خطيب الحرم المكي لكل مسلم: اجعل الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل

أكّد أن من علامات رضا الله تعالى عن العبد أن يجعله مفتاحاً للخير

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل غزاوي؛ المسلمين، بتقوى الله -عزّ وجلّ- وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

وقال "غزاوي": إن مناديَ الخير وهو ينادي كلَّ ليلة في رمضان من قِبل المولى -تبارك وتعالى- يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، إنما هو واعظ متكرر ومذكر دائم وداع مستمر، يرشد المؤمنين أن يقبلوا على فعل الخير وما فيه ربحهم، ويكفوا عن فعل الشر وما فيه خسارتهم.

وأضاف في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: المسلم مطالب أن يغتنم ويتزود ما دام على قيد الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).. فما أحرانا أن نتعرّض في هذه الأيام المعدودات إلى نفحات رحمة ربنا وفيض جوده وسعة إحسانه.

وأضاف: هناك بعضُ القواعد والمعالم والوصايا المتعلقة بفعل الخير في هذا الموسم العظيم عسى اللهُ أن ينفع بها أولها أن يكون الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل بأن تنويَه وتعزمَ على فعله، فإن يسره الله لك وأعانك على أدائه، فقد تحقّق أجر ما فيه رغبت وإليه سعيت، وإن لم تتمكن من فعله وحيل بين العمل والنية فلك أجرُ ما نويت، قال عبدالله بنُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل لأبيه يوماً أوصني يا أبت، فقال "يا بني انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير".. وهذه وصية عظيمة، وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها، فإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنه يُؤجر على تلك النية وإن لم يعمل" فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله -عَزَّ وَجَلَّ- عِنْدَه عشْرَ حسنات إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَة".. هذا ما اخبرنا به الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم.

وأردف: التفكر في الخير وإعمال الخاطر فيه دافعٌ إلى اغتنام أعمال الخير والتزود منها، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به، والندمُ على الشر يدعو إلى تركه".

وتابع: أما ثاني هذه القواعد والوصايا أن تكون على يقين أن فعل الخير هو الزاد الحقيقي الذي ينفع الإنسان يوم القيامة ويبقى ويدخر، ولن يضيع عليك قل أو كثر، كما قال تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)، فتزوّد من فعل الخير واغتنم ولا تحتقر شيئاً من الأعمال قال -جلّ ذكره- (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ..)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) قال: "لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا ولا شَرًّا في الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ".

وقال "غزاوي": ثالث هذه القواعد هي أن صاحبِ الخير في هذه الدنيا وفي هذه المواسم المباركة خاصة، فإنه خير من تصاحبه وترافقه عن حاتم الأصم -رحمه الله- قال: "ورأيت لكل رجل صديقاً يفشي إليه سره ويشكو إليه؛ فصادقت الخير ليكون معي في الحساب ويجوزَ معي الصراط"، موصياً بفعل الخير فهو النورُ فِي القبر لمَن مات يَحْصُل.

وأضاف: رابعها أن يكون عبدالله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، فالناس صنفان كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس ناساً مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشر ومن الناس ناساً مغاليقُ للخير مفاتيحُ للشر، فطوبى لمَن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه".

وأردف: من علامات رضا الله عن العبد أن يجعله مفتاحاً للخير، فإن رؤي ذكر الله برؤيته، وهو يتقلب في الخير، يعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر، وسببُ الخير لكل مَن صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً، فهو مفتاح الشر.

وأكّد أمام وخطيب المسجد الحرام، أن إيمان العبد لا يكمُل إلا بتمني الخير لغيره من المسلمين لقوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير".

وقال: خامس هذه القواعد أن يكون المؤمن دليلاً على الخير ليحظى بذلك الجزاء الوافر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" وقال -صلى الله عليه وسلم- "إن الدال على الخير كفاعله"، وأنفع ما يقدمه المرء للناس إرشادُهم وتعليمُهم وبذلُ النصح لهم ودَلالتُهم على فعل الخيرات وحثُّهم على استثمار الأوقات وتشجيعُهم على اغتنام القربات.

وأشار إلى أن سادسها، فهو سل الله الثبات على الدين وادعه أن يجعلك ممّن يلزم طاعته وتقواه واستعذ بالله أن يردك على عقبيك فتتركَ الخير وتنقطعَ عنه وتفعلَ الشر وتميلَ نفسُك إليه، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: "ولا تأمن لرجل أن يكون على خير فيرجعَ إلى شر فيموتَ بشر، ولا تيأس من رجل يكون على شر فيرجعُ إلى خير فيموت بخير"، ولهذا يجب أن نحاسب أنفسنا على التفريط في جنب الله وندعوَ ربنا أن يثبتنا على فعل الخير حتى الممات.

وأضاف "غزاوي": سابع هذه القواعد التأمل في قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، فهي تبعث في نفس العبد راحة، وفي قلبه طمأنينة، ذلك أن المحسن إلى الخلق، المخلص في ذلك لا ينتظر تقديراً ولا ثناءً من الخلق، فإنه متى فعل الخير وأيقن بأن ربّه يعلمُه علماً يثيب عليه، هان عليه ما يجده من جحود ونكرانِ بعض الناس للجميل الذي أسداه والمعروف الذي صنعه، بل هو مستشعر قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورا).

ودعا المسلم أن يتحرّى الخيرات ويستكثر منها حتى يعتاد عليها، وتصيرَ له سجيةً في النفس وعادةً في الطبع، كما قرر ذلك -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (الْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ)، والمسلم مأمورٌ بأن يطلب الخير في دهره كله، لكنه مطلوبٌ منه أن يجِدَّ ويعزمَ على استغلال الأيام الفاضلة، كفرصة هذا الشهر العظيم الذي تفتح فيه أبواب الجنة، فما على المشمرين إلا أن يُقبلوا وما على المتسابقين إلا أن يبادروا، وقد تيقن المفلحون أن من الغبن والحرمان أن يحرم المرء فضل هذا الشهر، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له".

وقال: حتى يتحقق الاغتنام نحتاج إلى أن نصون أوقاتَنا في رمضان، وشياطين الإنس في رمضان يجتهدون في صرف المسلمين عمّا يكون فيه خيرهم ونفعهم وصلاحهم، كما يجب ألا تلهينا مواقع التواصل ولا غيرُها عن اغتنام أوقات هذا الشهر الفضيل؛ حيث يجد فيها بعض الناس تسلية ومتعة فينشغلون بها وينصرفون عن الجد والاجتهاد في مواسم الخيرات.

اعلان
خطيب الحرم المكي لكل مسلم: اجعل الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل
سبق

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل غزاوي؛ المسلمين، بتقوى الله -عزّ وجلّ- وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

وقال "غزاوي": إن مناديَ الخير وهو ينادي كلَّ ليلة في رمضان من قِبل المولى -تبارك وتعالى- يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، إنما هو واعظ متكرر ومذكر دائم وداع مستمر، يرشد المؤمنين أن يقبلوا على فعل الخير وما فيه ربحهم، ويكفوا عن فعل الشر وما فيه خسارتهم.

وأضاف في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: المسلم مطالب أن يغتنم ويتزود ما دام على قيد الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).. فما أحرانا أن نتعرّض في هذه الأيام المعدودات إلى نفحات رحمة ربنا وفيض جوده وسعة إحسانه.

وأضاف: هناك بعضُ القواعد والمعالم والوصايا المتعلقة بفعل الخير في هذا الموسم العظيم عسى اللهُ أن ينفع بها أولها أن يكون الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل بأن تنويَه وتعزمَ على فعله، فإن يسره الله لك وأعانك على أدائه، فقد تحقّق أجر ما فيه رغبت وإليه سعيت، وإن لم تتمكن من فعله وحيل بين العمل والنية فلك أجرُ ما نويت، قال عبدالله بنُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل لأبيه يوماً أوصني يا أبت، فقال "يا بني انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير".. وهذه وصية عظيمة، وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها، فإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنه يُؤجر على تلك النية وإن لم يعمل" فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله -عَزَّ وَجَلَّ- عِنْدَه عشْرَ حسنات إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَة".. هذا ما اخبرنا به الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم.

وأردف: التفكر في الخير وإعمال الخاطر فيه دافعٌ إلى اغتنام أعمال الخير والتزود منها، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به، والندمُ على الشر يدعو إلى تركه".

وتابع: أما ثاني هذه القواعد والوصايا أن تكون على يقين أن فعل الخير هو الزاد الحقيقي الذي ينفع الإنسان يوم القيامة ويبقى ويدخر، ولن يضيع عليك قل أو كثر، كما قال تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)، فتزوّد من فعل الخير واغتنم ولا تحتقر شيئاً من الأعمال قال -جلّ ذكره- (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ..)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) قال: "لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا ولا شَرًّا في الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ".

وقال "غزاوي": ثالث هذه القواعد هي أن صاحبِ الخير في هذه الدنيا وفي هذه المواسم المباركة خاصة، فإنه خير من تصاحبه وترافقه عن حاتم الأصم -رحمه الله- قال: "ورأيت لكل رجل صديقاً يفشي إليه سره ويشكو إليه؛ فصادقت الخير ليكون معي في الحساب ويجوزَ معي الصراط"، موصياً بفعل الخير فهو النورُ فِي القبر لمَن مات يَحْصُل.

وأضاف: رابعها أن يكون عبدالله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، فالناس صنفان كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس ناساً مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشر ومن الناس ناساً مغاليقُ للخير مفاتيحُ للشر، فطوبى لمَن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه".

وأردف: من علامات رضا الله عن العبد أن يجعله مفتاحاً للخير، فإن رؤي ذكر الله برؤيته، وهو يتقلب في الخير، يعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر، وسببُ الخير لكل مَن صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً، فهو مفتاح الشر.

وأكّد أمام وخطيب المسجد الحرام، أن إيمان العبد لا يكمُل إلا بتمني الخير لغيره من المسلمين لقوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير".

وقال: خامس هذه القواعد أن يكون المؤمن دليلاً على الخير ليحظى بذلك الجزاء الوافر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" وقال -صلى الله عليه وسلم- "إن الدال على الخير كفاعله"، وأنفع ما يقدمه المرء للناس إرشادُهم وتعليمُهم وبذلُ النصح لهم ودَلالتُهم على فعل الخيرات وحثُّهم على استثمار الأوقات وتشجيعُهم على اغتنام القربات.

وأشار إلى أن سادسها، فهو سل الله الثبات على الدين وادعه أن يجعلك ممّن يلزم طاعته وتقواه واستعذ بالله أن يردك على عقبيك فتتركَ الخير وتنقطعَ عنه وتفعلَ الشر وتميلَ نفسُك إليه، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: "ولا تأمن لرجل أن يكون على خير فيرجعَ إلى شر فيموتَ بشر، ولا تيأس من رجل يكون على شر فيرجعُ إلى خير فيموت بخير"، ولهذا يجب أن نحاسب أنفسنا على التفريط في جنب الله وندعوَ ربنا أن يثبتنا على فعل الخير حتى الممات.

وأضاف "غزاوي": سابع هذه القواعد التأمل في قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، فهي تبعث في نفس العبد راحة، وفي قلبه طمأنينة، ذلك أن المحسن إلى الخلق، المخلص في ذلك لا ينتظر تقديراً ولا ثناءً من الخلق، فإنه متى فعل الخير وأيقن بأن ربّه يعلمُه علماً يثيب عليه، هان عليه ما يجده من جحود ونكرانِ بعض الناس للجميل الذي أسداه والمعروف الذي صنعه، بل هو مستشعر قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورا).

ودعا المسلم أن يتحرّى الخيرات ويستكثر منها حتى يعتاد عليها، وتصيرَ له سجيةً في النفس وعادةً في الطبع، كما قرر ذلك -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (الْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ)، والمسلم مأمورٌ بأن يطلب الخير في دهره كله، لكنه مطلوبٌ منه أن يجِدَّ ويعزمَ على استغلال الأيام الفاضلة، كفرصة هذا الشهر العظيم الذي تفتح فيه أبواب الجنة، فما على المشمرين إلا أن يُقبلوا وما على المتسابقين إلا أن يبادروا، وقد تيقن المفلحون أن من الغبن والحرمان أن يحرم المرء فضل هذا الشهر، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له".

وقال: حتى يتحقق الاغتنام نحتاج إلى أن نصون أوقاتَنا في رمضان، وشياطين الإنس في رمضان يجتهدون في صرف المسلمين عمّا يكون فيه خيرهم ونفعهم وصلاحهم، كما يجب ألا تلهينا مواقع التواصل ولا غيرُها عن اغتنام أوقات هذا الشهر الفضيل؛ حيث يجد فيها بعض الناس تسلية ومتعة فينشغلون بها وينصرفون عن الجد والاجتهاد في مواسم الخيرات.

17 مايو 2019 - 12 رمضان 1440
02:43 PM

خطيب الحرم المكي لكل مسلم: اجعل الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل

أكّد أن من علامات رضا الله تعالى عن العبد أن يجعله مفتاحاً للخير

A A A
0
4,267

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور فيصل غزاوي؛ المسلمين، بتقوى الله -عزّ وجلّ- وامتثال أوامره واجتناب نواهيه.

وقال "غزاوي": إن مناديَ الخير وهو ينادي كلَّ ليلة في رمضان من قِبل المولى -تبارك وتعالى- يا باغي الخير أقبل ويا باغي الشر أقصر، إنما هو واعظ متكرر ومذكر دائم وداع مستمر، يرشد المؤمنين أن يقبلوا على فعل الخير وما فيه ربحهم، ويكفوا عن فعل الشر وما فيه خسارتهم.

وأضاف في خطبة الجمعة التي ألقاها اليوم بالمسجد الحرام: المسلم مطالب أن يغتنم ويتزود ما دام على قيد الحياة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).. فما أحرانا أن نتعرّض في هذه الأيام المعدودات إلى نفحات رحمة ربنا وفيض جوده وسعة إحسانه.

وأضاف: هناك بعضُ القواعد والمعالم والوصايا المتعلقة بفعل الخير في هذا الموسم العظيم عسى اللهُ أن ينفع بها أولها أن يكون الخير همَّك الدائم وشغلَك الشاغل بأن تنويَه وتعزمَ على فعله، فإن يسره الله لك وأعانك على أدائه، فقد تحقّق أجر ما فيه رغبت وإليه سعيت، وإن لم تتمكن من فعله وحيل بين العمل والنية فلك أجرُ ما نويت، قال عبدالله بنُ الإمامِ أحمدَ بنِ حنبل لأبيه يوماً أوصني يا أبت، فقال "يا بني انوِ الخير؛ فإنك لا تزال بخير ما نويت الخير".. وهذه وصية عظيمة، وفاعلها ثوابه دائم مستمر لدوامها واستمرارها، فإذا أحسن العبد القصد ولم تتهيّأ له أسباب العمل فإنه يُؤجر على تلك النية وإن لم يعمل" فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا الله عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا الله -عَزَّ وَجَلَّ- عِنْدَه عشْرَ حسنات إِلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَة".. هذا ما اخبرنا به الصادق المصدوق- صلى الله عليه وسلم.

وأردف: التفكر في الخير وإعمال الخاطر فيه دافعٌ إلى اغتنام أعمال الخير والتزود منها، فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال "التفكر في الخير يدعو إلى العمل به، والندمُ على الشر يدعو إلى تركه".

وتابع: أما ثاني هذه القواعد والوصايا أن تكون على يقين أن فعل الخير هو الزاد الحقيقي الذي ينفع الإنسان يوم القيامة ويبقى ويدخر، ولن يضيع عليك قل أو كثر، كما قال تعالى: (وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ)، فتزوّد من فعل الخير واغتنم ولا تحتقر شيئاً من الأعمال قال -جلّ ذكره- (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ..)، وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- في قوله:( فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ) قال: "لَيْسَ مُؤْمِنٌ ولا كافِرٌ عَمِلَ خَيْرًا ولا شَرًّا في الدُّنْيا إلّا أراهُ اللَّهُ تَعالى إيّاهُ؛ فَأمّا المُؤْمِنُ فَيَرى حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ فَيَغْفِرُ لَهُ مِن سَيِّئاتِهِ ويُثِيبُهُ بِحَسَناتِهِ، وأمّا الكافِرُ فَيُرِيهِ حَسَناتِهِ وسَيِّئاتِهِ، فَيَرُدُّ حَسَناتِهِ ويُعَذِّبُهُ بِسَيِّئاتِهِ".

وقال "غزاوي": ثالث هذه القواعد هي أن صاحبِ الخير في هذه الدنيا وفي هذه المواسم المباركة خاصة، فإنه خير من تصاحبه وترافقه عن حاتم الأصم -رحمه الله- قال: "ورأيت لكل رجل صديقاً يفشي إليه سره ويشكو إليه؛ فصادقت الخير ليكون معي في الحساب ويجوزَ معي الصراط"، موصياً بفعل الخير فهو النورُ فِي القبر لمَن مات يَحْصُل.

وأضاف: رابعها أن يكون عبدالله مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، فالناس صنفان كما قال صلى الله عليه وسلم: "إن من الناس ناساً مفاتيحُ للخير مغاليقُ للشر ومن الناس ناساً مغاليقُ للخير مفاتيحُ للشر، فطوبى لمَن جعل اللهُ مفاتيحَ الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه".

وأردف: من علامات رضا الله عن العبد أن يجعله مفتاحاً للخير، فإن رؤي ذكر الله برؤيته، وهو يتقلب في الخير، يعمل الخير وينطق بخير ويفكر في خير ويضمر خيراً فهو مفتاح الخير حسبما حضر، وسببُ الخير لكل مَن صحبه والآخر يتقلب في شر ويعمل شراً وينطق بشر ويفكر في شر ويضمر شراً، فهو مفتاح الشر.

وأكّد أمام وخطيب المسجد الحرام، أن إيمان العبد لا يكمُل إلا بتمني الخير لغيره من المسلمين لقوله -عليه أفضل الصلاة والسلام- "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه من الخير".

وقال: خامس هذه القواعد أن يكون المؤمن دليلاً على الخير ليحظى بذلك الجزاء الوافر، قال -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ" وقال -صلى الله عليه وسلم- "إن الدال على الخير كفاعله"، وأنفع ما يقدمه المرء للناس إرشادُهم وتعليمُهم وبذلُ النصح لهم ودَلالتُهم على فعل الخيرات وحثُّهم على استثمار الأوقات وتشجيعُهم على اغتنام القربات.

وأشار إلى أن سادسها، فهو سل الله الثبات على الدين وادعه أن يجعلك ممّن يلزم طاعته وتقواه واستعذ بالله أن يردك على عقبيك فتتركَ الخير وتنقطعَ عنه وتفعلَ الشر وتميلَ نفسُك إليه، فعن أبي ذر -رضي الله عنه- قال: "ولا تأمن لرجل أن يكون على خير فيرجعَ إلى شر فيموتَ بشر، ولا تيأس من رجل يكون على شر فيرجعُ إلى خير فيموت بخير"، ولهذا يجب أن نحاسب أنفسنا على التفريط في جنب الله وندعوَ ربنا أن يثبتنا على فعل الخير حتى الممات.

وأضاف "غزاوي": سابع هذه القواعد التأمل في قوله تعالى: (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ)، فهي تبعث في نفس العبد راحة، وفي قلبه طمأنينة، ذلك أن المحسن إلى الخلق، المخلص في ذلك لا ينتظر تقديراً ولا ثناءً من الخلق، فإنه متى فعل الخير وأيقن بأن ربّه يعلمُه علماً يثيب عليه، هان عليه ما يجده من جحود ونكرانِ بعض الناس للجميل الذي أسداه والمعروف الذي صنعه، بل هو مستشعر قوله تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورا).

ودعا المسلم أن يتحرّى الخيرات ويستكثر منها حتى يعتاد عليها، وتصيرَ له سجيةً في النفس وعادةً في الطبع، كما قرر ذلك -صلى الله عليه وسلم- بقوله: (الْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ)، والمسلم مأمورٌ بأن يطلب الخير في دهره كله، لكنه مطلوبٌ منه أن يجِدَّ ويعزمَ على استغلال الأيام الفاضلة، كفرصة هذا الشهر العظيم الذي تفتح فيه أبواب الجنة، فما على المشمرين إلا أن يُقبلوا وما على المتسابقين إلا أن يبادروا، وقد تيقن المفلحون أن من الغبن والحرمان أن يحرم المرء فضل هذا الشهر، فقد صح عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له".

وقال: حتى يتحقق الاغتنام نحتاج إلى أن نصون أوقاتَنا في رمضان، وشياطين الإنس في رمضان يجتهدون في صرف المسلمين عمّا يكون فيه خيرهم ونفعهم وصلاحهم، كما يجب ألا تلهينا مواقع التواصل ولا غيرُها عن اغتنام أوقات هذا الشهر الفضيل؛ حيث يجد فيها بعض الناس تسلية ومتعة فينشغلون بها وينصرفون عن الجد والاجتهاد في مواسم الخيرات.