جاهزًا من قِبَل أن تحدث المواقف، لديك سياسات واضحة، خطوط حمراء معروفة، والأهم من كل ذلك أن تسأل نفسك لماذا فعل طفلي ذلك؟ فترجع للأسباب الداخلية لا الظاهرية وتعالج السلوك الخاطئ من جذوره.

اجعل لك منهجية واضحة وحازمة مع أبنائك، ولا تجعل مشاغلك تحل المواقف في لحظتها حلولًا عشوائية وليدة اللحظة، فتسبب لأطفالك عقدًا أو تطرفًا في السلوك، أو عدوانية تجعل محيطهم العائلي والمدرسي ينفر منهم، والسبب يرجع لعشوائيتك واتباعك لمزاجك أو ردة فعلك الانفعالية أو تساهلك ويأسك غير المقبول، أو بكل أسف انشغالك بذاتك وحياتك.

إن الشخصية المتزنة السليمة للفرد لن تكون نتاج تخبطات أو تساهل وتدليل مغلف بحنية، أو قسوة مغلفة بدعوى التربية الصحيحة من قِبَل ذويه، بل هي نتاج سياسة واضحة تتخذ الحزم منهجًا فلا رحمة مطلقة ولا قسوة زائدة؛ وإنما بين بين؛ فتعادل الكفة هو ما تحتاج إليه ليس أكثر.

لأنه بكل بساطة عندما تنعدم التربية السوية ستنتج إحدى تلك الشخصيات الصعبة أو العدوانية أو المنعزلة وليس منا من يرجو ذلك لأبنائه..