نحن نشرب البحر..!

ينبغي أن نتفق منذ البداية على أننا لسنا الشعب الأعلى استهلاكًا في العالم؛ فالشعوب تستهلك نسبة تناسب نمو مقدراتها من المياه، والغذاء، والطاقة، وسائر المنتجات الصناعية والتقنية، وكل ما آزر حياة البشر على هذه البسيطة.

لقد لعبت ثورة الاتصالات وهدم الحواجز الزمانية والمكانية الدور الأعظم في عولمة الاستهلاك، ومن ثم محاكاة ممارسات الشرق والغرب. فكما يستهلك المواطن في أمريكا اللاتينية أخشاب الغابات يقابله المواطن الخليجي كأكبر مستهلك للوقود، لكننا نتساوى تقريبًا في توسيع ثقافة الاستهلاك، والفرق بيننا وبين تلك الأمم أنها حين تفرط في استخدام أحد مصادرها الطبيعية فإنها تمتلك عشرات المصادر البديلة، وهي قادرة في الوقت نفسه على استنبات وإحياء مصادرها التي تتعرض للاستهلاك الجائر؛ بفعل أبحاثها العلمية المتطورة، وقدرتها على تنفيذ مخرجات تلك الأبحاث على أرض الواقع. أما نحن فإننا نواصل استهلاك مواردنا بغلظة، من دون أن نمتلك الحلول الناجعة لاسترداد فاقد تلك الموارد أو إحيائها.

وهنا تكمن خطورة الاستهلاك الجائر.. بين عالم يتقدم مع الحفاظ على خزائنه فوق الأرض وجوفها.. وعالم يسابق الزمن لاستهلاك مخزوناته من دون أن يدرك المخاطر المستقبليـة الفادحة التي يمكن أن يلحقها بأجياله القادمة.

فإما الرحيل أو مواجهة الموت عطشًا.. كما يعرضنا للخطر استمرار تصدير الألبان ومنتجاتها الذي يأتي الماء مكونًا أساسيًّا لها؛ إذ يتطلب إنتاج لتر اللبن لترَين من الماء.

باحث وأكاديمي سعودي مختص في الجغرافيا المناخية في (بودكاست فنجان) علق الجرس، وحذر من استنزاف المياه الجوفية؛ إذ تشربه مئات الآلاف من الأبقار، بينما يشرب المواطنون من مياه البحر المعالجة. وقال الدكتور عبدالله المسند أيضًا: إن عيون الخرج هي المؤشر الملموس على نفاد المخزون الاستراتيجي في تلك العيون بشكل خطير؛ فقد انخفض منسوب المياه فيها إلى أكثر من مئة متر، وجفت الآن.. كذلك بحيرة ليلى في الأفلاج جفت بعد زراعة القمح.

لا يزال لتر الماء في السعودية بريالين، وهو أغلى من لتر البنزين اليوم. ولا شك أن إيقاف الدعم لزراعة القمح والنخيل جاء متأخرًا نوعًا ما، لكن لعل وعسى أن يؤثر بشكل إيجابي.

الدول المتقدمة تزرع بلا تربة وماء؛ فتؤمِّن حاجتها الفعلية بالاستزراع، فهل يكون الحل باستمرار استيراد الغذاء من الخارج وجلب الغذاء والدواء وما يستر الأبدان للأحياء والأموات؟ وهل يغني سياط التسعير عن الحلول العلمية لتعظيم أمننا المائي؟ الإجابة لدى الجهازَين التشريعي والتنفيذي لدى الجهات المختصة.

عبدالغني الشيخ
اعلان
نحن نشرب البحر..!
سبق

ينبغي أن نتفق منذ البداية على أننا لسنا الشعب الأعلى استهلاكًا في العالم؛ فالشعوب تستهلك نسبة تناسب نمو مقدراتها من المياه، والغذاء، والطاقة، وسائر المنتجات الصناعية والتقنية، وكل ما آزر حياة البشر على هذه البسيطة.

لقد لعبت ثورة الاتصالات وهدم الحواجز الزمانية والمكانية الدور الأعظم في عولمة الاستهلاك، ومن ثم محاكاة ممارسات الشرق والغرب. فكما يستهلك المواطن في أمريكا اللاتينية أخشاب الغابات يقابله المواطن الخليجي كأكبر مستهلك للوقود، لكننا نتساوى تقريبًا في توسيع ثقافة الاستهلاك، والفرق بيننا وبين تلك الأمم أنها حين تفرط في استخدام أحد مصادرها الطبيعية فإنها تمتلك عشرات المصادر البديلة، وهي قادرة في الوقت نفسه على استنبات وإحياء مصادرها التي تتعرض للاستهلاك الجائر؛ بفعل أبحاثها العلمية المتطورة، وقدرتها على تنفيذ مخرجات تلك الأبحاث على أرض الواقع. أما نحن فإننا نواصل استهلاك مواردنا بغلظة، من دون أن نمتلك الحلول الناجعة لاسترداد فاقد تلك الموارد أو إحيائها.

وهنا تكمن خطورة الاستهلاك الجائر.. بين عالم يتقدم مع الحفاظ على خزائنه فوق الأرض وجوفها.. وعالم يسابق الزمن لاستهلاك مخزوناته من دون أن يدرك المخاطر المستقبليـة الفادحة التي يمكن أن يلحقها بأجياله القادمة.

فإما الرحيل أو مواجهة الموت عطشًا.. كما يعرضنا للخطر استمرار تصدير الألبان ومنتجاتها الذي يأتي الماء مكونًا أساسيًّا لها؛ إذ يتطلب إنتاج لتر اللبن لترَين من الماء.

باحث وأكاديمي سعودي مختص في الجغرافيا المناخية في (بودكاست فنجان) علق الجرس، وحذر من استنزاف المياه الجوفية؛ إذ تشربه مئات الآلاف من الأبقار، بينما يشرب المواطنون من مياه البحر المعالجة. وقال الدكتور عبدالله المسند أيضًا: إن عيون الخرج هي المؤشر الملموس على نفاد المخزون الاستراتيجي في تلك العيون بشكل خطير؛ فقد انخفض منسوب المياه فيها إلى أكثر من مئة متر، وجفت الآن.. كذلك بحيرة ليلى في الأفلاج جفت بعد زراعة القمح.

لا يزال لتر الماء في السعودية بريالين، وهو أغلى من لتر البنزين اليوم. ولا شك أن إيقاف الدعم لزراعة القمح والنخيل جاء متأخرًا نوعًا ما، لكن لعل وعسى أن يؤثر بشكل إيجابي.

الدول المتقدمة تزرع بلا تربة وماء؛ فتؤمِّن حاجتها الفعلية بالاستزراع، فهل يكون الحل باستمرار استيراد الغذاء من الخارج وجلب الغذاء والدواء وما يستر الأبدان للأحياء والأموات؟ وهل يغني سياط التسعير عن الحلول العلمية لتعظيم أمننا المائي؟ الإجابة لدى الجهازَين التشريعي والتنفيذي لدى الجهات المختصة.

12 سبتمبر 2020 - 24 محرّم 1442
11:08 PM
اخر تعديل
05 أكتوبر 2020 - 18 صفر 1442
09:56 PM

نحن نشرب البحر..!

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
1
1,924

ينبغي أن نتفق منذ البداية على أننا لسنا الشعب الأعلى استهلاكًا في العالم؛ فالشعوب تستهلك نسبة تناسب نمو مقدراتها من المياه، والغذاء، والطاقة، وسائر المنتجات الصناعية والتقنية، وكل ما آزر حياة البشر على هذه البسيطة.

لقد لعبت ثورة الاتصالات وهدم الحواجز الزمانية والمكانية الدور الأعظم في عولمة الاستهلاك، ومن ثم محاكاة ممارسات الشرق والغرب. فكما يستهلك المواطن في أمريكا اللاتينية أخشاب الغابات يقابله المواطن الخليجي كأكبر مستهلك للوقود، لكننا نتساوى تقريبًا في توسيع ثقافة الاستهلاك، والفرق بيننا وبين تلك الأمم أنها حين تفرط في استخدام أحد مصادرها الطبيعية فإنها تمتلك عشرات المصادر البديلة، وهي قادرة في الوقت نفسه على استنبات وإحياء مصادرها التي تتعرض للاستهلاك الجائر؛ بفعل أبحاثها العلمية المتطورة، وقدرتها على تنفيذ مخرجات تلك الأبحاث على أرض الواقع. أما نحن فإننا نواصل استهلاك مواردنا بغلظة، من دون أن نمتلك الحلول الناجعة لاسترداد فاقد تلك الموارد أو إحيائها.

وهنا تكمن خطورة الاستهلاك الجائر.. بين عالم يتقدم مع الحفاظ على خزائنه فوق الأرض وجوفها.. وعالم يسابق الزمن لاستهلاك مخزوناته من دون أن يدرك المخاطر المستقبليـة الفادحة التي يمكن أن يلحقها بأجياله القادمة.

فإما الرحيل أو مواجهة الموت عطشًا.. كما يعرضنا للخطر استمرار تصدير الألبان ومنتجاتها الذي يأتي الماء مكونًا أساسيًّا لها؛ إذ يتطلب إنتاج لتر اللبن لترَين من الماء.

باحث وأكاديمي سعودي مختص في الجغرافيا المناخية في (بودكاست فنجان) علق الجرس، وحذر من استنزاف المياه الجوفية؛ إذ تشربه مئات الآلاف من الأبقار، بينما يشرب المواطنون من مياه البحر المعالجة. وقال الدكتور عبدالله المسند أيضًا: إن عيون الخرج هي المؤشر الملموس على نفاد المخزون الاستراتيجي في تلك العيون بشكل خطير؛ فقد انخفض منسوب المياه فيها إلى أكثر من مئة متر، وجفت الآن.. كذلك بحيرة ليلى في الأفلاج جفت بعد زراعة القمح.

لا يزال لتر الماء في السعودية بريالين، وهو أغلى من لتر البنزين اليوم. ولا شك أن إيقاف الدعم لزراعة القمح والنخيل جاء متأخرًا نوعًا ما، لكن لعل وعسى أن يؤثر بشكل إيجابي.

الدول المتقدمة تزرع بلا تربة وماء؛ فتؤمِّن حاجتها الفعلية بالاستزراع، فهل يكون الحل باستمرار استيراد الغذاء من الخارج وجلب الغذاء والدواء وما يستر الأبدان للأحياء والأموات؟ وهل يغني سياط التسعير عن الحلول العلمية لتعظيم أمننا المائي؟ الإجابة لدى الجهازَين التشريعي والتنفيذي لدى الجهات المختصة.