تعليمنا والتفكير الناقد!!

قبل نحو 25 عامًا جاء معلم إلى الرياض للعمل في إحدى المدارس (مدرس لغة عربية)، وكان الرجل آنذاك شابًّا أنيقًا، سبق له العمل لمدة عامين في تخصصه نفسه، وكان معلمًا متميزًا، ويمتلك طاقة كبيرة، ولديه رغبة في العمل غير التقليدي، وتهيأ نفسيًّا للقيام بمهمته التربوية في مدرسته الجديدة، وشحذ همته لإثبات تفوقه وقدراته النوعية!! وعندما ذهب إلى مدرسته في يومه الأول كان يرتدي بدلة راقية، ورابطة عنق أنيقة. أخذه الموظف المسؤول؛ ليقابل وكيل المدرسة؛ ليتعرف عليه، ويسند إليه مهام عمله. امتعض الوكيل عندما رأى الشاب، ورد عليه التحية بفتور، ثم قال: "يبدو أنك لا تعلم أن الزي الرسمي هنا في المدرسة هو الثوب". وما هي إلا لحظات حتى جاء المشرف بطالب صغير في الصف الرابع الابتدائي، يرتدي قميصًا وبنطالاً، وكان هذا في عرف المدرسة آنذاك مخالفة تستدعي أخذ الطالب من فصله، وترك حصته؛ ليذهب إلى مكتب الوكيل؛ لينصحه ويوجهه. وكانت المفاجأة في كلام الوكيل للطالب أمام هذا المعلم؛ إذ قال له: "يا ابني، لا يجوز لبس هذا الزي؛ هذا لبس الكفار. أما المسلم فيلبس الثوب"!! فرد الولد ببراءة الأطفال قائلاً: "لكن أبي يلبس مثل لبسي عندما يذهب لعمله وهو مسلم، وأولاد عمي عندما يأتون لزيارتنا يلبسون هكذا وهم مسلمون"!! فقال له الوكيل: "اسمع يا ولد الكلام، ولا تأت غدًا بهذا الزي، والبس الثوب مثل بقية زملائك".

خرج المشرف ومعه الطالب، وفغر المعلم فاه، ولم يدرِ ماذا يقول!! ونظر نظرة استنكار واستغراب مما يحدث؛ فقال له الوكيل: ماذا أصابك؟! قال المعلم: لماذا قلت للطالب هذا لبس الكفار؟! وما موقفي أنا الآن أمام الطلاب؟ ثم كيف ينظرون لمعلم التربية البدنية وهو بالطبع لا يلبس الثوب؟ قال الوكيل: لا بد أن نحبب التلاميذ في الزي الوطني؛ لأنه جزء من الهوية، وجزء من عاداتنا وتقاليدنا، ولا بد أن نحمي مجتمعنا من الذوبان والتحلل!! قال المعلم: أتفق معك في أهمية الحفاظ على الهوية والقيم والعادات والتقاليد، لكن ليس بهذه الطريقة، خاصة أن هناك مهنًا لا يصلح معها لبس الثوب مثل الشرطة والعسكرية والميكانيكي وغيرها.

مرت أيام، وبدأ المعلم يعلِّم طلابه وفق مناهج متطورة، تركز على الفهم والتحليل والاستنباط والنقد والتقييم والتقويم أكثر ما تعتمد على الحفظ والاستظهار، وقبول أي شيء كحقائق مسلَّمة. ومن الأمور التي استحدثها هذا المعلم تفريغ حصة كل مدة لممارسة الأنشطة اللاصفية الحرة. وفي حصة من هذه الحصص دخلت لجنة مكونة من: الوكيل، وموجه المادة، والمستشار الفني المقيم في المدرسة، على المعلم لتقييمه، وكانت الفقرة التي اختارها أحد الطلاب فقرة تقليد المعلمين وإدارة المدرسة، وعندما دخل الضيوف إلى الفصل طلب المعلم من الطالب استكمال الفقرة فتردد، لكن المعلم شجعه، فعبّر بطريقة عفوية لا تخلو من براءة الطفولة عن انتقاده لمعاملة الوكيل للطلاب، وطريقة حديثه معهم ومع المعلمين. وبعد أيام أصدرت اللجنة تقييمها للمعلم بأنه لا يصلح لممارسة مهنة التدريس!!

بالقطع هذه حادثة فردية، لا نعممها، لكنها تعطينا مؤشرًا عما كان موجودًا، وعن نمط تفكير البعض وطريقة تعاطيهم مع الأمور. والآن نسمع أن مدارسنا ستطبّق مناهج التفكير الناقد لتربية أجيال لديها وعي واسع، وقدرات معرفية لم تتوفر لمن قبلهم!! وهذا أمر رائع حقًّا، ومنذ زمن ونحن نتمنى أن ينفَّذ هذا الأمر ويطبَّق في مدارسنا. لكن هل سيُسمح للطلاب بأن يناقشوا أيا موضوع، ويسألوا ويتساءلوا عن أي شيء، مع مراعاة حدود الأدب والقيم طبعًا؟! وماذا لو سأل طالب مثلاً عن سبب صدور أو إلغاء قرار ما؟! ماذا لو أعمل أحد الطلاب ذهنه، وسأل معلميه عن شيء ما في التاريخ أو في الدين أو في غيرهما من الأشياء التي تثير التأمل والنقاش؟! ماذا لو سأل طالب عن غياب معمل العلوم في المدارس، أو عن وجوده وعدم استخدامه بشكل أساسي في عمل تجارب كيميائية؟ ماذا لو سأل طالب عن عدم وجود مكتبة في المدرسة وإن وجدت فعن عدم تفعيل دورها والاهتمام بها؟!!

ختامًا.. لست ممن يعارضون التفكير الناقد أو يقفون ضده، مطلقًا، بل أنا ممن يؤيده ويدعمه، لكنني فقط أحببت التنبيه على بعض الأمور التي قد نجدها في الواقع؛ لنحدد بالضبط كيف سنتعامل معها برفق وحكمة؟!!

غسان عسيلان
اعلان
تعليمنا والتفكير الناقد!!
سبق

قبل نحو 25 عامًا جاء معلم إلى الرياض للعمل في إحدى المدارس (مدرس لغة عربية)، وكان الرجل آنذاك شابًّا أنيقًا، سبق له العمل لمدة عامين في تخصصه نفسه، وكان معلمًا متميزًا، ويمتلك طاقة كبيرة، ولديه رغبة في العمل غير التقليدي، وتهيأ نفسيًّا للقيام بمهمته التربوية في مدرسته الجديدة، وشحذ همته لإثبات تفوقه وقدراته النوعية!! وعندما ذهب إلى مدرسته في يومه الأول كان يرتدي بدلة راقية، ورابطة عنق أنيقة. أخذه الموظف المسؤول؛ ليقابل وكيل المدرسة؛ ليتعرف عليه، ويسند إليه مهام عمله. امتعض الوكيل عندما رأى الشاب، ورد عليه التحية بفتور، ثم قال: "يبدو أنك لا تعلم أن الزي الرسمي هنا في المدرسة هو الثوب". وما هي إلا لحظات حتى جاء المشرف بطالب صغير في الصف الرابع الابتدائي، يرتدي قميصًا وبنطالاً، وكان هذا في عرف المدرسة آنذاك مخالفة تستدعي أخذ الطالب من فصله، وترك حصته؛ ليذهب إلى مكتب الوكيل؛ لينصحه ويوجهه. وكانت المفاجأة في كلام الوكيل للطالب أمام هذا المعلم؛ إذ قال له: "يا ابني، لا يجوز لبس هذا الزي؛ هذا لبس الكفار. أما المسلم فيلبس الثوب"!! فرد الولد ببراءة الأطفال قائلاً: "لكن أبي يلبس مثل لبسي عندما يذهب لعمله وهو مسلم، وأولاد عمي عندما يأتون لزيارتنا يلبسون هكذا وهم مسلمون"!! فقال له الوكيل: "اسمع يا ولد الكلام، ولا تأت غدًا بهذا الزي، والبس الثوب مثل بقية زملائك".

خرج المشرف ومعه الطالب، وفغر المعلم فاه، ولم يدرِ ماذا يقول!! ونظر نظرة استنكار واستغراب مما يحدث؛ فقال له الوكيل: ماذا أصابك؟! قال المعلم: لماذا قلت للطالب هذا لبس الكفار؟! وما موقفي أنا الآن أمام الطلاب؟ ثم كيف ينظرون لمعلم التربية البدنية وهو بالطبع لا يلبس الثوب؟ قال الوكيل: لا بد أن نحبب التلاميذ في الزي الوطني؛ لأنه جزء من الهوية، وجزء من عاداتنا وتقاليدنا، ولا بد أن نحمي مجتمعنا من الذوبان والتحلل!! قال المعلم: أتفق معك في أهمية الحفاظ على الهوية والقيم والعادات والتقاليد، لكن ليس بهذه الطريقة، خاصة أن هناك مهنًا لا يصلح معها لبس الثوب مثل الشرطة والعسكرية والميكانيكي وغيرها.

مرت أيام، وبدأ المعلم يعلِّم طلابه وفق مناهج متطورة، تركز على الفهم والتحليل والاستنباط والنقد والتقييم والتقويم أكثر ما تعتمد على الحفظ والاستظهار، وقبول أي شيء كحقائق مسلَّمة. ومن الأمور التي استحدثها هذا المعلم تفريغ حصة كل مدة لممارسة الأنشطة اللاصفية الحرة. وفي حصة من هذه الحصص دخلت لجنة مكونة من: الوكيل، وموجه المادة، والمستشار الفني المقيم في المدرسة، على المعلم لتقييمه، وكانت الفقرة التي اختارها أحد الطلاب فقرة تقليد المعلمين وإدارة المدرسة، وعندما دخل الضيوف إلى الفصل طلب المعلم من الطالب استكمال الفقرة فتردد، لكن المعلم شجعه، فعبّر بطريقة عفوية لا تخلو من براءة الطفولة عن انتقاده لمعاملة الوكيل للطلاب، وطريقة حديثه معهم ومع المعلمين. وبعد أيام أصدرت اللجنة تقييمها للمعلم بأنه لا يصلح لممارسة مهنة التدريس!!

بالقطع هذه حادثة فردية، لا نعممها، لكنها تعطينا مؤشرًا عما كان موجودًا، وعن نمط تفكير البعض وطريقة تعاطيهم مع الأمور. والآن نسمع أن مدارسنا ستطبّق مناهج التفكير الناقد لتربية أجيال لديها وعي واسع، وقدرات معرفية لم تتوفر لمن قبلهم!! وهذا أمر رائع حقًّا، ومنذ زمن ونحن نتمنى أن ينفَّذ هذا الأمر ويطبَّق في مدارسنا. لكن هل سيُسمح للطلاب بأن يناقشوا أيا موضوع، ويسألوا ويتساءلوا عن أي شيء، مع مراعاة حدود الأدب والقيم طبعًا؟! وماذا لو سأل طالب مثلاً عن سبب صدور أو إلغاء قرار ما؟! ماذا لو أعمل أحد الطلاب ذهنه، وسأل معلميه عن شيء ما في التاريخ أو في الدين أو في غيرهما من الأشياء التي تثير التأمل والنقاش؟! ماذا لو سأل طالب عن غياب معمل العلوم في المدارس، أو عن وجوده وعدم استخدامه بشكل أساسي في عمل تجارب كيميائية؟ ماذا لو سأل طالب عن عدم وجود مكتبة في المدرسة وإن وجدت فعن عدم تفعيل دورها والاهتمام بها؟!!

ختامًا.. لست ممن يعارضون التفكير الناقد أو يقفون ضده، مطلقًا، بل أنا ممن يؤيده ويدعمه، لكنني فقط أحببت التنبيه على بعض الأمور التي قد نجدها في الواقع؛ لنحدد بالضبط كيف سنتعامل معها برفق وحكمة؟!!

16 يونيو 2021 - 6 ذو القعدة 1442
09:57 PM
اخر تعديل
23 يوليو 2021 - 13 ذو الحجة 1442
12:57 PM

تعليمنا والتفكير الناقد!!

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
0
663

قبل نحو 25 عامًا جاء معلم إلى الرياض للعمل في إحدى المدارس (مدرس لغة عربية)، وكان الرجل آنذاك شابًّا أنيقًا، سبق له العمل لمدة عامين في تخصصه نفسه، وكان معلمًا متميزًا، ويمتلك طاقة كبيرة، ولديه رغبة في العمل غير التقليدي، وتهيأ نفسيًّا للقيام بمهمته التربوية في مدرسته الجديدة، وشحذ همته لإثبات تفوقه وقدراته النوعية!! وعندما ذهب إلى مدرسته في يومه الأول كان يرتدي بدلة راقية، ورابطة عنق أنيقة. أخذه الموظف المسؤول؛ ليقابل وكيل المدرسة؛ ليتعرف عليه، ويسند إليه مهام عمله. امتعض الوكيل عندما رأى الشاب، ورد عليه التحية بفتور، ثم قال: "يبدو أنك لا تعلم أن الزي الرسمي هنا في المدرسة هو الثوب". وما هي إلا لحظات حتى جاء المشرف بطالب صغير في الصف الرابع الابتدائي، يرتدي قميصًا وبنطالاً، وكان هذا في عرف المدرسة آنذاك مخالفة تستدعي أخذ الطالب من فصله، وترك حصته؛ ليذهب إلى مكتب الوكيل؛ لينصحه ويوجهه. وكانت المفاجأة في كلام الوكيل للطالب أمام هذا المعلم؛ إذ قال له: "يا ابني، لا يجوز لبس هذا الزي؛ هذا لبس الكفار. أما المسلم فيلبس الثوب"!! فرد الولد ببراءة الأطفال قائلاً: "لكن أبي يلبس مثل لبسي عندما يذهب لعمله وهو مسلم، وأولاد عمي عندما يأتون لزيارتنا يلبسون هكذا وهم مسلمون"!! فقال له الوكيل: "اسمع يا ولد الكلام، ولا تأت غدًا بهذا الزي، والبس الثوب مثل بقية زملائك".

خرج المشرف ومعه الطالب، وفغر المعلم فاه، ولم يدرِ ماذا يقول!! ونظر نظرة استنكار واستغراب مما يحدث؛ فقال له الوكيل: ماذا أصابك؟! قال المعلم: لماذا قلت للطالب هذا لبس الكفار؟! وما موقفي أنا الآن أمام الطلاب؟ ثم كيف ينظرون لمعلم التربية البدنية وهو بالطبع لا يلبس الثوب؟ قال الوكيل: لا بد أن نحبب التلاميذ في الزي الوطني؛ لأنه جزء من الهوية، وجزء من عاداتنا وتقاليدنا، ولا بد أن نحمي مجتمعنا من الذوبان والتحلل!! قال المعلم: أتفق معك في أهمية الحفاظ على الهوية والقيم والعادات والتقاليد، لكن ليس بهذه الطريقة، خاصة أن هناك مهنًا لا يصلح معها لبس الثوب مثل الشرطة والعسكرية والميكانيكي وغيرها.

مرت أيام، وبدأ المعلم يعلِّم طلابه وفق مناهج متطورة، تركز على الفهم والتحليل والاستنباط والنقد والتقييم والتقويم أكثر ما تعتمد على الحفظ والاستظهار، وقبول أي شيء كحقائق مسلَّمة. ومن الأمور التي استحدثها هذا المعلم تفريغ حصة كل مدة لممارسة الأنشطة اللاصفية الحرة. وفي حصة من هذه الحصص دخلت لجنة مكونة من: الوكيل، وموجه المادة، والمستشار الفني المقيم في المدرسة، على المعلم لتقييمه، وكانت الفقرة التي اختارها أحد الطلاب فقرة تقليد المعلمين وإدارة المدرسة، وعندما دخل الضيوف إلى الفصل طلب المعلم من الطالب استكمال الفقرة فتردد، لكن المعلم شجعه، فعبّر بطريقة عفوية لا تخلو من براءة الطفولة عن انتقاده لمعاملة الوكيل للطلاب، وطريقة حديثه معهم ومع المعلمين. وبعد أيام أصدرت اللجنة تقييمها للمعلم بأنه لا يصلح لممارسة مهنة التدريس!!

بالقطع هذه حادثة فردية، لا نعممها، لكنها تعطينا مؤشرًا عما كان موجودًا، وعن نمط تفكير البعض وطريقة تعاطيهم مع الأمور. والآن نسمع أن مدارسنا ستطبّق مناهج التفكير الناقد لتربية أجيال لديها وعي واسع، وقدرات معرفية لم تتوفر لمن قبلهم!! وهذا أمر رائع حقًّا، ومنذ زمن ونحن نتمنى أن ينفَّذ هذا الأمر ويطبَّق في مدارسنا. لكن هل سيُسمح للطلاب بأن يناقشوا أيا موضوع، ويسألوا ويتساءلوا عن أي شيء، مع مراعاة حدود الأدب والقيم طبعًا؟! وماذا لو سأل طالب مثلاً عن سبب صدور أو إلغاء قرار ما؟! ماذا لو أعمل أحد الطلاب ذهنه، وسأل معلميه عن شيء ما في التاريخ أو في الدين أو في غيرهما من الأشياء التي تثير التأمل والنقاش؟! ماذا لو سأل طالب عن غياب معمل العلوم في المدارس، أو عن وجوده وعدم استخدامه بشكل أساسي في عمل تجارب كيميائية؟ ماذا لو سأل طالب عن عدم وجود مكتبة في المدرسة وإن وجدت فعن عدم تفعيل دورها والاهتمام بها؟!!

ختامًا.. لست ممن يعارضون التفكير الناقد أو يقفون ضده، مطلقًا، بل أنا ممن يؤيده ويدعمه، لكنني فقط أحببت التنبيه على بعض الأمور التي قد نجدها في الواقع؛ لنحدد بالضبط كيف سنتعامل معها برفق وحكمة؟!!