إرهاصات العقل الباطن!

(ويفوز باللذات كل مغامر.. ويموت بالحسرات كل جبان). يُنسب هذا البيت من الشعر إلى شاعر أندلسي، يدعى (أبو البقاء الرندي)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وعاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الداخل والخارج في بلاد الأندلس، وشهد سقوط معظم القواعد الأندلسية في يد الإسبان، وحياته التفصيلية تكاد تكون مجهولة.

وبعيدًا عن بيت الشعر وشاعره، وحقبته الزمنية التي يمثلها، إلا أنه يقودنا للحديث عن مؤشرات عدة، تضمنتها كلمات هذا البيت. فعندما نمعن النظر في يوميات حياتنا وتفاصيلها العديدة، ومراحلها المتعددة والمتقلبة، نجد أن تراكمية الخبرة والدروس المستوحاة من مدرسة الحياة الكبيرة قد تكون نوعًا ما حاجزًا بيننا وبين العبور إلى فرص المستقبل؛ فالإنسان بطبعه جُبل على التوجس والحذر؛ إذ يقال إن الخوف هو أعلى درجات الحذر. ولعل من أهم أسباب هذا الحذر، وعلو مقياس درجاته لدى الفرد، ما مَرَّ به من تجارب ودروس وإخفاقات، جعلت إرهاصاتها لديه الكثير من التردد والحذر والخوف من الجديد الطارئ، والتمسك بما هو قديم تليد، حتى أن ذلك قد يكون على مستوى القيم والقناعات ونمط الحياة؛ فالناس بطبعهم أعداء ما جهلوا. وقد اعتاد فكر الفرد والجماعات على استسقاء محركات خطواتهم من إرهاصات الماضي وتجارب الحياة؛ فكلما زادت تراكمية الخبرة لدى الإنسان تراجع مستوى المغامرة وحب الولوج إلى الفضاء الجديد لديه، وهذا ما يقودنا للأسف للاعتراف بأن الخبرة قد تكون حائلاً في أحيان كثيرة بيننا وبين التطور والانعتاق من الماضي، أو حتى الخروج من بوتقة الحاضر، بالرغم مما فيها من عقلانية القرار أحيانًا ورشده، ولكن عندما نحاول أن نمنطق الأمور، ونصوب سهام الحلول إلى هذه المعضلة الفكرية، بل النفسية في آن واحد، فإننا نقول إن قاعدة "اعقلها وتوكل" كما جاء في الحديث النبوي الشريف فيها من الخير الكثير لهذا الأمر؛ فلا يغنى الحذر من قدر. يقول الله سبحانه ﴿قل لاۤ أمۡلك لنفۡسی نفۡعࣰا ولا ضرا إلا ما شاۤء ٱللهۚ ولوۡ كنت أعۡلم ٱلۡغیۡب لٱسۡتكۡثرۡت من ٱلۡخیۡر وما مسنی ٱلسوۤءۚ﴾.

فالأخذ بالأسباب والعوامل المؤثرة بالنجاح خير من الركون إلى إرهاصات العقل الباطن وتجاربه السابقة؛ حتى لا تكون تراكمية أو مخزون المعرفة حاجزًا ومانعًا للتطور والتغير، بل تكون أداة قياس وتوجيه لنا؛ لنعرف متى نقدم ومتى نحجم.. وأخيرًا الاعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق الأمثل للتعاطي مع مجريات الحياة ومسارها نحو آفاق جديدة متزنة، تجمع بين الماضي والحاضر، وتفهم الآخر بشكله الجديد، والوصول إلى القدرة على التأقلم والتكيف مع مجريات الحياة ومتطلباتها، والتعامل الأمثل مع متغيراتها.. فعقولنا شديدة المرونة إزاء الثقافة المحيطة، وكل ما تحتاج إليه هو "تطمينات" وضمانات بشأن "الآخر والمستقبل"، وإلى شيء من الاعتياد والتكرار لكسح حواجز القلق والخوف.

سعد آل حماد
اعلان
إرهاصات العقل الباطن!
سبق

(ويفوز باللذات كل مغامر.. ويموت بالحسرات كل جبان). يُنسب هذا البيت من الشعر إلى شاعر أندلسي، يدعى (أبو البقاء الرندي)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وعاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الداخل والخارج في بلاد الأندلس، وشهد سقوط معظم القواعد الأندلسية في يد الإسبان، وحياته التفصيلية تكاد تكون مجهولة.

وبعيدًا عن بيت الشعر وشاعره، وحقبته الزمنية التي يمثلها، إلا أنه يقودنا للحديث عن مؤشرات عدة، تضمنتها كلمات هذا البيت. فعندما نمعن النظر في يوميات حياتنا وتفاصيلها العديدة، ومراحلها المتعددة والمتقلبة، نجد أن تراكمية الخبرة والدروس المستوحاة من مدرسة الحياة الكبيرة قد تكون نوعًا ما حاجزًا بيننا وبين العبور إلى فرص المستقبل؛ فالإنسان بطبعه جُبل على التوجس والحذر؛ إذ يقال إن الخوف هو أعلى درجات الحذر. ولعل من أهم أسباب هذا الحذر، وعلو مقياس درجاته لدى الفرد، ما مَرَّ به من تجارب ودروس وإخفاقات، جعلت إرهاصاتها لديه الكثير من التردد والحذر والخوف من الجديد الطارئ، والتمسك بما هو قديم تليد، حتى أن ذلك قد يكون على مستوى القيم والقناعات ونمط الحياة؛ فالناس بطبعهم أعداء ما جهلوا. وقد اعتاد فكر الفرد والجماعات على استسقاء محركات خطواتهم من إرهاصات الماضي وتجارب الحياة؛ فكلما زادت تراكمية الخبرة لدى الإنسان تراجع مستوى المغامرة وحب الولوج إلى الفضاء الجديد لديه، وهذا ما يقودنا للأسف للاعتراف بأن الخبرة قد تكون حائلاً في أحيان كثيرة بيننا وبين التطور والانعتاق من الماضي، أو حتى الخروج من بوتقة الحاضر، بالرغم مما فيها من عقلانية القرار أحيانًا ورشده، ولكن عندما نحاول أن نمنطق الأمور، ونصوب سهام الحلول إلى هذه المعضلة الفكرية، بل النفسية في آن واحد، فإننا نقول إن قاعدة "اعقلها وتوكل" كما جاء في الحديث النبوي الشريف فيها من الخير الكثير لهذا الأمر؛ فلا يغنى الحذر من قدر. يقول الله سبحانه ﴿قل لاۤ أمۡلك لنفۡسی نفۡعࣰا ولا ضرا إلا ما شاۤء ٱللهۚ ولوۡ كنت أعۡلم ٱلۡغیۡب لٱسۡتكۡثرۡت من ٱلۡخیۡر وما مسنی ٱلسوۤءۚ﴾.

فالأخذ بالأسباب والعوامل المؤثرة بالنجاح خير من الركون إلى إرهاصات العقل الباطن وتجاربه السابقة؛ حتى لا تكون تراكمية أو مخزون المعرفة حاجزًا ومانعًا للتطور والتغير، بل تكون أداة قياس وتوجيه لنا؛ لنعرف متى نقدم ومتى نحجم.. وأخيرًا الاعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق الأمثل للتعاطي مع مجريات الحياة ومسارها نحو آفاق جديدة متزنة، تجمع بين الماضي والحاضر، وتفهم الآخر بشكله الجديد، والوصول إلى القدرة على التأقلم والتكيف مع مجريات الحياة ومتطلباتها، والتعامل الأمثل مع متغيراتها.. فعقولنا شديدة المرونة إزاء الثقافة المحيطة، وكل ما تحتاج إليه هو "تطمينات" وضمانات بشأن "الآخر والمستقبل"، وإلى شيء من الاعتياد والتكرار لكسح حواجز القلق والخوف.

26 فبراير 2021 - 14 رجب 1442
10:02 PM

إرهاصات العقل الباطن!

سعد آل حماد - الرياض
A A A
1
690

(ويفوز باللذات كل مغامر.. ويموت بالحسرات كل جبان). يُنسب هذا البيت من الشعر إلى شاعر أندلسي، يدعى (أبو البقاء الرندي)، عاش في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وعاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الداخل والخارج في بلاد الأندلس، وشهد سقوط معظم القواعد الأندلسية في يد الإسبان، وحياته التفصيلية تكاد تكون مجهولة.

وبعيدًا عن بيت الشعر وشاعره، وحقبته الزمنية التي يمثلها، إلا أنه يقودنا للحديث عن مؤشرات عدة، تضمنتها كلمات هذا البيت. فعندما نمعن النظر في يوميات حياتنا وتفاصيلها العديدة، ومراحلها المتعددة والمتقلبة، نجد أن تراكمية الخبرة والدروس المستوحاة من مدرسة الحياة الكبيرة قد تكون نوعًا ما حاجزًا بيننا وبين العبور إلى فرص المستقبل؛ فالإنسان بطبعه جُبل على التوجس والحذر؛ إذ يقال إن الخوف هو أعلى درجات الحذر. ولعل من أهم أسباب هذا الحذر، وعلو مقياس درجاته لدى الفرد، ما مَرَّ به من تجارب ودروس وإخفاقات، جعلت إرهاصاتها لديه الكثير من التردد والحذر والخوف من الجديد الطارئ، والتمسك بما هو قديم تليد، حتى أن ذلك قد يكون على مستوى القيم والقناعات ونمط الحياة؛ فالناس بطبعهم أعداء ما جهلوا. وقد اعتاد فكر الفرد والجماعات على استسقاء محركات خطواتهم من إرهاصات الماضي وتجارب الحياة؛ فكلما زادت تراكمية الخبرة لدى الإنسان تراجع مستوى المغامرة وحب الولوج إلى الفضاء الجديد لديه، وهذا ما يقودنا للأسف للاعتراف بأن الخبرة قد تكون حائلاً في أحيان كثيرة بيننا وبين التطور والانعتاق من الماضي، أو حتى الخروج من بوتقة الحاضر، بالرغم مما فيها من عقلانية القرار أحيانًا ورشده، ولكن عندما نحاول أن نمنطق الأمور، ونصوب سهام الحلول إلى هذه المعضلة الفكرية، بل النفسية في آن واحد، فإننا نقول إن قاعدة "اعقلها وتوكل" كما جاء في الحديث النبوي الشريف فيها من الخير الكثير لهذا الأمر؛ فلا يغنى الحذر من قدر. يقول الله سبحانه ﴿قل لاۤ أمۡلك لنفۡسی نفۡعࣰا ولا ضرا إلا ما شاۤء ٱللهۚ ولوۡ كنت أعۡلم ٱلۡغیۡب لٱسۡتكۡثرۡت من ٱلۡخیۡر وما مسنی ٱلسوۤءۚ﴾.

فالأخذ بالأسباب والعوامل المؤثرة بالنجاح خير من الركون إلى إرهاصات العقل الباطن وتجاربه السابقة؛ حتى لا تكون تراكمية أو مخزون المعرفة حاجزًا ومانعًا للتطور والتغير، بل تكون أداة قياس وتوجيه لنا؛ لنعرف متى نقدم ومتى نحجم.. وأخيرًا الاعتراف بهذه الحقيقة هو الترياق الأمثل للتعاطي مع مجريات الحياة ومسارها نحو آفاق جديدة متزنة، تجمع بين الماضي والحاضر، وتفهم الآخر بشكله الجديد، والوصول إلى القدرة على التأقلم والتكيف مع مجريات الحياة ومتطلباتها، والتعامل الأمثل مع متغيراتها.. فعقولنا شديدة المرونة إزاء الثقافة المحيطة، وكل ما تحتاج إليه هو "تطمينات" وضمانات بشأن "الآخر والمستقبل"، وإلى شيء من الاعتياد والتكرار لكسح حواجز القلق والخوف.