كل سر جاوز الاثنين شاع!

هذا المثل الذي استُخدم حتى في الشعر، وتغنى به بعض الفنانين، كنا في السابق نتجاوزه عند المرور عليه؛ لأنه لا يهمنا، ولا ينطبق إلا على فئة قليلة من مجتمعنا الذي نشأ على حفظ السر اتباعًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن اللطائف أن أحدهم سُئل عن المقصود بالاثنين، فأشار إلى شفتيه، وقال "هاتان". وكان الناس حذرين على أسرارهم حتى من الأقربين؛ ونتيجة لذلك كانت الحياة تسير طبيعية، لا تصلها المنغصات. وكما نعلم، فإن البيوت أسرار، فإذا كُشفت تهدَّم بناؤها، وتصدعت أساساتها، وأصبحت "خرابة".

اليوم لم يعد هناك أسرار، وانكشفت كل حياتنا، الطيب منها والسيئ، والصالح والطالح، وأصبح الجميع لا يحرك شفتيه، لكنه استخدم عوضًا عنهما أصابع يديه التي كشفت كل سر؛ فهو يصور كل شيء أمامه؛ لينقله على وسائل التواصل، وفي ثوانٍ معدودة تكون قد بلغت أقصى الأرض، وعندما يحاول إلغاءها تكون قد تناقلتها الأيادي؛ فافتضح أمره، وأصبحت سيرته على كل لسان، وليس أمامه إلا التواري عن الأنظار حتى تهدأ العاصفة.

يحمل كل واحد من الأسرة جوالاً أو جوالين، لا يضعهما من يده حتى وهو نائم. يقرأ ما يشاء، ويصور ما يشاء، ويكتب ما يريد.. حتى أن النساء يتفنن في تصوير ما يصنعن من أطعمة مختلفة، وقبل البدء في الأكل تكون وصلت لكل القروبات. وفي الاحتفالات والمناسبات حدِّث ولا حرج.. لا يبقى شيء دون أن يأخذ نصيبه من التصوير، بل إن هناك مَن همه فقط تصيُّد الأخطاء والمساوئ والعيوب، ونشرها؛ حتى يكسب بها أعدادًا كبيرة من المتابعين، بغض النظر عما يسببه عمله من أضرار بسمعة الآخرين.

إننا أمام مشكلة كبيرة، تسببت في تصدع عادات وتقاليد مجتمعنا، ونشرت البغضاء بين الناس، وتهدمت أواصر المحبة، وأصبح مكانها الكراهية ومقاطعة الأرحام والأقارب.. وانتشر الطلاق، وتيتم الأطفال، وانتشرت الأمراض التي غالبها من الحسد؛ فليس الجميع مقتدرًا؛ فهناك أُسَر تعيش بيننا وهي تعاني الفقر والحاجة.. وكم نسمع من القصص التي يتفطر منها القلب، وتتكدر منها النفس.. فمن يعيش على الأرائك ليس كمن يفترش الأرض، وليس من أكل وشرب مما لذَّ وطاب كمَن يعاني الجوع.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من سلوكياتنا، والبُعد عن كل ما يسيء لعلاقتنا ببعضنا، والأخذ على أيدي المخطئين.. ففي الحديث "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته".

صالح مطر الغامدي
اعلان
كل سر جاوز الاثنين شاع!
سبق

هذا المثل الذي استُخدم حتى في الشعر، وتغنى به بعض الفنانين، كنا في السابق نتجاوزه عند المرور عليه؛ لأنه لا يهمنا، ولا ينطبق إلا على فئة قليلة من مجتمعنا الذي نشأ على حفظ السر اتباعًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن اللطائف أن أحدهم سُئل عن المقصود بالاثنين، فأشار إلى شفتيه، وقال "هاتان". وكان الناس حذرين على أسرارهم حتى من الأقربين؛ ونتيجة لذلك كانت الحياة تسير طبيعية، لا تصلها المنغصات. وكما نعلم، فإن البيوت أسرار، فإذا كُشفت تهدَّم بناؤها، وتصدعت أساساتها، وأصبحت "خرابة".

اليوم لم يعد هناك أسرار، وانكشفت كل حياتنا، الطيب منها والسيئ، والصالح والطالح، وأصبح الجميع لا يحرك شفتيه، لكنه استخدم عوضًا عنهما أصابع يديه التي كشفت كل سر؛ فهو يصور كل شيء أمامه؛ لينقله على وسائل التواصل، وفي ثوانٍ معدودة تكون قد بلغت أقصى الأرض، وعندما يحاول إلغاءها تكون قد تناقلتها الأيادي؛ فافتضح أمره، وأصبحت سيرته على كل لسان، وليس أمامه إلا التواري عن الأنظار حتى تهدأ العاصفة.

يحمل كل واحد من الأسرة جوالاً أو جوالين، لا يضعهما من يده حتى وهو نائم. يقرأ ما يشاء، ويصور ما يشاء، ويكتب ما يريد.. حتى أن النساء يتفنن في تصوير ما يصنعن من أطعمة مختلفة، وقبل البدء في الأكل تكون وصلت لكل القروبات. وفي الاحتفالات والمناسبات حدِّث ولا حرج.. لا يبقى شيء دون أن يأخذ نصيبه من التصوير، بل إن هناك مَن همه فقط تصيُّد الأخطاء والمساوئ والعيوب، ونشرها؛ حتى يكسب بها أعدادًا كبيرة من المتابعين، بغض النظر عما يسببه عمله من أضرار بسمعة الآخرين.

إننا أمام مشكلة كبيرة، تسببت في تصدع عادات وتقاليد مجتمعنا، ونشرت البغضاء بين الناس، وتهدمت أواصر المحبة، وأصبح مكانها الكراهية ومقاطعة الأرحام والأقارب.. وانتشر الطلاق، وتيتم الأطفال، وانتشرت الأمراض التي غالبها من الحسد؛ فليس الجميع مقتدرًا؛ فهناك أُسَر تعيش بيننا وهي تعاني الفقر والحاجة.. وكم نسمع من القصص التي يتفطر منها القلب، وتتكدر منها النفس.. فمن يعيش على الأرائك ليس كمن يفترش الأرض، وليس من أكل وشرب مما لذَّ وطاب كمَن يعاني الجوع.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من سلوكياتنا، والبُعد عن كل ما يسيء لعلاقتنا ببعضنا، والأخذ على أيدي المخطئين.. ففي الحديث "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته".

16 سبتمبر 2018 - 6 محرّم 1440
08:46 PM
اخر تعديل
23 ديسمبر 2019 - 26 ربيع الآخر 1441
02:23 AM

كل سر جاوز الاثنين شاع!

صالح مطر الغامدي - الرياض
A A A
1
2,768

هذا المثل الذي استُخدم حتى في الشعر، وتغنى به بعض الفنانين، كنا في السابق نتجاوزه عند المرور عليه؛ لأنه لا يهمنا، ولا ينطبق إلا على فئة قليلة من مجتمعنا الذي نشأ على حفظ السر اتباعًا لهدي النبي - صلى الله عليه وسلم -.

ومن اللطائف أن أحدهم سُئل عن المقصود بالاثنين، فأشار إلى شفتيه، وقال "هاتان". وكان الناس حذرين على أسرارهم حتى من الأقربين؛ ونتيجة لذلك كانت الحياة تسير طبيعية، لا تصلها المنغصات. وكما نعلم، فإن البيوت أسرار، فإذا كُشفت تهدَّم بناؤها، وتصدعت أساساتها، وأصبحت "خرابة".

اليوم لم يعد هناك أسرار، وانكشفت كل حياتنا، الطيب منها والسيئ، والصالح والطالح، وأصبح الجميع لا يحرك شفتيه، لكنه استخدم عوضًا عنهما أصابع يديه التي كشفت كل سر؛ فهو يصور كل شيء أمامه؛ لينقله على وسائل التواصل، وفي ثوانٍ معدودة تكون قد بلغت أقصى الأرض، وعندما يحاول إلغاءها تكون قد تناقلتها الأيادي؛ فافتضح أمره، وأصبحت سيرته على كل لسان، وليس أمامه إلا التواري عن الأنظار حتى تهدأ العاصفة.

يحمل كل واحد من الأسرة جوالاً أو جوالين، لا يضعهما من يده حتى وهو نائم. يقرأ ما يشاء، ويصور ما يشاء، ويكتب ما يريد.. حتى أن النساء يتفنن في تصوير ما يصنعن من أطعمة مختلفة، وقبل البدء في الأكل تكون وصلت لكل القروبات. وفي الاحتفالات والمناسبات حدِّث ولا حرج.. لا يبقى شيء دون أن يأخذ نصيبه من التصوير، بل إن هناك مَن همه فقط تصيُّد الأخطاء والمساوئ والعيوب، ونشرها؛ حتى يكسب بها أعدادًا كبيرة من المتابعين، بغض النظر عما يسببه عمله من أضرار بسمعة الآخرين.

إننا أمام مشكلة كبيرة، تسببت في تصدع عادات وتقاليد مجتمعنا، ونشرت البغضاء بين الناس، وتهدمت أواصر المحبة، وأصبح مكانها الكراهية ومقاطعة الأرحام والأقارب.. وانتشر الطلاق، وتيتم الأطفال، وانتشرت الأمراض التي غالبها من الحسد؛ فليس الجميع مقتدرًا؛ فهناك أُسَر تعيش بيننا وهي تعاني الفقر والحاجة.. وكم نسمع من القصص التي يتفطر منها القلب، وتتكدر منها النفس.. فمن يعيش على الأرائك ليس كمن يفترش الأرض، وليس من أكل وشرب مما لذَّ وطاب كمَن يعاني الجوع.

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في كثير من سلوكياتنا، والبُعد عن كل ما يسيء لعلاقتنا ببعضنا، والأخذ على أيدي المخطئين.. ففي الحديث "كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته".