وين ســافرتوا يا حلويـن؟!

يلعب الطفل ليتعلم وينمو بشكل سوي؛ سواء كان ذلك بلعبة بسيطة أم بلعبة باهظة الثمن، ونحن كمربين من نشعر بفرق التكلفة؛ أما الطفل فبساطته تمنحه القدرة على إيجاد السعادة من أبسط الطرق.

والفرد الاقتصادي هو شخصٌ تربّى على ذلك ولم يحدث الأمر صدفة، هو يستثمر أكثر مما يستهلك، ويستهلك بذكاء وحرص، ويفكر في المضمون والهدف الأساسي قبل المظهر لأي مناسبة أو حدث. الاقتصادي أيضاً ينظر للفائدة من الشيء ومدى حاجته له فعلاً؛ فالقيمة المرتفعة عندما لا يوازيها فائدة مرتفعة لن يقتنيها بكل بساطة.

كل تلك وأكثر تُعد مهارات اقتصادية متعددة يحتاجها اليوم كل شخص في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وتأسياً بقول رسولنا الكريم: (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم).

ولكن السؤال هنا: كيف تنشأ هذه البوادر من عمرٍ مبكر؟

إنّ أول اختلاط للطفل بالعالم الخارجي والمجتمع باختلاف طبقاته هو الروضة أو المدرسة، وهنا حتماً سيتلقى أول دروس في الاقتصادية أو السطحية والإنفاق المبالغ.

فخذ على سبيل المثال برنامج الأم الزائرة، وفكرته الأساسية نشأت حتى تقوي الروابط بين الأسرة والروضة؛ فتحضر أم الطفل لتعلم الأطفال شيئاً مفيداً بسرد قصة أو بلعبة جماعية، ثم تختتم بتوزيع كعكة صنعها الطفل في المنزل؛ ليشعر بالإنجاز وحلاوة المشاركة.. واليوم صار برنامج الأم الزائرة عبئاً ثقيلاً على الكثير من الأمهات؛ لأنه أصبح برنامجاً ترفيهياً استعراضياً لأفخر أنواع الكعك ذي الطبقات، مع الشخصية الكارتونية المفضلة، وأغرب التوزيعات والهدايا.

لست ضد الكعك؛ ولكن لأن صاحب الكعكة المنزلية لن يقتنع بكعكته بعد الآن؛ فتلك الكعكة الفاخرة هي من نالت استحسان المعلمة أولاً فالتُقطت لها الصور، وهي من أبهرت الأطفال فعادوا لمنازلهم يطالبون بالمثل بل وأكثر، وهكذا حتى ارتفع سقف الضيافة والهدايا والاستعراض في برنامجٍ كان هدفه الأساسي أن تتعرف الأم على صف طفلها ومعلمته وتقدم لهم قيمة تربوية نافعة.

في مشهدٍ آخر ما زال بعض المعلمين يسألون الأطفال بعد الإجازة: "وين سافرتوا يا حلوين؟"، وكأن الإجازة لا تجوز بلا سفر، وكأن الطفل الذي لم يسافر عارٌ على الصف ودخيل يتمنى في تلك اللحظة أن يختفي أو يضطر لاختلاق قصصٍ خيالية عن سفرهم لجزر القمر وشرائهم الهدايا، وركوبهم شتى أنواع الملاهي!

أي تسطيح ذلك؟! لم لا يكون السؤال: "ماذا أنجزت في الإجازة"؟

فالإنجاز هو مدعاة الفخر وهو ما يستحق الحديث عنه. إن تركيز بعض المعلمين والمدارس على الشكليات في بعض الفعاليات والأنشطة؛ يجعلها بشكلٍ أو بآخر تغرس في عقول أطفالنا على أنها أولويات مهمة، وهنا مكمن الخطورة؛ لأن ثمة تبعاتٌ لا حصر لها عندما تتلخبط الأولويات.

أما الأهالي فلهم دورٌ كبير أيضاً في غرس تلك الثقافة السطحية والاستهلاكية؛ فبعد ما كانت حفلات الأطفال تمتاز بالبساطة والمتعة للحضور وصاحب الحفلة؛ صارت عبئاً مادياً ونفسياً على الطفل وأهله، زادت التكاليف أكثر، ووجد الأهالي منفذاً جديداً للصرف والتكلّف، وشيئاً فشيئاً يصبح ذلك الطفل صعب الإرضاء وأكثر تعطشاً للمزيد والمزيد وأكثر استهلاكية بلا شك.

في مشهدٍ آخر..

تجد طفلاً لا يتجاوز طوله نصف متر، وقيمة ما يلبس وما يحمل تتجاوز الآلاف! لماذا كل ذلك؟!

ومكمن المشكلة من ذلك عندما يكتشف أنه يثير إعجاب الآخرين بما يلبس أو بما يملك من أجهزة حديثة وألعاب إلكترونية؛ فيبدأ بتحديد تلك السطحيات على أنها مفتاحٌ لجذب الآخرين، ثم تبدأ حكاية البحث عن الذات في عيون الناس وإعجابهم.

أليس العكس هو الصحيح؟ أليس الصواب أن يلتفت الآخرون إليك لِمَا صنعته ولما أنجزته وحققته، وليس لما لبسته وما أكلته وما اشتريته؟!

إذن من المسؤول عن قلب الموازين؟ وكيف السبيل لإعادة الأمور إلى سياقها الصحيح؟

حيث بدأت تلك المشكلة، يمكن إنهاؤها قبل أن تتفشى في الطفل ويعتاد عليها فتصبح طبعاً ونكون قد أضفنا شخصاً استهلاكياً سطحياً آخر لقائمةٍ تطول، ممن قد تلاشى معنى التفرد فيهم وصاروا نسخاً استهلاكية تقلد فقط.

الحل يكمن في عدة نقاط سأذكر بعضها بإيجاز:

أولاً:

التركيز على دعم ثقة الطفل بنفسه، من خلال إنجازاته قبل كل شيء، وأعني إنجازاته على جميع الأصعدة، وليست الدراسية فقط؛ بل إنجازه في عملٍ فني، أو خدمة والديه، أو تأدب في سلوكه، أو مشاركته في أعمال المنزل من ترتيب السفرة وغيره من تطورٍ ملموس في النواحي النمائية المختلفة في المدرسة أو البيت؛ فالثقة بالنفس هي مربط الفرس؛ فالسبب الرئيسي للاستهلاك السطحي هو إثبات الشخصية أمام الآخرين؛ فمتى ما امتلأت تلك الشخصية بالأجود والأنفع؛ لا تحتاج لإثبات نفسها بالمظاهر.

وثانياً:

العودة لأصل هدف الفعاليات والمناسبات أينما كانت، وهو المرح والبساطة، وليس التكلف والبهرجة والتصوير والتنافس، والتركيز على محتوى النشاط وقيمته المعنوية وجودته للطفل؛ سواء كان في المنزل أو المدرسة، ولا مانع من اللمسات الجمالية؛ ولكن بقدر ما يطاق، ودون أن يخرج الموضوع من سياق الفرح إلى سياج الهمّ والمباهاة.

ثالثاً:

تعويد الطفل على الادخار والمفاضلة في أسعار السلع، وتنظيم عمليات الشراء للكماليات والألعاب؛ لتكون موسمية وليست فرضاً عند كل مشوار؛ حتى يتقبل الرفض بصدرٍ رحب فيصبح قنوعاً وقادراً على التحكم في رغباته وضبط انفعالاته، وكرر عليه مقولة عمر بن الخطاب: "أكلما اشتهيت اشتريت".

لا بأس أن ترفض أحياناً؛ بل من الضروري ذلك؛ ليصبح للموافقة طعم وقيمة.

رابعاً:

الحوار المستمر مع الطفل وتقبل انفعالاته عندما يطلب المزيد أو يقارن ما لديه بمن حوله، وتفهّم تلك المشاعر ثم غرس مفهوم القناعة شيئاً فشيئاً والوعي المالي بقيمة الأشياء وطرق الحصول عليها، ثم التركيز على أن قيمته بعقله وإنجازه هو ليس بما يملك.

خامساً:

اجعل طفلك يصنع الأشياء بدلاً من شرائها دائماً وتوفيرها له دون جهد منه، دعه يشارك في الإعداد لمناسبته ليتعلم الاختيار والتنسيق والعمل ودروساً أخرى كثيرة سلمها البعض لمنسقي الحفلات وغيرهم وتركوا أطفالهم للكسل والملل. وليصنع بعض ألعابه؛ ليبتكر ويفكر ويتعلم؛ ففرحة الإنجاز وصنع الأشياء لها فرحة لا تُقَدر بثمن فتلك أشياء لا تُشترى.

سادساً وأخيراً:

كن قدوة حسنة له بالاقتصادية!

مها عبدالله الحقباني
اعلان
وين ســافرتوا يا حلويـن؟!
سبق

يلعب الطفل ليتعلم وينمو بشكل سوي؛ سواء كان ذلك بلعبة بسيطة أم بلعبة باهظة الثمن، ونحن كمربين من نشعر بفرق التكلفة؛ أما الطفل فبساطته تمنحه القدرة على إيجاد السعادة من أبسط الطرق.

والفرد الاقتصادي هو شخصٌ تربّى على ذلك ولم يحدث الأمر صدفة، هو يستثمر أكثر مما يستهلك، ويستهلك بذكاء وحرص، ويفكر في المضمون والهدف الأساسي قبل المظهر لأي مناسبة أو حدث. الاقتصادي أيضاً ينظر للفائدة من الشيء ومدى حاجته له فعلاً؛ فالقيمة المرتفعة عندما لا يوازيها فائدة مرتفعة لن يقتنيها بكل بساطة.

كل تلك وأكثر تُعد مهارات اقتصادية متعددة يحتاجها اليوم كل شخص في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وتأسياً بقول رسولنا الكريم: (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم).

ولكن السؤال هنا: كيف تنشأ هذه البوادر من عمرٍ مبكر؟

إنّ أول اختلاط للطفل بالعالم الخارجي والمجتمع باختلاف طبقاته هو الروضة أو المدرسة، وهنا حتماً سيتلقى أول دروس في الاقتصادية أو السطحية والإنفاق المبالغ.

فخذ على سبيل المثال برنامج الأم الزائرة، وفكرته الأساسية نشأت حتى تقوي الروابط بين الأسرة والروضة؛ فتحضر أم الطفل لتعلم الأطفال شيئاً مفيداً بسرد قصة أو بلعبة جماعية، ثم تختتم بتوزيع كعكة صنعها الطفل في المنزل؛ ليشعر بالإنجاز وحلاوة المشاركة.. واليوم صار برنامج الأم الزائرة عبئاً ثقيلاً على الكثير من الأمهات؛ لأنه أصبح برنامجاً ترفيهياً استعراضياً لأفخر أنواع الكعك ذي الطبقات، مع الشخصية الكارتونية المفضلة، وأغرب التوزيعات والهدايا.

لست ضد الكعك؛ ولكن لأن صاحب الكعكة المنزلية لن يقتنع بكعكته بعد الآن؛ فتلك الكعكة الفاخرة هي من نالت استحسان المعلمة أولاً فالتُقطت لها الصور، وهي من أبهرت الأطفال فعادوا لمنازلهم يطالبون بالمثل بل وأكثر، وهكذا حتى ارتفع سقف الضيافة والهدايا والاستعراض في برنامجٍ كان هدفه الأساسي أن تتعرف الأم على صف طفلها ومعلمته وتقدم لهم قيمة تربوية نافعة.

في مشهدٍ آخر ما زال بعض المعلمين يسألون الأطفال بعد الإجازة: "وين سافرتوا يا حلوين؟"، وكأن الإجازة لا تجوز بلا سفر، وكأن الطفل الذي لم يسافر عارٌ على الصف ودخيل يتمنى في تلك اللحظة أن يختفي أو يضطر لاختلاق قصصٍ خيالية عن سفرهم لجزر القمر وشرائهم الهدايا، وركوبهم شتى أنواع الملاهي!

أي تسطيح ذلك؟! لم لا يكون السؤال: "ماذا أنجزت في الإجازة"؟

فالإنجاز هو مدعاة الفخر وهو ما يستحق الحديث عنه. إن تركيز بعض المعلمين والمدارس على الشكليات في بعض الفعاليات والأنشطة؛ يجعلها بشكلٍ أو بآخر تغرس في عقول أطفالنا على أنها أولويات مهمة، وهنا مكمن الخطورة؛ لأن ثمة تبعاتٌ لا حصر لها عندما تتلخبط الأولويات.

أما الأهالي فلهم دورٌ كبير أيضاً في غرس تلك الثقافة السطحية والاستهلاكية؛ فبعد ما كانت حفلات الأطفال تمتاز بالبساطة والمتعة للحضور وصاحب الحفلة؛ صارت عبئاً مادياً ونفسياً على الطفل وأهله، زادت التكاليف أكثر، ووجد الأهالي منفذاً جديداً للصرف والتكلّف، وشيئاً فشيئاً يصبح ذلك الطفل صعب الإرضاء وأكثر تعطشاً للمزيد والمزيد وأكثر استهلاكية بلا شك.

في مشهدٍ آخر..

تجد طفلاً لا يتجاوز طوله نصف متر، وقيمة ما يلبس وما يحمل تتجاوز الآلاف! لماذا كل ذلك؟!

ومكمن المشكلة من ذلك عندما يكتشف أنه يثير إعجاب الآخرين بما يلبس أو بما يملك من أجهزة حديثة وألعاب إلكترونية؛ فيبدأ بتحديد تلك السطحيات على أنها مفتاحٌ لجذب الآخرين، ثم تبدأ حكاية البحث عن الذات في عيون الناس وإعجابهم.

أليس العكس هو الصحيح؟ أليس الصواب أن يلتفت الآخرون إليك لِمَا صنعته ولما أنجزته وحققته، وليس لما لبسته وما أكلته وما اشتريته؟!

إذن من المسؤول عن قلب الموازين؟ وكيف السبيل لإعادة الأمور إلى سياقها الصحيح؟

حيث بدأت تلك المشكلة، يمكن إنهاؤها قبل أن تتفشى في الطفل ويعتاد عليها فتصبح طبعاً ونكون قد أضفنا شخصاً استهلاكياً سطحياً آخر لقائمةٍ تطول، ممن قد تلاشى معنى التفرد فيهم وصاروا نسخاً استهلاكية تقلد فقط.

الحل يكمن في عدة نقاط سأذكر بعضها بإيجاز:

أولاً:

التركيز على دعم ثقة الطفل بنفسه، من خلال إنجازاته قبل كل شيء، وأعني إنجازاته على جميع الأصعدة، وليست الدراسية فقط؛ بل إنجازه في عملٍ فني، أو خدمة والديه، أو تأدب في سلوكه، أو مشاركته في أعمال المنزل من ترتيب السفرة وغيره من تطورٍ ملموس في النواحي النمائية المختلفة في المدرسة أو البيت؛ فالثقة بالنفس هي مربط الفرس؛ فالسبب الرئيسي للاستهلاك السطحي هو إثبات الشخصية أمام الآخرين؛ فمتى ما امتلأت تلك الشخصية بالأجود والأنفع؛ لا تحتاج لإثبات نفسها بالمظاهر.

وثانياً:

العودة لأصل هدف الفعاليات والمناسبات أينما كانت، وهو المرح والبساطة، وليس التكلف والبهرجة والتصوير والتنافس، والتركيز على محتوى النشاط وقيمته المعنوية وجودته للطفل؛ سواء كان في المنزل أو المدرسة، ولا مانع من اللمسات الجمالية؛ ولكن بقدر ما يطاق، ودون أن يخرج الموضوع من سياق الفرح إلى سياج الهمّ والمباهاة.

ثالثاً:

تعويد الطفل على الادخار والمفاضلة في أسعار السلع، وتنظيم عمليات الشراء للكماليات والألعاب؛ لتكون موسمية وليست فرضاً عند كل مشوار؛ حتى يتقبل الرفض بصدرٍ رحب فيصبح قنوعاً وقادراً على التحكم في رغباته وضبط انفعالاته، وكرر عليه مقولة عمر بن الخطاب: "أكلما اشتهيت اشتريت".

لا بأس أن ترفض أحياناً؛ بل من الضروري ذلك؛ ليصبح للموافقة طعم وقيمة.

رابعاً:

الحوار المستمر مع الطفل وتقبل انفعالاته عندما يطلب المزيد أو يقارن ما لديه بمن حوله، وتفهّم تلك المشاعر ثم غرس مفهوم القناعة شيئاً فشيئاً والوعي المالي بقيمة الأشياء وطرق الحصول عليها، ثم التركيز على أن قيمته بعقله وإنجازه هو ليس بما يملك.

خامساً:

اجعل طفلك يصنع الأشياء بدلاً من شرائها دائماً وتوفيرها له دون جهد منه، دعه يشارك في الإعداد لمناسبته ليتعلم الاختيار والتنسيق والعمل ودروساً أخرى كثيرة سلمها البعض لمنسقي الحفلات وغيرهم وتركوا أطفالهم للكسل والملل. وليصنع بعض ألعابه؛ ليبتكر ويفكر ويتعلم؛ ففرحة الإنجاز وصنع الأشياء لها فرحة لا تُقَدر بثمن فتلك أشياء لا تُشترى.

سادساً وأخيراً:

كن قدوة حسنة له بالاقتصادية!

17 أكتوبر 2018 - 8 صفر 1440
11:58 AM
اخر تعديل
07 فبراير 2020 - 13 جمادى الآخر 1441
09:45 AM

وين ســافرتوا يا حلويـن؟!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
0
1,867

يلعب الطفل ليتعلم وينمو بشكل سوي؛ سواء كان ذلك بلعبة بسيطة أم بلعبة باهظة الثمن، ونحن كمربين من نشعر بفرق التكلفة؛ أما الطفل فبساطته تمنحه القدرة على إيجاد السعادة من أبسط الطرق.

والفرد الاقتصادي هو شخصٌ تربّى على ذلك ولم يحدث الأمر صدفة، هو يستثمر أكثر مما يستهلك، ويستهلك بذكاء وحرص، ويفكر في المضمون والهدف الأساسي قبل المظهر لأي مناسبة أو حدث. الاقتصادي أيضاً ينظر للفائدة من الشيء ومدى حاجته له فعلاً؛ فالقيمة المرتفعة عندما لا يوازيها فائدة مرتفعة لن يقتنيها بكل بساطة.

كل تلك وأكثر تُعد مهارات اقتصادية متعددة يحتاجها اليوم كل شخص في ظل ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة. وتأسياً بقول رسولنا الكريم: (اخشوشنوا فإن النعم لا تدوم).

ولكن السؤال هنا: كيف تنشأ هذه البوادر من عمرٍ مبكر؟

إنّ أول اختلاط للطفل بالعالم الخارجي والمجتمع باختلاف طبقاته هو الروضة أو المدرسة، وهنا حتماً سيتلقى أول دروس في الاقتصادية أو السطحية والإنفاق المبالغ.

فخذ على سبيل المثال برنامج الأم الزائرة، وفكرته الأساسية نشأت حتى تقوي الروابط بين الأسرة والروضة؛ فتحضر أم الطفل لتعلم الأطفال شيئاً مفيداً بسرد قصة أو بلعبة جماعية، ثم تختتم بتوزيع كعكة صنعها الطفل في المنزل؛ ليشعر بالإنجاز وحلاوة المشاركة.. واليوم صار برنامج الأم الزائرة عبئاً ثقيلاً على الكثير من الأمهات؛ لأنه أصبح برنامجاً ترفيهياً استعراضياً لأفخر أنواع الكعك ذي الطبقات، مع الشخصية الكارتونية المفضلة، وأغرب التوزيعات والهدايا.

لست ضد الكعك؛ ولكن لأن صاحب الكعكة المنزلية لن يقتنع بكعكته بعد الآن؛ فتلك الكعكة الفاخرة هي من نالت استحسان المعلمة أولاً فالتُقطت لها الصور، وهي من أبهرت الأطفال فعادوا لمنازلهم يطالبون بالمثل بل وأكثر، وهكذا حتى ارتفع سقف الضيافة والهدايا والاستعراض في برنامجٍ كان هدفه الأساسي أن تتعرف الأم على صف طفلها ومعلمته وتقدم لهم قيمة تربوية نافعة.

في مشهدٍ آخر ما زال بعض المعلمين يسألون الأطفال بعد الإجازة: "وين سافرتوا يا حلوين؟"، وكأن الإجازة لا تجوز بلا سفر، وكأن الطفل الذي لم يسافر عارٌ على الصف ودخيل يتمنى في تلك اللحظة أن يختفي أو يضطر لاختلاق قصصٍ خيالية عن سفرهم لجزر القمر وشرائهم الهدايا، وركوبهم شتى أنواع الملاهي!

أي تسطيح ذلك؟! لم لا يكون السؤال: "ماذا أنجزت في الإجازة"؟

فالإنجاز هو مدعاة الفخر وهو ما يستحق الحديث عنه. إن تركيز بعض المعلمين والمدارس على الشكليات في بعض الفعاليات والأنشطة؛ يجعلها بشكلٍ أو بآخر تغرس في عقول أطفالنا على أنها أولويات مهمة، وهنا مكمن الخطورة؛ لأن ثمة تبعاتٌ لا حصر لها عندما تتلخبط الأولويات.

أما الأهالي فلهم دورٌ كبير أيضاً في غرس تلك الثقافة السطحية والاستهلاكية؛ فبعد ما كانت حفلات الأطفال تمتاز بالبساطة والمتعة للحضور وصاحب الحفلة؛ صارت عبئاً مادياً ونفسياً على الطفل وأهله، زادت التكاليف أكثر، ووجد الأهالي منفذاً جديداً للصرف والتكلّف، وشيئاً فشيئاً يصبح ذلك الطفل صعب الإرضاء وأكثر تعطشاً للمزيد والمزيد وأكثر استهلاكية بلا شك.

في مشهدٍ آخر..

تجد طفلاً لا يتجاوز طوله نصف متر، وقيمة ما يلبس وما يحمل تتجاوز الآلاف! لماذا كل ذلك؟!

ومكمن المشكلة من ذلك عندما يكتشف أنه يثير إعجاب الآخرين بما يلبس أو بما يملك من أجهزة حديثة وألعاب إلكترونية؛ فيبدأ بتحديد تلك السطحيات على أنها مفتاحٌ لجذب الآخرين، ثم تبدأ حكاية البحث عن الذات في عيون الناس وإعجابهم.

أليس العكس هو الصحيح؟ أليس الصواب أن يلتفت الآخرون إليك لِمَا صنعته ولما أنجزته وحققته، وليس لما لبسته وما أكلته وما اشتريته؟!

إذن من المسؤول عن قلب الموازين؟ وكيف السبيل لإعادة الأمور إلى سياقها الصحيح؟

حيث بدأت تلك المشكلة، يمكن إنهاؤها قبل أن تتفشى في الطفل ويعتاد عليها فتصبح طبعاً ونكون قد أضفنا شخصاً استهلاكياً سطحياً آخر لقائمةٍ تطول، ممن قد تلاشى معنى التفرد فيهم وصاروا نسخاً استهلاكية تقلد فقط.

الحل يكمن في عدة نقاط سأذكر بعضها بإيجاز:

أولاً:

التركيز على دعم ثقة الطفل بنفسه، من خلال إنجازاته قبل كل شيء، وأعني إنجازاته على جميع الأصعدة، وليست الدراسية فقط؛ بل إنجازه في عملٍ فني، أو خدمة والديه، أو تأدب في سلوكه، أو مشاركته في أعمال المنزل من ترتيب السفرة وغيره من تطورٍ ملموس في النواحي النمائية المختلفة في المدرسة أو البيت؛ فالثقة بالنفس هي مربط الفرس؛ فالسبب الرئيسي للاستهلاك السطحي هو إثبات الشخصية أمام الآخرين؛ فمتى ما امتلأت تلك الشخصية بالأجود والأنفع؛ لا تحتاج لإثبات نفسها بالمظاهر.

وثانياً:

العودة لأصل هدف الفعاليات والمناسبات أينما كانت، وهو المرح والبساطة، وليس التكلف والبهرجة والتصوير والتنافس، والتركيز على محتوى النشاط وقيمته المعنوية وجودته للطفل؛ سواء كان في المنزل أو المدرسة، ولا مانع من اللمسات الجمالية؛ ولكن بقدر ما يطاق، ودون أن يخرج الموضوع من سياق الفرح إلى سياج الهمّ والمباهاة.

ثالثاً:

تعويد الطفل على الادخار والمفاضلة في أسعار السلع، وتنظيم عمليات الشراء للكماليات والألعاب؛ لتكون موسمية وليست فرضاً عند كل مشوار؛ حتى يتقبل الرفض بصدرٍ رحب فيصبح قنوعاً وقادراً على التحكم في رغباته وضبط انفعالاته، وكرر عليه مقولة عمر بن الخطاب: "أكلما اشتهيت اشتريت".

لا بأس أن ترفض أحياناً؛ بل من الضروري ذلك؛ ليصبح للموافقة طعم وقيمة.

رابعاً:

الحوار المستمر مع الطفل وتقبل انفعالاته عندما يطلب المزيد أو يقارن ما لديه بمن حوله، وتفهّم تلك المشاعر ثم غرس مفهوم القناعة شيئاً فشيئاً والوعي المالي بقيمة الأشياء وطرق الحصول عليها، ثم التركيز على أن قيمته بعقله وإنجازه هو ليس بما يملك.

خامساً:

اجعل طفلك يصنع الأشياء بدلاً من شرائها دائماً وتوفيرها له دون جهد منه، دعه يشارك في الإعداد لمناسبته ليتعلم الاختيار والتنسيق والعمل ودروساً أخرى كثيرة سلمها البعض لمنسقي الحفلات وغيرهم وتركوا أطفالهم للكسل والملل. وليصنع بعض ألعابه؛ ليبتكر ويفكر ويتعلم؛ ففرحة الإنجاز وصنع الأشياء لها فرحة لا تُقَدر بثمن فتلك أشياء لا تُشترى.

سادساً وأخيراً:

كن قدوة حسنة له بالاقتصادية!