بيروقراطية تقنية

حينما كنت أحاول قراءة مقالات الرأي في الصحف اليومية الورقية كان الضجر من البيروقراطية علامة فارقة في تاريخ تلك المقالات، وكانت وصمة لوم وأداة نقد توجَّه للجهات الحكومية؛ فكل معاناة في أي قطاع حكومي تحال أسبابها للبيروقراطية الإدارية التي تؤخِّر إنجاز المعاملات، وتعيق الحركة الطبيعية لأي معاملة.. إلى أن جاءت التقنية كغزوة فتح، نقلت المعاملات من حال إلى حال، وسرّعت من إنجاز الأعمال، فقصرت المدد، وأذابت حاجز المكان؛ إذ يمكن للمرء أن يرفع طلبه بضغطة زر وتصله الموافقة في اليوم اللاحق أو اليوم الذي يليه كحد زمني أقصى تأخذه المعاملة في مسارها إن كانت مكتملة المتطلبات، وقد لا يحتاج المرء إلى 48 ساعة لتُنهَى إجراءات معاملته؛ إذ قد تُنجَز خلال اليوم الذي رُفعت فيه بكل يسر سهولة.. ثم جاءت رؤية 2030 حاملة معها راية التحول الرقمي، التي كانت بمنزلة عاصفة تغيير تسعى للاستفادة من جميع الإمكانات المتاحة، وتطويع غير المتاحة لخدمة الإنسان.

ورغم كل ذلك إلا أن البيروقراطية الإدارية انتقلت مع بعض العاملين في بعض القطاعات، وأصبحت بيروقراطية تقنية، من عينة: "ارفع طلبك ونراجعه، النظام عطلان، فيه عطل تقني اصبر نحله... إلخ". هذه الأعذار وغيرها من الأعذار التي لا يحملها إلا موظف لا يعرف القيمة الحقيقية لاستبدال المعاملات الورقية و"راجعنا بكرة" بالتقنية! ولاسيما الموظفين العاملين في نظام ماهر، وهو النظام الذي وُضع لتسهيل الإجراءات، لكن ضعف المعرفة التقنية والكفاءة الإدارية لبعض المسؤولين في الوزارة، وعدم إدراك بعض المنتسبين لقطاعاتها الفارق بين استخدام التقنية و"عبي النموذج وارفع نسخة منه مع طلبك في الموقع"، هما ما أخَّرا معاملات الكثير من منسوبيها؛ وهو ما اضطرهم إلى استخدام نظام تخابر الذي يرفعون من خلاله شكاواهم على نظام ماهر، ويطلبون أيضًا من خلاله مقابلة بعض المسؤولين.

تقول القاعدة إن الهدف الرئيس من استحداث نظام جديد هو تنظيم العمل، وتقليل الأخطاء، مع تجويد المخرجات. وحينما لا يدرك الموظفون القيمة الحقيقية للنظام، وطريقة تطبيق النظام، فلن يحقق أهدافه.

مها الجبر
اعلان
بيروقراطية تقنية
سبق

حينما كنت أحاول قراءة مقالات الرأي في الصحف اليومية الورقية كان الضجر من البيروقراطية علامة فارقة في تاريخ تلك المقالات، وكانت وصمة لوم وأداة نقد توجَّه للجهات الحكومية؛ فكل معاناة في أي قطاع حكومي تحال أسبابها للبيروقراطية الإدارية التي تؤخِّر إنجاز المعاملات، وتعيق الحركة الطبيعية لأي معاملة.. إلى أن جاءت التقنية كغزوة فتح، نقلت المعاملات من حال إلى حال، وسرّعت من إنجاز الأعمال، فقصرت المدد، وأذابت حاجز المكان؛ إذ يمكن للمرء أن يرفع طلبه بضغطة زر وتصله الموافقة في اليوم اللاحق أو اليوم الذي يليه كحد زمني أقصى تأخذه المعاملة في مسارها إن كانت مكتملة المتطلبات، وقد لا يحتاج المرء إلى 48 ساعة لتُنهَى إجراءات معاملته؛ إذ قد تُنجَز خلال اليوم الذي رُفعت فيه بكل يسر سهولة.. ثم جاءت رؤية 2030 حاملة معها راية التحول الرقمي، التي كانت بمنزلة عاصفة تغيير تسعى للاستفادة من جميع الإمكانات المتاحة، وتطويع غير المتاحة لخدمة الإنسان.

ورغم كل ذلك إلا أن البيروقراطية الإدارية انتقلت مع بعض العاملين في بعض القطاعات، وأصبحت بيروقراطية تقنية، من عينة: "ارفع طلبك ونراجعه، النظام عطلان، فيه عطل تقني اصبر نحله... إلخ". هذه الأعذار وغيرها من الأعذار التي لا يحملها إلا موظف لا يعرف القيمة الحقيقية لاستبدال المعاملات الورقية و"راجعنا بكرة" بالتقنية! ولاسيما الموظفين العاملين في نظام ماهر، وهو النظام الذي وُضع لتسهيل الإجراءات، لكن ضعف المعرفة التقنية والكفاءة الإدارية لبعض المسؤولين في الوزارة، وعدم إدراك بعض المنتسبين لقطاعاتها الفارق بين استخدام التقنية و"عبي النموذج وارفع نسخة منه مع طلبك في الموقع"، هما ما أخَّرا معاملات الكثير من منسوبيها؛ وهو ما اضطرهم إلى استخدام نظام تخابر الذي يرفعون من خلاله شكاواهم على نظام ماهر، ويطلبون أيضًا من خلاله مقابلة بعض المسؤولين.

تقول القاعدة إن الهدف الرئيس من استحداث نظام جديد هو تنظيم العمل، وتقليل الأخطاء، مع تجويد المخرجات. وحينما لا يدرك الموظفون القيمة الحقيقية للنظام، وطريقة تطبيق النظام، فلن يحقق أهدافه.

17 إبريل 2021 - 5 رمضان 1442
11:19 PM
اخر تعديل
16 مايو 2021 - 4 شوّال 1442
06:17 AM

بيروقراطية تقنية

مها الجبر - الرياض
A A A
0
618

حينما كنت أحاول قراءة مقالات الرأي في الصحف اليومية الورقية كان الضجر من البيروقراطية علامة فارقة في تاريخ تلك المقالات، وكانت وصمة لوم وأداة نقد توجَّه للجهات الحكومية؛ فكل معاناة في أي قطاع حكومي تحال أسبابها للبيروقراطية الإدارية التي تؤخِّر إنجاز المعاملات، وتعيق الحركة الطبيعية لأي معاملة.. إلى أن جاءت التقنية كغزوة فتح، نقلت المعاملات من حال إلى حال، وسرّعت من إنجاز الأعمال، فقصرت المدد، وأذابت حاجز المكان؛ إذ يمكن للمرء أن يرفع طلبه بضغطة زر وتصله الموافقة في اليوم اللاحق أو اليوم الذي يليه كحد زمني أقصى تأخذه المعاملة في مسارها إن كانت مكتملة المتطلبات، وقد لا يحتاج المرء إلى 48 ساعة لتُنهَى إجراءات معاملته؛ إذ قد تُنجَز خلال اليوم الذي رُفعت فيه بكل يسر سهولة.. ثم جاءت رؤية 2030 حاملة معها راية التحول الرقمي، التي كانت بمنزلة عاصفة تغيير تسعى للاستفادة من جميع الإمكانات المتاحة، وتطويع غير المتاحة لخدمة الإنسان.

ورغم كل ذلك إلا أن البيروقراطية الإدارية انتقلت مع بعض العاملين في بعض القطاعات، وأصبحت بيروقراطية تقنية، من عينة: "ارفع طلبك ونراجعه، النظام عطلان، فيه عطل تقني اصبر نحله... إلخ". هذه الأعذار وغيرها من الأعذار التي لا يحملها إلا موظف لا يعرف القيمة الحقيقية لاستبدال المعاملات الورقية و"راجعنا بكرة" بالتقنية! ولاسيما الموظفين العاملين في نظام ماهر، وهو النظام الذي وُضع لتسهيل الإجراءات، لكن ضعف المعرفة التقنية والكفاءة الإدارية لبعض المسؤولين في الوزارة، وعدم إدراك بعض المنتسبين لقطاعاتها الفارق بين استخدام التقنية و"عبي النموذج وارفع نسخة منه مع طلبك في الموقع"، هما ما أخَّرا معاملات الكثير من منسوبيها؛ وهو ما اضطرهم إلى استخدام نظام تخابر الذي يرفعون من خلاله شكاواهم على نظام ماهر، ويطلبون أيضًا من خلاله مقابلة بعض المسؤولين.

تقول القاعدة إن الهدف الرئيس من استحداث نظام جديد هو تنظيم العمل، وتقليل الأخطاء، مع تجويد المخرجات. وحينما لا يدرك الموظفون القيمة الحقيقية للنظام، وطريقة تطبيق النظام، فلن يحقق أهدافه.