الأسئلة الصعبة حول السعودية.. محمد بن سلمان يجيب

في جولته العالمية التاريخية الأخيرة (أبريل 2018م) والتي زار فيها (المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، إسبانيا) أجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ثلاثة حوارات مع ثلاث من أبرز وسائل الإعلام العالمية: قناة "CBS"، ومجلة "ذا أتلانتيك" ومجلة "التايم".. كان واضحاً أن الأمير لم يضع أية قيود على الأسئلة؛ كاشفاً في شفافية مطلقة عما يمكن اعتباره وثيقة وخارطة طريق للسعودية نحو مستقبل رؤيتها الوطنية 2030م:

"سبق" تقرأ في هذا التقرير أبرز الملامح حول ذلك:

- الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام.

- لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف بل بالنشر السلمي لكلمة الله.

- هذه صورة السعودية الحقيقية وليس ما هو موجود في ذهنية الإعلام الغربي.

- قوانينا تأتي من الإسلام والقرآن ولدينا أربعة مذاهب اختلافُها رحمة.

- على مدى الأربعين عاماً المنصرمة هذه ليست هي السعودية الحقيقية.

- أتحدى أي شخص يمكنه جلب دليل على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة.

- إذا قرأت المراسيم؛ سترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ القرارات.

- نودّ أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع؛ ما دمنا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور.

- لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

- من الخطأ أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح.

- حتى اليوم لا تزال المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة.. تبقّى طريقٌ قصير لنقطعه.

- إيران تلعب دوراً ضاراً وتقوم على أيدولوجية خالصة.

- لدينا سيناريو حرب محتملة في الشرق الأوسط حالياً، وعلينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن.

- في اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي.

- أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا.

- لا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين.

- موقف المملكة من نقل السفارة هو ما قاله الملك سلمان لأبي مازن.

- خططنا تتمحور حول 90% من قدرات المملكة لم تُستخدم بعد.

- بدون دعم الناس لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة.

في التاريخ السياسي الحديث وعند الحديث عن كواليس السياسة وأشهر الأساليب، تبدو مفارقة "الشفافية" مع الدبلوماسية. ولعل من أبرز المقولات ما نُقل عن المستشار السياسي الروسي الشهير يوري أوشاكوف في حديثه عن فقيد الدبلوماسية السعودية الراحل سعود الفيصل رحمه الله، بقوله: "سعود الفيصل يتحدث بوضوح تام؛ مما يجعل محادثيه في حيرة من أمرهم، كيف يكون وزير خارجية بهذا الصدق والشفافية المطلقة".

مفهوم جديد:

الدبلوماسية السعودية بثبات مبادئها، ربما تضع حالياً معايير جديدة غير مسبوقة أو مألوفة؛ فحوارات المسؤولين السعوديين -خصوصاً في عهد سلمان الحزم- تمرّ بمرحلة جديدة بمقتضيات عديدة، وإن كان لا بد من أمثلة؛ فعلى رأسها المفهوم الجديد الذي يتحدث به ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير بن سلمان بن عبدالعزيز؛ حيث يمكن القول بنفس البساطة، أن حوارات الأمير تفيض بشفافية خارج المنطق الدبلوماسي المتعارف عليه، وفي نفس الوقت هي تقول الحقائق وتتعامل مع الوقائع ببساطة عجيبة ومباشرة. لسان الحال "لا شيء لدينا لنخفيه هكذا نذهب للمستقبل".

هذا ما سنفعله:

في آخر ثلاثة حوارات للأمير مع وسائل إعلام غريبة (CBS، ذات أتلانتيك، التايم) يمكن الجزم بأن الأمير تَحَدّث بشفافية فاقت كل توقع لتلك الوسائل -المولودة في بيئة ديموقراطية متحررة- والتي أدهشها الأمير بتقديم لغة عالية مليئة بالثقة، وتقول ببساطة هذا ما سنفعله.

في الحوارات الثلاثة كانت هناك قواسم مشتركة حول مواضيع معينة؛ غير أنه في كل مرة كان الأمير يؤكد الثوابت ويتعاطى مع المستجدات؛ بل لا يجد حرجاً في سرد شواهد مدهشة عن بلاد تُعَد متقدمة جداً؛ ولكن السعودية تتفوق عليها في جانب ما، أو أن تلك البلاد لم تكن أفضل في حال الإقرار بوضع كان ومن المهم العمل على تغييره.

صورة الإسلام:

الحديث عن صورة الإسلام الناصعة كان قاسماً مشتركاً في حديث ولي العهد؛ ففي حواره مع جيفري غولدينبرغ من مجلة "ذا أتلانتيك"، يؤكد الأمير أن "الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام، ربنا في الإسلام وضع على عاتقنا مسؤوليتين: أولاً الإيمان والقيام بكل ما هو جيد وتجنب المعاصي، وفي حال عصينا؛ فإن الله سيحاسبنا يوم الحساب.. وواجبنا الثاني كمسلمين هو نشر كلمة الله سبحانه".

وفي دقة تجيب على السؤال الضمني عن حقيقة نشر الإسلام بالسيف، يجيب سموه: "على مدى 1400 سنة، كان المسلمون يسعون لنشر كلمة الله في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، لم يكن مسموحاً لهم بنشر كلمة الله بالحسنى؛ لذلك قاموا بالقتال من أجل نشر الرسالة، وهذا واجبنا؛ ولكنك ترى أيضاً أنه في العديد من الدول في آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا والهند؛ كان لدى المسلمين الحرية في نشر كلمة الله، وقد قيل لهم: تفضلوا بإمكانكم قول ما ترغبونه وللناس حق الإيمان بما يشاؤون. في هذا السياق، لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف؛ بل بالنشر السلمي لكلمة الله".

وفي حواره مع مجلة "التايم" وعن نفس الإطار العام عن الإسلام يجيب: "نعتقد أن الممارسة اليوم في القليل من الدول -من بينها السعودية- ليست ممارسة الإسلام؛ بل هي من ممارسة الأشخاص الذين اختطفوا الإسلام بعد عام (1979م). الإسلام مختلف تماماً عما يحاول المتطرفون الترويج له اليوم".

*صورة المملكة في الذهنية الغربية:

عمق وشفافية ولي العهد كانت شجاعة جداً في التصدي للأسئلة العالقة في الذهنية الغربية عن بلد مثل المملكة العربية السعودية، يسعى الكثير من الظلاميين ويصرون على إلصاق تهم مثل التطرف وغيره بهذا البلد؛ ففي حوار "ذا أتلانتيك"، ورداً على سؤال عما وصفه المذيع بـ"الوهابية" يرد الأمير: "قبل كل شيء، هذ المصطلح (الوهابية) هل يمكنك أن تعرّفه لنا؟ نحن لا نعرف أي شيء عنه".

براعة الأمير أظهرت أن ليس أقوى الردود دائماً تفسير الإجابة أو التصدي لها؛ بل أحياناً وعندما يستلزم الأمر؛ التأكيد على أن السؤال يحمل الخطأ. يدور الحوار الشيق:

* جيفري غولدبيرغ: ماذا تقصد بأنك لا تعرف عنه شيئاً؟

- محمد بن سلمان: ما هي الوهابية؟

* جيفري غولدبيرغ: أنت ولي عهد المملكة العربية السعودية، بالتأكيد أنك تعرف الوهابية.

- محمد بن سلمان: لا أحد بإمكانه تعريف هذا المصطلح "الوهابية".

*جيفري غولدبيرغ: إنها حركة أسسها ابن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، وهي ذات طبيعة أصولية متطرفة وتفسير متشدد للسلفية.

- محمد بن سلمان: لا أحد يستطيع تعريف ما تسمونه "الوهابية"، ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية؛ ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنةً، وكذلك لدينا مسلمون شيعة. ونؤمن بأن لدينا في الإسلام السني أربع مدارس فقهية، كما أن لدينا العلماء الشرعيين المعتبرين ومجلس الإفتاء. نعم في المملكة العربية السعودية واضحٌ أن قوانيننا تأتي من الإسلام والقرآن، ولدينا المذاهب الأربعة (الحنبلية، الحنفية، الشافعية، والمالكية) وهي مذاهب تختلف فيما بينها في بعض الأمور، وهذا أمر صحي ورحمة".

ما وراء الأسئلة:

الأمير الشاب يدرك بشكل مدهش ما وراء الأسئلة، ويتعامل معها بما يُنصِف صورة السعودية، وهنا الغرابة السياسية في سرد حقائق تنحّي منطق الدبلوماسية المتمنع.. الواضح أن الأمير يمتلك الثقة والحقائق.

الحديث عن المجتمع السعودي وتناول غرائبيات عنه ومحاولات وصفه بالرجعية؛ بالتأكيد هو هدف لوسائل الإعلام الغربية؛ سواء بموضوعية من وسائل محترمة تبحث عن إجابة منصفة أو من جهات عكس ذلك.

الأمير يستمر في الإيضاح: "في السعودية لدينا أمور مشتركة؛ جميعنا مسلمون، جميعنا نتحدث العربية، وكلنا لدينا نفس الثقافة ونفس الاهتمام. عندما يتحدث بعضكم عن الوهابية؛ فهم لا يعرفون بالضبط ما الذي يتحدثون عنه".

حول نفس النقطة تقريباً وفي حواره مع مجلة "التايم" يرد الأمير بسؤال: "من هو الوهابي؟ ينبغي عليك أن تشرح من هو الوهابي؛ لأنه لا يوجد شيء يُعرف بالوهابي، وإن هذه عبارة عن أحد أفكار المتطرفين بعد عام 79؛ وذلك لإدخال العامل الوهابي لكي يكون السعوديون جزءاً من شيء لا ينتمون له".

السعودية الحقيقية:

أيضاً في حواره مع قناة "CBS" يقر الأمير بأنه من بعد عام 1979م تأثرت صورة الإسلام المعتدل في السعودية؛ مضيفاً: "من بعد عام 1979م، أصبح هذا حقيقة، كنا ضحايا؛ ولا سيما جيلي الذي عانى من هذا الأمر بشكل كبير".

ويصحح الأمير الصورة بقوله: "على مدى الأربعين عاماً المنصرمة، ليست هذه هي السعودية الحقيقية.. إنني أطلب من المشاهدين استخدام هواتفهم الذكية لمعرفة ذلك، ويمكنهم البحث في جوجل عن السعودية في السبعينيات والثمانينيات، وسوف يرون السعودية الحقيقية بسهولة من خلال الصور. كنا نعيش حياة طبيعية جداً مثل بقية دول الخليج، كانت النساء تقود السيارات، كانت هناك دور سينما في المملكة العربية السعودية، عملت النساء في كل مكان، كنا مجرد أشخاص عاديين يتطورون مثل أي بلد آخر في العالم حتى أحداث 1979م.

عانينا معاً..

ويغوص الأمير -مدهشاً محاوره- في التاريخ السياسي: "الثورة الإيرانية قامت بخلق نظام قائم على أيديولوجية الشر المحض، نظام لا يعمل من أجل الشعب؛ لكنه يخدم أيديولوجية متطرفة معينة. وفي العالم السني، كان المتطرفون يحاولون استنساخ التجربة ذاتها. شهدنا الهجوم على المسجد الحرام في مكة، كما شهدنا حالة ثورة في إيران، وكانوا يحاولون تطبيقها في مكة. كنا نحاول إبقاء كل شيء مرتبطاً ببعضه؛ لمنع الانهيار. واجهنا الإرهاب في المملكة العربية السعودية وفي مصر. لقد طالبنا باعتقال أسامة بن لادن في وقت مبكر جداً؛ لأنه لم يكن في المملكة العربية السعودية. عانينا الكثير من خلال محاربة الإرهاب؛ حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. هذه هي القصة الحقيقية.

قوة معرفية:

هذه القوة المعرفية جعلت السيد جيفري يقول: "أنا لا أقول هنا إن الولايات المتحدة بريئة".

الأمير يكمل: "ذلك هو ما حتّمت فعلَه المصلحةُ؛ ليس لنا فحسب، بل لشركائنا أيضاً ومنهم أمريكا (التي تعلم ذلك). وكان لدينا ملك دفَع حياته ثمناً محاولاً التصدي لهؤلاء الناس بعد تغلغلهم ورفضهم تقويمَ مسارهم؛ وهو الملك فيصل، أحد أعظم ملوك المملكة العربية السعودية. وعندما يكون الأمر متعلقاً بتمويل الجماعات المتطرفة؛ فأنا أتحدى أي شخص أن يجلب دليلاً على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة".

استشهادات الأمير:

لم تكن استشهادات الأمير أبداً إنشائية؛ فهو ينتزعها من سرد وقائع على الأرض. يقول الأمير: "هناك عضو في المجلس (مجلس الوزراء في السعودية) من أتباع الطائفة الشيعية، وهناك عضو في البرلمان (مجلس الشورى) من أتباع الطائفة الشيعية. إن الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، وهي أكبر شركة في العالم، من أتباع الطائفة الشيعية. أهم جامعة في الشرق الأوسطـ، وتقع غرب السعودية (جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست") من يترأسها؟ إنه شخص من أتباع الطائفة الشيعية؛ ولذلك فإننا لا نميز بين السعوديين بناء على طوائفهم؛ فنحن نعيش في السعودية باعتبارنا سعوديين. وإذا ما نظرت إلى مجلس العلماء الذي يُعَد مجلس الإفتاء؛ فإنك ستجد أنه مكوّن من أشخاص قد يميلون إلى المدرسة الفكرية الحنبلية وبعضهم للمدرسة الفكرية الحنفية أو المالكية أو الشافعية. ونحن نشجع هذا التنوع في المدارس الفكرية في السعودية".

سؤال عن الملكية الدستورية:

جرأة أسئلة المحاورين في اللقاءات الثلاثة، تؤكد أن الأمير لم يضع أية قيود على استقبال أي سؤال؛ ففي واحد عن أهم ما يُعتقد أن السعودية تفضل عدم نقاشه؛ يجيب ولي العهد حول سؤال عن (الملكية المطلقة)؛ مؤكداً أنها "لا تُعَد تهديداً لأي بلد. أنت تقول عبارة "الملكية المطلقة" وكأنها تهديد"!.

هنا أيضاً لا ينسى الأمير أهمية إبراز نقطة لم يتوقعها محاوره: "لولا الملكية المطلقة؛ لما كان لديك الولايات المتحدة؛ إذ ساعدت الملكية المطلقة في فرنسا على إنشاء الولايات المتحدة من خلال دعمها. إن الملكية المطلقة ليست عدوة للولايات المتحدة، إنها حليفة لوقت طويل جداً".

تَكرر الحديث عن الملكية أيضاً في سؤال لمجلة "التايم": "هل تظن أن المملكة ستتقدم ويصبح نظامها أقل من كونه ملكياً مطلقاً في المستقبل؟ هل ترغب في أن تكون في يوم ما، كما يقول الملك عبدالله ملك الأردن، الذي يرغب في أن يكون ملكاً دستورياً يوماً ما؟".

ولي العهد: "ما يجب أن نركز عليه هو الغاية وليس الوسيلة. وهذه الغاية هي حكم القانون، وحرية التعبير، وحرية العمل، والأمن.. هذه هي الغايات التي يتفق عليها الجميع، وهي الغايات التي نتفق عليها في السعودية بطريقتنا الخاصة. يجب أن نتبع هذه الوسائل لنصل إلى تلك الغايات".

الملك سلمان ليس لديه سلطة مطلقة:

يدرك ولي العهد أن التوضيح لا يضر "واثق الخطوة"؛ فهو يفسر أن التحرك ضد الهيكلة الحالية "من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة في السعودية. "التركيب السعودي أكثر تعقيداً مما تعتقد".

وكأنما يتوقع بذكاءٍ السؤالَ القادم المبنيّ على إجابته يردف الأمير: "في الواقع لا يملك ملكنا سلطة مطلقة، وتستند قوته إلى القانون، وإذا قام بإصدار مرسوم ملكي فلا يمكنه أن يقول: "أنا الملك سلمان وأنا أقرر ذلك"، إذا قرأت المراسيم؛ فسترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ هذا القرار.. بالمناسبة، ملكة المملكة المتحدة لديها السلطة المطلقة في تغيير أي قانون؛ لكنها لا تمارس ذلك؛ لذلك فالأمر معقد".

ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها:

بساطة الأمير في التناول مدهشة تقرن بين التطلع نحو المستقبل والإقرار بالحاجة لتحسينات هامة ربما كانت مقتضيات الدبلوماسية تفضل القفز على السؤال من أساسه وقد كان في إمكان الأمير ذلك.

يقول الأمير: "ما يمكنني فعله هو تشجيع قوة القانون. نود أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع، طالما أننا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور. ويمكننا تحسين حقوق المرأة -وفق ضوابطنا- وتحسين الاقتصاد. يوجد لدينا تحديات هنا؛ لكن يجب علينا القيام بها.. ولكن هناك ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها: وهي تشويه الإسلام، والثاني الشخصنة في الأمور، والثالث الأمن القومي. بخلاف ذلك، فالشعب يمتلك الحرية للقيام بما يحلو له.. لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

هنا ستجد من اللافت جداً أن الأمير أشار لمقارنة ذكية جداً تفوقت فيها الثقافة السعودية على الحرية الأمريكية: يوضحها الأمير بقوله: "في أمريكا مثلاً، يمكنك انتقاد شخص وشركته أو وزير ووزارته؛ بينما في السعودية يمكنك انتقاد وزارة وشركة؛ ولكن بناء على ثقافة السعوديين؛ فإنهم يرفضون التجاوزات الشخصية، ويؤمنون بضرورة الابتعاد عن شخصنة الأمور. هذا جزء من الثقافة السعودية".

سؤال التطرف:

السؤال حول التطرف ورؤية السعودية الجديدة لدحره، كانت حاضرة في معظم الحوارات. وقد لخّص ولي العهد الأمر بدقة شديدة في جوانب أبرزها: "السعودية لا تنشر أي أيدلوجية متطرفة، السعودية هي أكبر ضحية للفكر المتطرف".

وأكد أن استهداف السعودية هو لكونها قبلة المسلمين. هو يقرأ تفكير المتطرفين: "إن أردت نشر الأيدلوجية فسأذهب إلى السعودية؛ وذلك لأنني إن قمت بنشرها هناك؛ فإنها ستبلغ كل مكان.. ذلك ما حدث بعد 1979. جميع هذه الجماعات المتطرفة، والإرهابيون الذين يستهدفون بلادنا لتجنيد المزيد من الناس من بلادنا، ولنشر أيدلوجيتهم في بلادنا لأنهم يريدون نشرها في جميع أنحاء العالم.. وذلك ما حدث ولقد كنا أول وأكبر دولة تدفع الثمن...".

هذا ما يجب على الغرب فعله:

وينطلق الأمير في خارطة طريق واضحة للمملكة للتصدي للتطرف، يوجزها في قوله: "محاربة التطرف لا تكون فقط في محاربة المتطرفين، ونشر الحداثة؛ فهذا الأمر جزء من محاربة التطرف؛ ولكن هنالك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها: التعرف على تلك الجماعات، وسن قوانين لمحاربتها، وتوضيح المعايير التي نميز من خلالها الإرهابيين.. هذا لا يعني حرية التعبير، عليك الحذر لأن هذا هو الطريق الذي يوصل الناس للإرهاب، نحن نحاول القيام بواجبنا في السعودية؛ فقد وضعنا قوانين وحققنا إنجازات".

هنا تحديداً يوجّه الأمير انتقاداً بحجم فجوة كبيرة لدى الغرب في التصدي للتطرف: يقول الأمير: "نقوم بالكثير من الأمور مع العديد من الدول حول العالم؛ ولكننا نشعر أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح في الغرب فقط. إذا أردت أن تحاربهم؛ يجب عليك أن تُصَنّفهم على أنهم مجرمين بموجب قوانينك".

القصاص والإعدام:

من ضمن المحاور التي وجُهت للأمير ولم تكن قاسماً مشتركاً في الحوار ونسوقها هنا للتأكيد على أن السعودية يمكنها أن تردّ وليست ملزمة أيضاً؛ لكن الأمير في سياسة شفافية مذهلة، يردّ على سؤال لمجلة "التايم": كنت أتساءل عما إذا كنتم ستتخذون أي خطوات فيما يتعلق بإنهاء أو تقليل الإعدامات وقطع الرؤوس في العلن؟

الأمير يردّ: "أتقصد تنفيذ حكم الإعدام بحق المتطرفين؟ أعتقد أن أمريكا ودولاً كثيرة حتى هذه اللحظة، تنفذ حكم الإعدام. لقد حاولنا التقليل من ذلك ولدينا قوانين واضحة [لا] يمكن أن نغيرها؛ فعلى سبيل المثال، عندما يقدم شخص ما على قتل شخص آخر؛ يجب أن ينفذ حكم الإعدام بحقه في قانوننا؛ ولكن هنالك جوانب قليلة يمكن تغييرها؛ بحيث يتم تغيير حكم الإعدام فيها إلى السجن المؤبد.. إن جلالة الملك، لا يستيقظ من نومه ويوقع فقط على ما يريد التوقيع عليه؛ بل إنه يعمل بما يقتضيه القانون والكتاب؛ فهناك قوانين متعلقة بكيف يعمل الملك كملك أو كرئيس للوزراء، نحن نعمل منذ سنتين في الحكومة وأيضاً في البرلمان السعودي على إقامة قوانين جديدة في هذا الجانب، ونعتقد أن الأمر سيستغرق لإتمامه عاماً واحد أو أكثر قليلاً، إنها مبادرة لن نلغيها بنسبة 100%؛ ولكننا سنقلل منها إلى حد كبير".

ماذا عن النشطاء السياسيين؟

سؤال آخر استبق المذيع القول بأنه يخشى أن يشكل حساسية لدى الأمير في الإجابة عليه؟!

غير أن الأمير رد ببساطة على السؤال عن وضع من وصفهم السؤال بـ(نشطاء سياسيين): اعتدنا على وصفهم في التسعينيات.. اعتادوا على وصف أسامة بن لادن بالأمر ذاته، ثم تبين أن أسامة بن لادن هو الخطر الأكبر الذي يواجه العالم بأسره. ويصفونهم اليوم بالأمر ذاته، ونحن نصفهم بحزب الإخوان المسلمين أو حزب السروريين أو الناس المرتبطين بمنظمات عديدة ويعملون لصالح دول كثيرة. وفي كل حالة، عندما تنتهي التحقيقات؛ نعلن عن تفاصيلها علناً".

المرأة السعودية:

يعد هذا المحور من أكثر القواسم المشتركة في الأسئلة التي تم توجيهها لسمو ولي العهد، كما أنه من أكثر الجوانب التي يتم فيها توجيه الإساءات للمملكة العربية السعودية ووصمها بعدم منح المرأة حقوقها.

في رده على سؤال لقناة "CBS" يقول الأمير: هناك العديد من الأفكار التي تتناقض مع طريقة الحياة في زمن الرسول والخلفاء، وهذا هو المعيار والنموذج الحقيقي الذي يجب أن نتبعه؛ فالقوانين واضحة جداً في الشريعة الإسلامية؛ مثلاً يجب على المرأة أن ترتدي ملابس لائقة ومحترمة مثل الرجال، ولم تحدد بشكل خاص العباءة السوداء أو النقاب، ويجب أن يكون القرار متروكاً تماماً للمرأة؛ أي من الملابس اللائقة والمحترمة التي يجب عليها أن ترتديها...".

مضيفاً: "أعطيت النساء السعوديات -اللواتي كُنّ غير ظاهرات في العلن- حقوقاً جديدة؛ مما يسهل عليهن بدء أعمال تجارية، والانضمام إلى الجيش، وحضور الحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية. وفي يونيو، سيكن قادرات على الجلوس خلف عجلة القيادة، وقيادة سياراتهن الخاصة.

وفي بساطة تثير الإعجاب يؤكد: "لقد انتهينا أخيراً من تلك الفترة المؤلمة التي لا يمكننا تبريرها".

أنا أدعم النساء:

الحديث عن المرأة السعودية هوس الإعلام الغربي، والأمير يدرك ذلك، ويرى أن الرد هو العلاج الفاعل لذلك الهوس.

يرد الأمير على سؤال كان يمكن أن يصنف كـ"مستفز"؛ لكن الأمير بهدوء يقول: "حتى اليوم ما زالت المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة؛ فهنالك حقوق منصوص عليها في الإسلام لا تمتلكها؛ ولكننا قطعنا شوطاً طويلاً جداً، ويتبقى طريق قصير لنقطعه".

وفي حديثه لمجلة "ذا أتلانتيك" يسأله جيفري غولدبيرغ: هل تؤمن بمساواة المرأة؟ فيرد: "أنا أدعم المملكة العربية السعودية، ونصف المملكة العربية السعودية من النساء؛ لذا أنا أدعم النساء.. في ديننا لا يوجد فرق بين الرجال والنساء، هناك واجبات على الرجال وهناك واجبات على النساء؛ لكن هناك أشكالاً مختلفة من فهمنا للمساواة.. في السعودية مثلاً يُدفع للنساء نفس المقابل المالي الذي يُدفع للرجال، وسيتم تطبيق هذه اللوائح على القطاع الخاص. لا نريد تفرقة المعاملة للأشخاص المختلفين".

قوانين الولاية:

وفيما يدّعي "غولدبيرغ" أن العديد من الأمريكيين يرون القضايا الرئيسية هي العوائق الهيكلية الحقيقية التي تُعيق مساواة المرأة؛ يردّ الأمير: "قبل عام 1979 كانت هناك عادات اجتماعية أكثر مرونة، ولم تكن هناك قوانين للولاية في المملكة العربية السعودية.. وأنا لا أتحدث عن ما قبل زمن طويل في عهد النبي؛ بل في الستينيات، لم تكن النساء ملزمات بالسفر مع أوليائهن الذكور (ما دامت في صحبة آمنة)؛ لكن هذا يحدث الآن، ونتمنى إيجاد طريقة لحل هذا الأمر بحيث لا يُضِر بالعائلات ولا يضر بالثقافة.. هناك الكثير من الأسر المحافظة في المملكة العربية السعودية".

لن أسمح بفقدان هويتنا:

يضيف الأمير: "هناك الكثير من العائلات المختلفة في فهمها وعاداتها بالداخل؛ فبعض العائلات تحب أن تكون لها سلطة مطلقة على أفرادها، وبعض النساء لا يرغبن في سيطرة الرجال عليهن.. هناك عائلات تعتبر هذا أمراً جيداً، وهناك عائلات منفتحة وتتيح للنساء والبنات حرية أكبر فيما يُردن؛ لذا إذا قلت نعم على هذا السؤال؛ فهذا يعني أنني أخلق مشاكل للعائلات التي لا تريد إعطاء الحرية لبناتها.. السعوديون لا يريدون أن يفقدوا هويتهم؛ صحيح أننا نريد أن نكون جزءاً من الثقافة العالمية؛ ولكننا نريد دمج ثقافتنا مع الهوية العالمية (بما لا يؤثر فيها)".

الفساد.. ما قمنا به يتفق والقوانين:

الحملة غير المسبوقة التي قام بها ولي العهد لاجتثاث الفساد، كانت أيضاً محوراً هاماً في الأسئلة، جل الأسئلة عن وضع من اعتقلوا. يقول الأمير لـ"CBS": المملكة العربية السعودية تؤمن بالعديد من مبادئ حقوق الإنسان، في الواقع نحن نؤمن إيماناً تاماً بفكرة حقوق الإنسان؛ لكن المعايير السعودية في النهاية ليست هي نفس المعايير الأمريكية، لا أريد أن أقول إنه ليس لدينا قصور في المعايير الخاصة بنا؛ بالتأكيد لدينا؛ لكن بطبيعة الحال نحن نعمل على إصلاح هذه العيوب. ما قمنا به في المملكة كان ضرورياً للغاية، وكانت جميع الإجراءات التي تم اتخاذها تتوافق مع القوانين القائمة.

وبمنطقية يصف الأمير الرأي الذي يرى ذلك "استعراضاً للسلطة" بأنه "اتهامات ساذجة؛ فإذا كانت لدى السلطة، والملك لديه القدرة على اتخاذ مثل هذه الإجراءات ضد أشخاص مؤثرين؛ فأنت بالفعل قوي".

مؤكداً أن الهدف الحقيقي "لم يكن الحصول على هذا المبلغ أو الأموال بصفة عامة؛ فالعبرة ليست في ذلك؛ لكن في معاقبة الفاسدين وإرسال إشارة واضحة بأن كل من ينخرط في صفقات فاسدة، سيواجه القانون".

المحور السياسي:

في المحاور السياسية كان الأمير حاسماً بما يعكس الثقل الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وكانت رسائله واضحةً أيضاً؛ فالأمر لم يعد يحتمل تركه لتأويلات أكثر.

إيران:

القاسم المشترك الأكبر في الأسئلة كان عن إيران. قال الأمير في إجابات حاسمة إن إيران تلعب دوراً ضاراً.. وتقوم على أيدلوجية خالصة، وتحتوي الإرهابيين من عملاء القاعدة.

ورفض الأمير أن تكون إيران منافسة للسعودية؛ فـ"جيشها ليس من بين الجيوش الخمسة الأوائل في العالم الإسلامي، والاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، وإيران بعيدة عن أن تكون مساوية للسعودية".

ويشدد الأمير مجدداً على أن "خامئني هو هتلر الشرق الأوسط الجديد؛ فهو يعمل على خُطى النازي الكبير، وقد يتسبب فيما تَسَبّب فيه، ولا أريد أن أرى نفس الأمر يحدث مجدداً في الشرق الأوسط".

وفي رده على سؤال لـ"ذا أتلانتيك"، يضيف الأمير في نفس السياق.. المرشد الأعلى يحاول أن يحتل العالم؛ فهو يعتقد أنه يملك العالم؛ كلاهما (خامئني، وهتلر) شخصان شريران. هو هتلر الشرق الأوسط. وفي العشرينيات والثلاثينيات لم ينظر أي أحد إلى هتلر باعتباره خطراً، مجرد عدد قليل من الناس، إلى أن حدث ذلك.. نحن لا نريد أن نرى ما حدث في أوروبا يحدث في الشرق الأوسط، نريد إيقاف ذلك عبر التحركات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، نريد تجنب الحرب.

مثلث الشر:

ولا يتردد الأمير في الإفصاح بحزم عن أن السعودية ستُطَور السلاح النووي في حال فعلت إيران ذلك.

وفي حوار الأمير مع مجلة "ذا اتلانتيك" تَحَدّث الأمير عن "مثلث الشر" "في هذا المثلث (إيران، الإخوان المسلمون، الجماعات الإرهابية)، يسعون للترويج لفكرة أن واجبنا كمسلمين هو إعادة تأسيس مفهومهم الخاص للخلافة، ويدّعون أن واجب المسلمين هو بناء إمبراطورية بالقوة وفقاً لفهمهم وأطماعهم...في مثلث الشر، يرغبون في التلاعب بالمسلمين، وإخبارهم بأن واجبهم كمسلمين -ومن أجل كرامتهم- يتطلب تأسيس إمبراطورية إسلامية (بالعنف والقوة وفق الأيدلوجيا المحرفة لكل أضلاع مثلث الشر). وللعلم فإن فكرهم هذا يخالف مبادئ الأمم المتحدة أيضاً، وفكرة اختلاف القوانين في مختلف الدول حسب حاجة كل دولة.

وعندما يقول "غولدبيرغ": يبدو أنك تعتقد بأن دونالد ترامب يتفهم بشكل أفضل هذه القضية من باراك أوباما؛ يستلهم الأمير دبلوماسية أنيقة وهو يقول: "كلاهما يفهمان القضية؛ لكن أعتقد أن الرئيس أوباما لديه أساليب مختلفة؛ فالرئيس أوباما يعتقد أنه إذا ما منح إيران الفرص للانفتاح فإنها ستتغير؛ ولكن مع نظام قائم على هذه الأيدلوجية؛ فهي لن تنفتح في وقت قريب.. بالنسبة لباراك أوباما، كانت النسبة 50%؛ ولكن حتى وإن كانت احتمالية نجاحها هي 50%؛ فإنه لا يمكننا المخاطرة بذلك؛ فالنسبة الأخرى التي تبلغ 50% هي احتمالية حرب. علينا أن نذهب إلى سيناريو لا يتضمن وجود حرب.. لدينا سيناريو حرب محتمل في الشرق الأوسط حالياً. لا يمكننا أن نتحمل الخطر هنا. علينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن في سبيل تجنب اتخاذ قرارات مؤلمة لاحقاً.

الحقائق فقط:

الأمير لا يعترف سوى بالحقائق ويؤكد أن بلاده ليست قلقة لأنها تعمل وتتحرك كما يجب: "أخرجناهم من إفريقيا بشكل قوي بأكثر من 95%، وذات الأمر ينطبق على آسيا، وذات الأمر ينطبق على اليمن. وفي العراق؛ فقد شاهدنا 70 ألف مشجع يرفعون علم العراق والسعودية معاً في مباراة كرة القدم التي جرت بين المنتخبين السعودي والعراقي؛ لذا فإنه يتم إعادتهم إلى داخل إيران تقريباً. ونحن نتمنى أن تحظى إيران كدولة وشعب بمستقبل أفضل بدون أولئك القادة. وفي حال تغير ذلك؛ فبالتأكيد ستكون إيران مقرّبة منا كما كانت قبل 1979م؛ لكن في حال لم يتغير ذلك؛ فبإمكانهم الاستمتاع بأنفسهم لفترة طويلة من الزمن حتى يتغيروا".

فخاخ الأسئلة:

الأمير بذكاء وسرعة بديهة كان دائماً يتفادي فخاخ الأسئلة؛ سواء كانت تُطرح بشكل مقصود أو غير مقصود. يسأله غولدبيرغ عن وضع الشيعة في السعودية: هل المشكلة برأيك طائفية؟

الأمير: "كما أخبرتك، يتمتع الشيعة بحياة طبيعية في السعودية، وليس لدينا مشاكل مع المذهب الشيعي، لدينا مشكلة مع أيدلوجية النظام الإيراني (ولاية الفقيه). ومشكلتنا هي: أننا لا نعتقد أن لديهم الحق في التدخل بشؤوننا، ولن نسمح لهم بذلك في أي حال".

اليمن:

في حوار مع مجلة "التايم"، يؤكد الأمير أن الحرب بين أطراف الشعب اليمني، والحكومة اليمنية هناك تسعى جاهدة من أجل التخلص من الإرهابيين الذين اختطفوا بلادهم وحياتهم الطبيعية.

وبواقعية شديدة يعلق الأمير عن سؤال حول سقوط ضحايا مدنيين بالقول: "أولاً الأخطاء واردة في أي عملية عسكرية، ليس بإمكان أحد خوض أي عملية عسكرية في شتى أنحاء العالم؛ حتى الولايات المتحدة وروسيا وجميع الدول، دون أخطاء.. السؤال هو هل كانت تلك الحوادث عن طريق الخطأ أم متعمدة؟ وبالتأكيد فإن أي أخطاء ارتكبتها المملكة أو دول التحالف هي حقاً أخطاء غير مقصودة تماماً.. نحن نعمل مع العديد من الدول في شتى أنحاء العالم من أجل رفع مستوى قواعد الاشتباك لدينا، والتأكد من عدم وجود أي وفيات مدنية في العمليات العسكرية. ويجدر الذكر أننا أكبرُ مانح للمساعدات في تاريخ اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي، نحن نعرف أنها لن تنتهي بدون حل سياسي؛ ولكن حتى يأتي ذلك اليوم ليس لدينا خيار سوى مواصلة العملية العسكرية؛ فالحوثيون لا يهتمون بالمصالح والمصالح اليمنية، إنهم يهتمون فقط بأيدلوجيتهم والأيدلوجية الإيرانية وأيدلوجية حزب الله، أو أنهم يرغبون في الموت؛ هذا ما يهتمون به؛ ولهذا السبب من الصعب التفاوض والتوصل لحل معهم، وقد أعلنت الأمم المتحدة ذلك".

سوريا:

الموقف السعودي من سوريا تعرّض للتشويه من وسائل إعلام عديدة. وكان ولي العهد صريحاً للغاية. يقول في حواره مع مجلة "التايم": لا أعلم إن كان بعض الأشخاص سيغضبون حينما أجيب على ذلك السؤال؛ لكنني لا أكذب، أعتقد أن الكذب على الناس أمر مُخزٍ فعلاً؛ وخصوصاً في عام 2018م؛ حيث يكاد يكون أمراً مستحيلاً أن تخفي شيئاً عن الناس. أعتقد أن بشار باقٍ في الوقت الحالي، وأن سوريا تمثّل جزءاً من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط لفترة طويلة جداً؛ ولكنني أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا على المدى المتوسط والبعيد؛ وذلك لأنه إن غيّرت سوريا أيدلوجيتها؛ حينها سيكون بشار دميةً لإيران".

أيّ صراحة مذهلة هذه كانت متوقعة من أكبر مسؤول مؤثر في الشرق الأوسط حالياً، كما وُصِف وصُنّف من جهات معتبرة في هذا المجال.

لا أحد يريد رؤية ذلك:

ويحسم الأمير التساؤلات... "لا أعتقد أن بشار سيرحل دون حرب، ولا أعتقد أنه يوجد أي أحد يريد أن يبدأ هذه الحرب؛ لما ستُحدِثه من تعارض بين الولايات المتحدة وروسيا، ولا أحد يريد رؤية ذلك.. نحن نحاول أن نركز في السعودية على كيفية مساعدة الشعب من خلال المعونات، ونحن لا نقوم بإرسالها بشكل مباشر؛ بل نرسلها عبر الأمم المتحدة والولايات المتحدة وحلفائنا، ونأمل أن تتوقف الأمور الذي تحدث في سوريا في أقرب فرصة ممكنة؛ وذلك لأن الناس يعانون هناك.

إسرائيل:

الأسئلة حول إسرائيل كانت الإجابة عليها مرتقية بشكل غير متوقع.

يؤكد الأمير: أعتقد عموماً أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في بلده المسالم، أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة؛ لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام عادل ومنصف؛ لضمان الاستقرار للجميع ولإقامة علاقات طبيعية بين الشعوب. أؤكد أن لدينا مخاوف دينية حول مصير المسجد الأقصى في القدس وحول حقوق الشعب الفلسطيني.. هذا ما لدينا، ليس لدينا أي اعتراض على وجود أي أشخاص آخرين وفق معاهدة سلام منصفة، يوجد الكثير من اليهود في المملكة العربية السعودية قادمون من أمريكا ومن أوروبا للعمل، ولا توجد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين واليهود، لدينا مشاكل مثل تلك الموجودة بين بعض الناس في أي مكان في العالم؛ لكنه النوع العادي من المشاكل. يبدو أن لدينا عدواً مشتركاً، ويبدو أن لدينا العديد من الأوجه المحتملة للتعاون الاقتصادي، ولا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين؛ لأن كلاً منهما لهما الحق في العيش والتعايش، وحتى حدوث ذلك؛ سنراقب وسنحاول دعم حل للسلام.

نقل السفارة إلى القدس:

وحول السؤال المهم "نقل السفارة الأمريكية إلى القدس"؟

يقول الأمير بهدوء في حواره مع مجلة "التايم": تربطنا علاقة وثيقة بأبو مازن، وأعتقد أنه رَدّ على الشائعات بنفسه ونفي صحتها، في الواقع أخبره الملك سلمان أن هناك مقولة في المملكة العربية السعودية تقول إن أهل مكة أدرى بشعابها؛ لذلك دائماً ما يذكّره الملك سلمان ويخبره: "كما تعرف يا أبو مازن، أهل مكة أدرى بشعابها، ونقول إن أهل فلسطين أدرى بشعابها؛ لذا فكل ما تراه مناسباً لك، سندعمه".. أياً كان ما نسمعه من حلفائنا الأمريكيين، أياً كان، سنحاول إيضاحه، وسنحاول دعمه لجعل الأمور تحدث؛ ولكن إذا لم يناسبكم الحل؛ فهو حل غير مناسب. في الواقع، نحن نحاول فعل ما بوسعنا، إنني أحاول التركيز بإيجابية على الفرص التي أمامنا، وعلى الخطوة القادمة، وكيف تؤخذ الأمور في وضع أفضل، وليس كيفية المجادلة مع أي خطأ.

أرامكو:

وفي موضوع يُهم العالم كله بلا مبالغة؛ يوضح الأمير حقيقة الوضع في حديثه مع "التايم": "نحن لا نقوم بتأخير الطرح، لقد قلنا إننا سنكون جاهزين لطرح أسهم أرامكو في حدود العام 2018، ونحن مستعدون، صغنا جميع القوانين، وقمنا بجميع الخطوات التي تجعلنا مستعدين لطرح أسهم أرامكو؛ أما الآن فالمسألة هي اختيار الوقت المناسب.. نعتقد أن أسعار النفط سترتفع في هذا العام، وسترتفع بشكل أكبر في عام 2019؛ لذا نحن نحاول أن نختار الوقت المناسب؛ لكننا مستعدون للطرح الآن إذا ما أصبح الوقت مناسباً. نحن ننظر في جميع الخيارات، والفريق الذي يعمل على طرح أرامكو الأولى للاكتتاب العام يظل يقول لي "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

كم هي روح الفريق حاضرة في قوله: "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

صورة عالمية للسعودية:

في حديث الأمير عموماً خارطة جديدة مذهلة لبلاده وصورة صححت الكثير من المغالطات؛ بل وجعلتها محل اهتمام العالم؛ فجولة تاريخية كهذه للأمير الشاب خرجت بمكتسبات مذهلة للمملكة وحلفائها الكبار. يشرح الأمير رداً على سؤال: "منذ متى وأنت تفكر بالقيام بهذه الجولة، وما هدفك من وراءها"؟

يجيب الأمير: "حينما بدأت أفكر بالقيام بجولة؛ كانت لدينا خطة لأجل السعودية، ونحن نفعل ما بوسعنا لتحقيق وتنفيذ هذه الخطط.. ولتنفيذ ما نقوم به؛ تَوَجّب علينا أن نحظى بكثير من الشركاء".

لن نقلد غيرنا:

وفي حواره مع مجلة "التايم"، كشف الأمير الكثير عن خطته لنقل السعودية لما تستحق، يقول رداً على سؤال: أشعر بالفضول حقاً حول الطريقة التي توصلت بها إلى خطتك في السعودية؟

يسرد ولي العهد سيرة عظيمة لبناء الأجداد، ويخلص إلى: "نؤمن نحن أن السعودية -حتى يومنا هذا- لم تستغل إلا 10% من قدرتها، ولدينا 90% متبقية لنحققها. وعليه فإن الخطط والرؤية تتمحور حول الـ90% المفقودة؛ فكيف يمكن لنا تطبيقها بأكبر قدر ممكن وأسرع وقت ممكن؟ نحن نرسم خطتنا بناءً على مكامن القوة لدينا؛ فلا نريد أن نقلد غيرنا.. وأعتقد أنه في السنوات الثلاث الأخيرة، فعلت السعودية أكثر مما حدث في الثلاثين سنة الماضية؛ وذلك لأن هذا يتماشى مع اهتماماتنا كسعوديين لكي نكون قادرين على المنافسة في الحياة الثقافية والاجتماعية. وإن الإسلام منفتح، وليس مثل ما يحاول المتطرفون إظهاره بعد عام 1979".

حياة الأمير الخاصة:

ولأن هناك العديد من الأسئلة التي أثيرت كثيراً حول حياة الأمير الخاصة والشخصية؛ لم يتردد الأمير في الرد عليها ببساطة كبيرة. يسألونه عن شبابه وكيف يمكنه "حكم هذه البلاد للسنوات الخمسين القادمة؟ ". يجيب: "الله وحده فقط يعلم كم من الوقت سأعيش، وإذا عاش المرء 50 عاماً أو لا؛ ولكن إذا سارت الأمور بطرقها العادية؛ فهذا أمر متوقع".

السؤال ذاته يتكرر مع مجلة "ذا أتلانتيك"، جيفري غولدبيرغ: إنني أشعر بالفضول حول شبابك؛ فهذه مهمة معقدة جداً بالنسبة لشاب".

الأمير الشاب: "أؤمن أن البشر يتعلمون حتى آخر يوم في حياتهم، وأي شخص يدّعي معرفة كل شيء لا يعرف شيئاً حقاً، وما نحاول القيام به هو أن نتعلم بسرعة، ونفهم بسرعة، وأن نكون محاطين بأشخاص أذكياء. ولا أعتقد أن شبابي يشكّل مشكلة.. أعتقد أن جيلي يمكنه إضافة الكثير".

وفي حواره مع مجلة "التايم"، وبالمنطق، يدحض اتهامات سيقت جزافاً: "لقد قلت مسبقاً لبرنامج 60 دقيقة إن الثراء ليس جريمة؛ بل الجريمة تكمن في أن تكون فاسداً.. وفي حال كنت فاسداً، أرجو أن توضح لي فسادي وتقدم دليلاً على ذلك. ولا يبدو أن هناك أي أحد يقدم أدلة.. وفي الحقيقة إنني أحب الفن، وأؤمن أن أي شخص يمتلك ذوقاً رفيعاً يجب أن يحب الفن ويقدره".

الأمير والتحديات:

الأمير في إصراره على التحدي، هو إصرار شعب ينتظر خلفه.. هكذا تبدو حماسة الأمير في الانطلاق نحو مستقبل السعودية.

وفي عبارة قوية جداً يجيب على سؤال: "هل هناك أي شيء يستطيع إيقافك؟".. يردّ: "فقط الموت".

ورداً على "ما هو أكبر تحدٍّ أمامك؟" يقول: "هنالك الكثير من التحديات؛ لكن أعتقد أن التحدي الكبير الذي يواجهنا هو أن يؤمن الناس بما نقوم به".

أما في سؤال "التايم" فاختلف السؤال قليلاً؛ لكن الإجابة واصلت التفوق: "هل لديك أي مخاوف بشأن محاولة الانفصال هناك؟.. أمنك الشخصي؟".

ولي العهد: لا، إننا نقوم بالأمور الصحيحة، ولا يمكن لأي شخص عقلاني أن يجادل مع ما هو صائب وما هو صحيح ومع الأمر المهم.

يثق الأمير في شعبه لذا يكمل: "بطبيعة الحال، بدون دعم الناس؛ لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة. وفي الواقع فقد اعتقدنا أن الأمر سيستغرق أكثر من 10 سنوات؛ لكن لماذا نفعله خلال ثلاث سنوات؟ لأن الناس يدعمون هذه الخطوة".

مبادئ أساسية:

خلال مختلف الأسئلة كانت سرعة بديهة الأمير ملفتة؛ خاصة فيما يتعلق بالمقارنات؛ فبعض الأسئلة تضع علامات استفهام حول وضع ما في السعودية ليتفاجأ بأن الأمير يسوق وضعاً أكثر حدة في بلد ديموقراطي عريق مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي سؤال لـ"جيفري غولدبيرغ": "لديّ سؤال يتعلق بالقيم: أنت قادم من بلد مختلف تماماً عن بلدنا؛ فبلدك يملك ملكية مطلقة، وهو مكان لا يحق للأشخاص فيه التصويت، ويوجد فيه العقاب البدني وعقوبة الإعدام بالطرق التي لا يحبها الكثير من الأمريكيين؟".

يرد الأمير: نحن لا نشارككم نفس القيم؛ ولكنني أعتقد أيضاً أن مختلف الولايات في الولايات المتحدة لا تتشارك نفس القيم تماماً، هناك قِيَم مختلفة بين كاليفورنيا وتكساس. إذن، كيف تريد منا مشاركة قيمكم بنسبة 100٪ عندما لا تتشاركون أنتم نفس القيم؟ بالطبع هناك مبادئ أساسية للقيم التي يشترك فيها جميع البشر؛ ولكن هناك اختلافات، من ولاية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد".

أنا لا أعمل وحدي:

كما يدحض الأمير أنه يعمل بمعزل عن أقرانه من أبناء الأسرة المالكة. يقول: "أنا لا أعمل وحدي؛ بل أعمل مع كل الأشخاص الأذكياء حقاً من جيلي في العائلة المالكة.. لدينا على سبيل المثال أكثر من 13 أميراً من جيلي ونفس عمري يعملون في 13 منطقة، ويتواجدون أيضاً في مجلس الوزراء وهم يعملون بجد، ويتواجدون أيضاً في مناصب مختلفة في مختلف الدوائر الحكومية.. يوجد الكثير منهم؛ لذا فأنا أعمل مع أكثر من 40 شخصاً من العائلة المالكة من مختلف الفروع لإنجاح الأمور في المملكة العربية السعودية".

ولي العهد محمد بن سلمان جولة الأمير محمد بن سلمان
اعلان
الأسئلة الصعبة حول السعودية.. محمد بن سلمان يجيب
سبق

في جولته العالمية التاريخية الأخيرة (أبريل 2018م) والتي زار فيها (المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، إسبانيا) أجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ثلاثة حوارات مع ثلاث من أبرز وسائل الإعلام العالمية: قناة "CBS"، ومجلة "ذا أتلانتيك" ومجلة "التايم".. كان واضحاً أن الأمير لم يضع أية قيود على الأسئلة؛ كاشفاً في شفافية مطلقة عما يمكن اعتباره وثيقة وخارطة طريق للسعودية نحو مستقبل رؤيتها الوطنية 2030م:

"سبق" تقرأ في هذا التقرير أبرز الملامح حول ذلك:

- الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام.

- لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف بل بالنشر السلمي لكلمة الله.

- هذه صورة السعودية الحقيقية وليس ما هو موجود في ذهنية الإعلام الغربي.

- قوانينا تأتي من الإسلام والقرآن ولدينا أربعة مذاهب اختلافُها رحمة.

- على مدى الأربعين عاماً المنصرمة هذه ليست هي السعودية الحقيقية.

- أتحدى أي شخص يمكنه جلب دليل على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة.

- إذا قرأت المراسيم؛ سترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ القرارات.

- نودّ أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع؛ ما دمنا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور.

- لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

- من الخطأ أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح.

- حتى اليوم لا تزال المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة.. تبقّى طريقٌ قصير لنقطعه.

- إيران تلعب دوراً ضاراً وتقوم على أيدولوجية خالصة.

- لدينا سيناريو حرب محتملة في الشرق الأوسط حالياً، وعلينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن.

- في اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي.

- أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا.

- لا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين.

- موقف المملكة من نقل السفارة هو ما قاله الملك سلمان لأبي مازن.

- خططنا تتمحور حول 90% من قدرات المملكة لم تُستخدم بعد.

- بدون دعم الناس لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة.

في التاريخ السياسي الحديث وعند الحديث عن كواليس السياسة وأشهر الأساليب، تبدو مفارقة "الشفافية" مع الدبلوماسية. ولعل من أبرز المقولات ما نُقل عن المستشار السياسي الروسي الشهير يوري أوشاكوف في حديثه عن فقيد الدبلوماسية السعودية الراحل سعود الفيصل رحمه الله، بقوله: "سعود الفيصل يتحدث بوضوح تام؛ مما يجعل محادثيه في حيرة من أمرهم، كيف يكون وزير خارجية بهذا الصدق والشفافية المطلقة".

مفهوم جديد:

الدبلوماسية السعودية بثبات مبادئها، ربما تضع حالياً معايير جديدة غير مسبوقة أو مألوفة؛ فحوارات المسؤولين السعوديين -خصوصاً في عهد سلمان الحزم- تمرّ بمرحلة جديدة بمقتضيات عديدة، وإن كان لا بد من أمثلة؛ فعلى رأسها المفهوم الجديد الذي يتحدث به ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير بن سلمان بن عبدالعزيز؛ حيث يمكن القول بنفس البساطة، أن حوارات الأمير تفيض بشفافية خارج المنطق الدبلوماسي المتعارف عليه، وفي نفس الوقت هي تقول الحقائق وتتعامل مع الوقائع ببساطة عجيبة ومباشرة. لسان الحال "لا شيء لدينا لنخفيه هكذا نذهب للمستقبل".

هذا ما سنفعله:

في آخر ثلاثة حوارات للأمير مع وسائل إعلام غريبة (CBS، ذات أتلانتيك، التايم) يمكن الجزم بأن الأمير تَحَدّث بشفافية فاقت كل توقع لتلك الوسائل -المولودة في بيئة ديموقراطية متحررة- والتي أدهشها الأمير بتقديم لغة عالية مليئة بالثقة، وتقول ببساطة هذا ما سنفعله.

في الحوارات الثلاثة كانت هناك قواسم مشتركة حول مواضيع معينة؛ غير أنه في كل مرة كان الأمير يؤكد الثوابت ويتعاطى مع المستجدات؛ بل لا يجد حرجاً في سرد شواهد مدهشة عن بلاد تُعَد متقدمة جداً؛ ولكن السعودية تتفوق عليها في جانب ما، أو أن تلك البلاد لم تكن أفضل في حال الإقرار بوضع كان ومن المهم العمل على تغييره.

صورة الإسلام:

الحديث عن صورة الإسلام الناصعة كان قاسماً مشتركاً في حديث ولي العهد؛ ففي حواره مع جيفري غولدينبرغ من مجلة "ذا أتلانتيك"، يؤكد الأمير أن "الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام، ربنا في الإسلام وضع على عاتقنا مسؤوليتين: أولاً الإيمان والقيام بكل ما هو جيد وتجنب المعاصي، وفي حال عصينا؛ فإن الله سيحاسبنا يوم الحساب.. وواجبنا الثاني كمسلمين هو نشر كلمة الله سبحانه".

وفي دقة تجيب على السؤال الضمني عن حقيقة نشر الإسلام بالسيف، يجيب سموه: "على مدى 1400 سنة، كان المسلمون يسعون لنشر كلمة الله في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، لم يكن مسموحاً لهم بنشر كلمة الله بالحسنى؛ لذلك قاموا بالقتال من أجل نشر الرسالة، وهذا واجبنا؛ ولكنك ترى أيضاً أنه في العديد من الدول في آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا والهند؛ كان لدى المسلمين الحرية في نشر كلمة الله، وقد قيل لهم: تفضلوا بإمكانكم قول ما ترغبونه وللناس حق الإيمان بما يشاؤون. في هذا السياق، لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف؛ بل بالنشر السلمي لكلمة الله".

وفي حواره مع مجلة "التايم" وعن نفس الإطار العام عن الإسلام يجيب: "نعتقد أن الممارسة اليوم في القليل من الدول -من بينها السعودية- ليست ممارسة الإسلام؛ بل هي من ممارسة الأشخاص الذين اختطفوا الإسلام بعد عام (1979م). الإسلام مختلف تماماً عما يحاول المتطرفون الترويج له اليوم".

*صورة المملكة في الذهنية الغربية:

عمق وشفافية ولي العهد كانت شجاعة جداً في التصدي للأسئلة العالقة في الذهنية الغربية عن بلد مثل المملكة العربية السعودية، يسعى الكثير من الظلاميين ويصرون على إلصاق تهم مثل التطرف وغيره بهذا البلد؛ ففي حوار "ذا أتلانتيك"، ورداً على سؤال عما وصفه المذيع بـ"الوهابية" يرد الأمير: "قبل كل شيء، هذ المصطلح (الوهابية) هل يمكنك أن تعرّفه لنا؟ نحن لا نعرف أي شيء عنه".

براعة الأمير أظهرت أن ليس أقوى الردود دائماً تفسير الإجابة أو التصدي لها؛ بل أحياناً وعندما يستلزم الأمر؛ التأكيد على أن السؤال يحمل الخطأ. يدور الحوار الشيق:

* جيفري غولدبيرغ: ماذا تقصد بأنك لا تعرف عنه شيئاً؟

- محمد بن سلمان: ما هي الوهابية؟

* جيفري غولدبيرغ: أنت ولي عهد المملكة العربية السعودية، بالتأكيد أنك تعرف الوهابية.

- محمد بن سلمان: لا أحد بإمكانه تعريف هذا المصطلح "الوهابية".

*جيفري غولدبيرغ: إنها حركة أسسها ابن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، وهي ذات طبيعة أصولية متطرفة وتفسير متشدد للسلفية.

- محمد بن سلمان: لا أحد يستطيع تعريف ما تسمونه "الوهابية"، ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية؛ ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنةً، وكذلك لدينا مسلمون شيعة. ونؤمن بأن لدينا في الإسلام السني أربع مدارس فقهية، كما أن لدينا العلماء الشرعيين المعتبرين ومجلس الإفتاء. نعم في المملكة العربية السعودية واضحٌ أن قوانيننا تأتي من الإسلام والقرآن، ولدينا المذاهب الأربعة (الحنبلية، الحنفية، الشافعية، والمالكية) وهي مذاهب تختلف فيما بينها في بعض الأمور، وهذا أمر صحي ورحمة".

ما وراء الأسئلة:

الأمير الشاب يدرك بشكل مدهش ما وراء الأسئلة، ويتعامل معها بما يُنصِف صورة السعودية، وهنا الغرابة السياسية في سرد حقائق تنحّي منطق الدبلوماسية المتمنع.. الواضح أن الأمير يمتلك الثقة والحقائق.

الحديث عن المجتمع السعودي وتناول غرائبيات عنه ومحاولات وصفه بالرجعية؛ بالتأكيد هو هدف لوسائل الإعلام الغربية؛ سواء بموضوعية من وسائل محترمة تبحث عن إجابة منصفة أو من جهات عكس ذلك.

الأمير يستمر في الإيضاح: "في السعودية لدينا أمور مشتركة؛ جميعنا مسلمون، جميعنا نتحدث العربية، وكلنا لدينا نفس الثقافة ونفس الاهتمام. عندما يتحدث بعضكم عن الوهابية؛ فهم لا يعرفون بالضبط ما الذي يتحدثون عنه".

حول نفس النقطة تقريباً وفي حواره مع مجلة "التايم" يرد الأمير بسؤال: "من هو الوهابي؟ ينبغي عليك أن تشرح من هو الوهابي؛ لأنه لا يوجد شيء يُعرف بالوهابي، وإن هذه عبارة عن أحد أفكار المتطرفين بعد عام 79؛ وذلك لإدخال العامل الوهابي لكي يكون السعوديون جزءاً من شيء لا ينتمون له".

السعودية الحقيقية:

أيضاً في حواره مع قناة "CBS" يقر الأمير بأنه من بعد عام 1979م تأثرت صورة الإسلام المعتدل في السعودية؛ مضيفاً: "من بعد عام 1979م، أصبح هذا حقيقة، كنا ضحايا؛ ولا سيما جيلي الذي عانى من هذا الأمر بشكل كبير".

ويصحح الأمير الصورة بقوله: "على مدى الأربعين عاماً المنصرمة، ليست هذه هي السعودية الحقيقية.. إنني أطلب من المشاهدين استخدام هواتفهم الذكية لمعرفة ذلك، ويمكنهم البحث في جوجل عن السعودية في السبعينيات والثمانينيات، وسوف يرون السعودية الحقيقية بسهولة من خلال الصور. كنا نعيش حياة طبيعية جداً مثل بقية دول الخليج، كانت النساء تقود السيارات، كانت هناك دور سينما في المملكة العربية السعودية، عملت النساء في كل مكان، كنا مجرد أشخاص عاديين يتطورون مثل أي بلد آخر في العالم حتى أحداث 1979م.

عانينا معاً..

ويغوص الأمير -مدهشاً محاوره- في التاريخ السياسي: "الثورة الإيرانية قامت بخلق نظام قائم على أيديولوجية الشر المحض، نظام لا يعمل من أجل الشعب؛ لكنه يخدم أيديولوجية متطرفة معينة. وفي العالم السني، كان المتطرفون يحاولون استنساخ التجربة ذاتها. شهدنا الهجوم على المسجد الحرام في مكة، كما شهدنا حالة ثورة في إيران، وكانوا يحاولون تطبيقها في مكة. كنا نحاول إبقاء كل شيء مرتبطاً ببعضه؛ لمنع الانهيار. واجهنا الإرهاب في المملكة العربية السعودية وفي مصر. لقد طالبنا باعتقال أسامة بن لادن في وقت مبكر جداً؛ لأنه لم يكن في المملكة العربية السعودية. عانينا الكثير من خلال محاربة الإرهاب؛ حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. هذه هي القصة الحقيقية.

قوة معرفية:

هذه القوة المعرفية جعلت السيد جيفري يقول: "أنا لا أقول هنا إن الولايات المتحدة بريئة".

الأمير يكمل: "ذلك هو ما حتّمت فعلَه المصلحةُ؛ ليس لنا فحسب، بل لشركائنا أيضاً ومنهم أمريكا (التي تعلم ذلك). وكان لدينا ملك دفَع حياته ثمناً محاولاً التصدي لهؤلاء الناس بعد تغلغلهم ورفضهم تقويمَ مسارهم؛ وهو الملك فيصل، أحد أعظم ملوك المملكة العربية السعودية. وعندما يكون الأمر متعلقاً بتمويل الجماعات المتطرفة؛ فأنا أتحدى أي شخص أن يجلب دليلاً على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة".

استشهادات الأمير:

لم تكن استشهادات الأمير أبداً إنشائية؛ فهو ينتزعها من سرد وقائع على الأرض. يقول الأمير: "هناك عضو في المجلس (مجلس الوزراء في السعودية) من أتباع الطائفة الشيعية، وهناك عضو في البرلمان (مجلس الشورى) من أتباع الطائفة الشيعية. إن الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، وهي أكبر شركة في العالم، من أتباع الطائفة الشيعية. أهم جامعة في الشرق الأوسطـ، وتقع غرب السعودية (جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست") من يترأسها؟ إنه شخص من أتباع الطائفة الشيعية؛ ولذلك فإننا لا نميز بين السعوديين بناء على طوائفهم؛ فنحن نعيش في السعودية باعتبارنا سعوديين. وإذا ما نظرت إلى مجلس العلماء الذي يُعَد مجلس الإفتاء؛ فإنك ستجد أنه مكوّن من أشخاص قد يميلون إلى المدرسة الفكرية الحنبلية وبعضهم للمدرسة الفكرية الحنفية أو المالكية أو الشافعية. ونحن نشجع هذا التنوع في المدارس الفكرية في السعودية".

سؤال عن الملكية الدستورية:

جرأة أسئلة المحاورين في اللقاءات الثلاثة، تؤكد أن الأمير لم يضع أية قيود على استقبال أي سؤال؛ ففي واحد عن أهم ما يُعتقد أن السعودية تفضل عدم نقاشه؛ يجيب ولي العهد حول سؤال عن (الملكية المطلقة)؛ مؤكداً أنها "لا تُعَد تهديداً لأي بلد. أنت تقول عبارة "الملكية المطلقة" وكأنها تهديد"!.

هنا أيضاً لا ينسى الأمير أهمية إبراز نقطة لم يتوقعها محاوره: "لولا الملكية المطلقة؛ لما كان لديك الولايات المتحدة؛ إذ ساعدت الملكية المطلقة في فرنسا على إنشاء الولايات المتحدة من خلال دعمها. إن الملكية المطلقة ليست عدوة للولايات المتحدة، إنها حليفة لوقت طويل جداً".

تَكرر الحديث عن الملكية أيضاً في سؤال لمجلة "التايم": "هل تظن أن المملكة ستتقدم ويصبح نظامها أقل من كونه ملكياً مطلقاً في المستقبل؟ هل ترغب في أن تكون في يوم ما، كما يقول الملك عبدالله ملك الأردن، الذي يرغب في أن يكون ملكاً دستورياً يوماً ما؟".

ولي العهد: "ما يجب أن نركز عليه هو الغاية وليس الوسيلة. وهذه الغاية هي حكم القانون، وحرية التعبير، وحرية العمل، والأمن.. هذه هي الغايات التي يتفق عليها الجميع، وهي الغايات التي نتفق عليها في السعودية بطريقتنا الخاصة. يجب أن نتبع هذه الوسائل لنصل إلى تلك الغايات".

الملك سلمان ليس لديه سلطة مطلقة:

يدرك ولي العهد أن التوضيح لا يضر "واثق الخطوة"؛ فهو يفسر أن التحرك ضد الهيكلة الحالية "من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة في السعودية. "التركيب السعودي أكثر تعقيداً مما تعتقد".

وكأنما يتوقع بذكاءٍ السؤالَ القادم المبنيّ على إجابته يردف الأمير: "في الواقع لا يملك ملكنا سلطة مطلقة، وتستند قوته إلى القانون، وإذا قام بإصدار مرسوم ملكي فلا يمكنه أن يقول: "أنا الملك سلمان وأنا أقرر ذلك"، إذا قرأت المراسيم؛ فسترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ هذا القرار.. بالمناسبة، ملكة المملكة المتحدة لديها السلطة المطلقة في تغيير أي قانون؛ لكنها لا تمارس ذلك؛ لذلك فالأمر معقد".

ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها:

بساطة الأمير في التناول مدهشة تقرن بين التطلع نحو المستقبل والإقرار بالحاجة لتحسينات هامة ربما كانت مقتضيات الدبلوماسية تفضل القفز على السؤال من أساسه وقد كان في إمكان الأمير ذلك.

يقول الأمير: "ما يمكنني فعله هو تشجيع قوة القانون. نود أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع، طالما أننا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور. ويمكننا تحسين حقوق المرأة -وفق ضوابطنا- وتحسين الاقتصاد. يوجد لدينا تحديات هنا؛ لكن يجب علينا القيام بها.. ولكن هناك ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها: وهي تشويه الإسلام، والثاني الشخصنة في الأمور، والثالث الأمن القومي. بخلاف ذلك، فالشعب يمتلك الحرية للقيام بما يحلو له.. لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

هنا ستجد من اللافت جداً أن الأمير أشار لمقارنة ذكية جداً تفوقت فيها الثقافة السعودية على الحرية الأمريكية: يوضحها الأمير بقوله: "في أمريكا مثلاً، يمكنك انتقاد شخص وشركته أو وزير ووزارته؛ بينما في السعودية يمكنك انتقاد وزارة وشركة؛ ولكن بناء على ثقافة السعوديين؛ فإنهم يرفضون التجاوزات الشخصية، ويؤمنون بضرورة الابتعاد عن شخصنة الأمور. هذا جزء من الثقافة السعودية".

سؤال التطرف:

السؤال حول التطرف ورؤية السعودية الجديدة لدحره، كانت حاضرة في معظم الحوارات. وقد لخّص ولي العهد الأمر بدقة شديدة في جوانب أبرزها: "السعودية لا تنشر أي أيدلوجية متطرفة، السعودية هي أكبر ضحية للفكر المتطرف".

وأكد أن استهداف السعودية هو لكونها قبلة المسلمين. هو يقرأ تفكير المتطرفين: "إن أردت نشر الأيدلوجية فسأذهب إلى السعودية؛ وذلك لأنني إن قمت بنشرها هناك؛ فإنها ستبلغ كل مكان.. ذلك ما حدث بعد 1979. جميع هذه الجماعات المتطرفة، والإرهابيون الذين يستهدفون بلادنا لتجنيد المزيد من الناس من بلادنا، ولنشر أيدلوجيتهم في بلادنا لأنهم يريدون نشرها في جميع أنحاء العالم.. وذلك ما حدث ولقد كنا أول وأكبر دولة تدفع الثمن...".

هذا ما يجب على الغرب فعله:

وينطلق الأمير في خارطة طريق واضحة للمملكة للتصدي للتطرف، يوجزها في قوله: "محاربة التطرف لا تكون فقط في محاربة المتطرفين، ونشر الحداثة؛ فهذا الأمر جزء من محاربة التطرف؛ ولكن هنالك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها: التعرف على تلك الجماعات، وسن قوانين لمحاربتها، وتوضيح المعايير التي نميز من خلالها الإرهابيين.. هذا لا يعني حرية التعبير، عليك الحذر لأن هذا هو الطريق الذي يوصل الناس للإرهاب، نحن نحاول القيام بواجبنا في السعودية؛ فقد وضعنا قوانين وحققنا إنجازات".

هنا تحديداً يوجّه الأمير انتقاداً بحجم فجوة كبيرة لدى الغرب في التصدي للتطرف: يقول الأمير: "نقوم بالكثير من الأمور مع العديد من الدول حول العالم؛ ولكننا نشعر أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح في الغرب فقط. إذا أردت أن تحاربهم؛ يجب عليك أن تُصَنّفهم على أنهم مجرمين بموجب قوانينك".

القصاص والإعدام:

من ضمن المحاور التي وجُهت للأمير ولم تكن قاسماً مشتركاً في الحوار ونسوقها هنا للتأكيد على أن السعودية يمكنها أن تردّ وليست ملزمة أيضاً؛ لكن الأمير في سياسة شفافية مذهلة، يردّ على سؤال لمجلة "التايم": كنت أتساءل عما إذا كنتم ستتخذون أي خطوات فيما يتعلق بإنهاء أو تقليل الإعدامات وقطع الرؤوس في العلن؟

الأمير يردّ: "أتقصد تنفيذ حكم الإعدام بحق المتطرفين؟ أعتقد أن أمريكا ودولاً كثيرة حتى هذه اللحظة، تنفذ حكم الإعدام. لقد حاولنا التقليل من ذلك ولدينا قوانين واضحة [لا] يمكن أن نغيرها؛ فعلى سبيل المثال، عندما يقدم شخص ما على قتل شخص آخر؛ يجب أن ينفذ حكم الإعدام بحقه في قانوننا؛ ولكن هنالك جوانب قليلة يمكن تغييرها؛ بحيث يتم تغيير حكم الإعدام فيها إلى السجن المؤبد.. إن جلالة الملك، لا يستيقظ من نومه ويوقع فقط على ما يريد التوقيع عليه؛ بل إنه يعمل بما يقتضيه القانون والكتاب؛ فهناك قوانين متعلقة بكيف يعمل الملك كملك أو كرئيس للوزراء، نحن نعمل منذ سنتين في الحكومة وأيضاً في البرلمان السعودي على إقامة قوانين جديدة في هذا الجانب، ونعتقد أن الأمر سيستغرق لإتمامه عاماً واحد أو أكثر قليلاً، إنها مبادرة لن نلغيها بنسبة 100%؛ ولكننا سنقلل منها إلى حد كبير".

ماذا عن النشطاء السياسيين؟

سؤال آخر استبق المذيع القول بأنه يخشى أن يشكل حساسية لدى الأمير في الإجابة عليه؟!

غير أن الأمير رد ببساطة على السؤال عن وضع من وصفهم السؤال بـ(نشطاء سياسيين): اعتدنا على وصفهم في التسعينيات.. اعتادوا على وصف أسامة بن لادن بالأمر ذاته، ثم تبين أن أسامة بن لادن هو الخطر الأكبر الذي يواجه العالم بأسره. ويصفونهم اليوم بالأمر ذاته، ونحن نصفهم بحزب الإخوان المسلمين أو حزب السروريين أو الناس المرتبطين بمنظمات عديدة ويعملون لصالح دول كثيرة. وفي كل حالة، عندما تنتهي التحقيقات؛ نعلن عن تفاصيلها علناً".

المرأة السعودية:

يعد هذا المحور من أكثر القواسم المشتركة في الأسئلة التي تم توجيهها لسمو ولي العهد، كما أنه من أكثر الجوانب التي يتم فيها توجيه الإساءات للمملكة العربية السعودية ووصمها بعدم منح المرأة حقوقها.

في رده على سؤال لقناة "CBS" يقول الأمير: هناك العديد من الأفكار التي تتناقض مع طريقة الحياة في زمن الرسول والخلفاء، وهذا هو المعيار والنموذج الحقيقي الذي يجب أن نتبعه؛ فالقوانين واضحة جداً في الشريعة الإسلامية؛ مثلاً يجب على المرأة أن ترتدي ملابس لائقة ومحترمة مثل الرجال، ولم تحدد بشكل خاص العباءة السوداء أو النقاب، ويجب أن يكون القرار متروكاً تماماً للمرأة؛ أي من الملابس اللائقة والمحترمة التي يجب عليها أن ترتديها...".

مضيفاً: "أعطيت النساء السعوديات -اللواتي كُنّ غير ظاهرات في العلن- حقوقاً جديدة؛ مما يسهل عليهن بدء أعمال تجارية، والانضمام إلى الجيش، وحضور الحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية. وفي يونيو، سيكن قادرات على الجلوس خلف عجلة القيادة، وقيادة سياراتهن الخاصة.

وفي بساطة تثير الإعجاب يؤكد: "لقد انتهينا أخيراً من تلك الفترة المؤلمة التي لا يمكننا تبريرها".

أنا أدعم النساء:

الحديث عن المرأة السعودية هوس الإعلام الغربي، والأمير يدرك ذلك، ويرى أن الرد هو العلاج الفاعل لذلك الهوس.

يرد الأمير على سؤال كان يمكن أن يصنف كـ"مستفز"؛ لكن الأمير بهدوء يقول: "حتى اليوم ما زالت المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة؛ فهنالك حقوق منصوص عليها في الإسلام لا تمتلكها؛ ولكننا قطعنا شوطاً طويلاً جداً، ويتبقى طريق قصير لنقطعه".

وفي حديثه لمجلة "ذا أتلانتيك" يسأله جيفري غولدبيرغ: هل تؤمن بمساواة المرأة؟ فيرد: "أنا أدعم المملكة العربية السعودية، ونصف المملكة العربية السعودية من النساء؛ لذا أنا أدعم النساء.. في ديننا لا يوجد فرق بين الرجال والنساء، هناك واجبات على الرجال وهناك واجبات على النساء؛ لكن هناك أشكالاً مختلفة من فهمنا للمساواة.. في السعودية مثلاً يُدفع للنساء نفس المقابل المالي الذي يُدفع للرجال، وسيتم تطبيق هذه اللوائح على القطاع الخاص. لا نريد تفرقة المعاملة للأشخاص المختلفين".

قوانين الولاية:

وفيما يدّعي "غولدبيرغ" أن العديد من الأمريكيين يرون القضايا الرئيسية هي العوائق الهيكلية الحقيقية التي تُعيق مساواة المرأة؛ يردّ الأمير: "قبل عام 1979 كانت هناك عادات اجتماعية أكثر مرونة، ولم تكن هناك قوانين للولاية في المملكة العربية السعودية.. وأنا لا أتحدث عن ما قبل زمن طويل في عهد النبي؛ بل في الستينيات، لم تكن النساء ملزمات بالسفر مع أوليائهن الذكور (ما دامت في صحبة آمنة)؛ لكن هذا يحدث الآن، ونتمنى إيجاد طريقة لحل هذا الأمر بحيث لا يُضِر بالعائلات ولا يضر بالثقافة.. هناك الكثير من الأسر المحافظة في المملكة العربية السعودية".

لن أسمح بفقدان هويتنا:

يضيف الأمير: "هناك الكثير من العائلات المختلفة في فهمها وعاداتها بالداخل؛ فبعض العائلات تحب أن تكون لها سلطة مطلقة على أفرادها، وبعض النساء لا يرغبن في سيطرة الرجال عليهن.. هناك عائلات تعتبر هذا أمراً جيداً، وهناك عائلات منفتحة وتتيح للنساء والبنات حرية أكبر فيما يُردن؛ لذا إذا قلت نعم على هذا السؤال؛ فهذا يعني أنني أخلق مشاكل للعائلات التي لا تريد إعطاء الحرية لبناتها.. السعوديون لا يريدون أن يفقدوا هويتهم؛ صحيح أننا نريد أن نكون جزءاً من الثقافة العالمية؛ ولكننا نريد دمج ثقافتنا مع الهوية العالمية (بما لا يؤثر فيها)".

الفساد.. ما قمنا به يتفق والقوانين:

الحملة غير المسبوقة التي قام بها ولي العهد لاجتثاث الفساد، كانت أيضاً محوراً هاماً في الأسئلة، جل الأسئلة عن وضع من اعتقلوا. يقول الأمير لـ"CBS": المملكة العربية السعودية تؤمن بالعديد من مبادئ حقوق الإنسان، في الواقع نحن نؤمن إيماناً تاماً بفكرة حقوق الإنسان؛ لكن المعايير السعودية في النهاية ليست هي نفس المعايير الأمريكية، لا أريد أن أقول إنه ليس لدينا قصور في المعايير الخاصة بنا؛ بالتأكيد لدينا؛ لكن بطبيعة الحال نحن نعمل على إصلاح هذه العيوب. ما قمنا به في المملكة كان ضرورياً للغاية، وكانت جميع الإجراءات التي تم اتخاذها تتوافق مع القوانين القائمة.

وبمنطقية يصف الأمير الرأي الذي يرى ذلك "استعراضاً للسلطة" بأنه "اتهامات ساذجة؛ فإذا كانت لدى السلطة، والملك لديه القدرة على اتخاذ مثل هذه الإجراءات ضد أشخاص مؤثرين؛ فأنت بالفعل قوي".

مؤكداً أن الهدف الحقيقي "لم يكن الحصول على هذا المبلغ أو الأموال بصفة عامة؛ فالعبرة ليست في ذلك؛ لكن في معاقبة الفاسدين وإرسال إشارة واضحة بأن كل من ينخرط في صفقات فاسدة، سيواجه القانون".

المحور السياسي:

في المحاور السياسية كان الأمير حاسماً بما يعكس الثقل الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وكانت رسائله واضحةً أيضاً؛ فالأمر لم يعد يحتمل تركه لتأويلات أكثر.

إيران:

القاسم المشترك الأكبر في الأسئلة كان عن إيران. قال الأمير في إجابات حاسمة إن إيران تلعب دوراً ضاراً.. وتقوم على أيدلوجية خالصة، وتحتوي الإرهابيين من عملاء القاعدة.

ورفض الأمير أن تكون إيران منافسة للسعودية؛ فـ"جيشها ليس من بين الجيوش الخمسة الأوائل في العالم الإسلامي، والاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، وإيران بعيدة عن أن تكون مساوية للسعودية".

ويشدد الأمير مجدداً على أن "خامئني هو هتلر الشرق الأوسط الجديد؛ فهو يعمل على خُطى النازي الكبير، وقد يتسبب فيما تَسَبّب فيه، ولا أريد أن أرى نفس الأمر يحدث مجدداً في الشرق الأوسط".

وفي رده على سؤال لـ"ذا أتلانتيك"، يضيف الأمير في نفس السياق.. المرشد الأعلى يحاول أن يحتل العالم؛ فهو يعتقد أنه يملك العالم؛ كلاهما (خامئني، وهتلر) شخصان شريران. هو هتلر الشرق الأوسط. وفي العشرينيات والثلاثينيات لم ينظر أي أحد إلى هتلر باعتباره خطراً، مجرد عدد قليل من الناس، إلى أن حدث ذلك.. نحن لا نريد أن نرى ما حدث في أوروبا يحدث في الشرق الأوسط، نريد إيقاف ذلك عبر التحركات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، نريد تجنب الحرب.

مثلث الشر:

ولا يتردد الأمير في الإفصاح بحزم عن أن السعودية ستُطَور السلاح النووي في حال فعلت إيران ذلك.

وفي حوار الأمير مع مجلة "ذا اتلانتيك" تَحَدّث الأمير عن "مثلث الشر" "في هذا المثلث (إيران، الإخوان المسلمون، الجماعات الإرهابية)، يسعون للترويج لفكرة أن واجبنا كمسلمين هو إعادة تأسيس مفهومهم الخاص للخلافة، ويدّعون أن واجب المسلمين هو بناء إمبراطورية بالقوة وفقاً لفهمهم وأطماعهم...في مثلث الشر، يرغبون في التلاعب بالمسلمين، وإخبارهم بأن واجبهم كمسلمين -ومن أجل كرامتهم- يتطلب تأسيس إمبراطورية إسلامية (بالعنف والقوة وفق الأيدلوجيا المحرفة لكل أضلاع مثلث الشر). وللعلم فإن فكرهم هذا يخالف مبادئ الأمم المتحدة أيضاً، وفكرة اختلاف القوانين في مختلف الدول حسب حاجة كل دولة.

وعندما يقول "غولدبيرغ": يبدو أنك تعتقد بأن دونالد ترامب يتفهم بشكل أفضل هذه القضية من باراك أوباما؛ يستلهم الأمير دبلوماسية أنيقة وهو يقول: "كلاهما يفهمان القضية؛ لكن أعتقد أن الرئيس أوباما لديه أساليب مختلفة؛ فالرئيس أوباما يعتقد أنه إذا ما منح إيران الفرص للانفتاح فإنها ستتغير؛ ولكن مع نظام قائم على هذه الأيدلوجية؛ فهي لن تنفتح في وقت قريب.. بالنسبة لباراك أوباما، كانت النسبة 50%؛ ولكن حتى وإن كانت احتمالية نجاحها هي 50%؛ فإنه لا يمكننا المخاطرة بذلك؛ فالنسبة الأخرى التي تبلغ 50% هي احتمالية حرب. علينا أن نذهب إلى سيناريو لا يتضمن وجود حرب.. لدينا سيناريو حرب محتمل في الشرق الأوسط حالياً. لا يمكننا أن نتحمل الخطر هنا. علينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن في سبيل تجنب اتخاذ قرارات مؤلمة لاحقاً.

الحقائق فقط:

الأمير لا يعترف سوى بالحقائق ويؤكد أن بلاده ليست قلقة لأنها تعمل وتتحرك كما يجب: "أخرجناهم من إفريقيا بشكل قوي بأكثر من 95%، وذات الأمر ينطبق على آسيا، وذات الأمر ينطبق على اليمن. وفي العراق؛ فقد شاهدنا 70 ألف مشجع يرفعون علم العراق والسعودية معاً في مباراة كرة القدم التي جرت بين المنتخبين السعودي والعراقي؛ لذا فإنه يتم إعادتهم إلى داخل إيران تقريباً. ونحن نتمنى أن تحظى إيران كدولة وشعب بمستقبل أفضل بدون أولئك القادة. وفي حال تغير ذلك؛ فبالتأكيد ستكون إيران مقرّبة منا كما كانت قبل 1979م؛ لكن في حال لم يتغير ذلك؛ فبإمكانهم الاستمتاع بأنفسهم لفترة طويلة من الزمن حتى يتغيروا".

فخاخ الأسئلة:

الأمير بذكاء وسرعة بديهة كان دائماً يتفادي فخاخ الأسئلة؛ سواء كانت تُطرح بشكل مقصود أو غير مقصود. يسأله غولدبيرغ عن وضع الشيعة في السعودية: هل المشكلة برأيك طائفية؟

الأمير: "كما أخبرتك، يتمتع الشيعة بحياة طبيعية في السعودية، وليس لدينا مشاكل مع المذهب الشيعي، لدينا مشكلة مع أيدلوجية النظام الإيراني (ولاية الفقيه). ومشكلتنا هي: أننا لا نعتقد أن لديهم الحق في التدخل بشؤوننا، ولن نسمح لهم بذلك في أي حال".

اليمن:

في حوار مع مجلة "التايم"، يؤكد الأمير أن الحرب بين أطراف الشعب اليمني، والحكومة اليمنية هناك تسعى جاهدة من أجل التخلص من الإرهابيين الذين اختطفوا بلادهم وحياتهم الطبيعية.

وبواقعية شديدة يعلق الأمير عن سؤال حول سقوط ضحايا مدنيين بالقول: "أولاً الأخطاء واردة في أي عملية عسكرية، ليس بإمكان أحد خوض أي عملية عسكرية في شتى أنحاء العالم؛ حتى الولايات المتحدة وروسيا وجميع الدول، دون أخطاء.. السؤال هو هل كانت تلك الحوادث عن طريق الخطأ أم متعمدة؟ وبالتأكيد فإن أي أخطاء ارتكبتها المملكة أو دول التحالف هي حقاً أخطاء غير مقصودة تماماً.. نحن نعمل مع العديد من الدول في شتى أنحاء العالم من أجل رفع مستوى قواعد الاشتباك لدينا، والتأكد من عدم وجود أي وفيات مدنية في العمليات العسكرية. ويجدر الذكر أننا أكبرُ مانح للمساعدات في تاريخ اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي، نحن نعرف أنها لن تنتهي بدون حل سياسي؛ ولكن حتى يأتي ذلك اليوم ليس لدينا خيار سوى مواصلة العملية العسكرية؛ فالحوثيون لا يهتمون بالمصالح والمصالح اليمنية، إنهم يهتمون فقط بأيدلوجيتهم والأيدلوجية الإيرانية وأيدلوجية حزب الله، أو أنهم يرغبون في الموت؛ هذا ما يهتمون به؛ ولهذا السبب من الصعب التفاوض والتوصل لحل معهم، وقد أعلنت الأمم المتحدة ذلك".

سوريا:

الموقف السعودي من سوريا تعرّض للتشويه من وسائل إعلام عديدة. وكان ولي العهد صريحاً للغاية. يقول في حواره مع مجلة "التايم": لا أعلم إن كان بعض الأشخاص سيغضبون حينما أجيب على ذلك السؤال؛ لكنني لا أكذب، أعتقد أن الكذب على الناس أمر مُخزٍ فعلاً؛ وخصوصاً في عام 2018م؛ حيث يكاد يكون أمراً مستحيلاً أن تخفي شيئاً عن الناس. أعتقد أن بشار باقٍ في الوقت الحالي، وأن سوريا تمثّل جزءاً من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط لفترة طويلة جداً؛ ولكنني أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا على المدى المتوسط والبعيد؛ وذلك لأنه إن غيّرت سوريا أيدلوجيتها؛ حينها سيكون بشار دميةً لإيران".

أيّ صراحة مذهلة هذه كانت متوقعة من أكبر مسؤول مؤثر في الشرق الأوسط حالياً، كما وُصِف وصُنّف من جهات معتبرة في هذا المجال.

لا أحد يريد رؤية ذلك:

ويحسم الأمير التساؤلات... "لا أعتقد أن بشار سيرحل دون حرب، ولا أعتقد أنه يوجد أي أحد يريد أن يبدأ هذه الحرب؛ لما ستُحدِثه من تعارض بين الولايات المتحدة وروسيا، ولا أحد يريد رؤية ذلك.. نحن نحاول أن نركز في السعودية على كيفية مساعدة الشعب من خلال المعونات، ونحن لا نقوم بإرسالها بشكل مباشر؛ بل نرسلها عبر الأمم المتحدة والولايات المتحدة وحلفائنا، ونأمل أن تتوقف الأمور الذي تحدث في سوريا في أقرب فرصة ممكنة؛ وذلك لأن الناس يعانون هناك.

إسرائيل:

الأسئلة حول إسرائيل كانت الإجابة عليها مرتقية بشكل غير متوقع.

يؤكد الأمير: أعتقد عموماً أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في بلده المسالم، أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة؛ لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام عادل ومنصف؛ لضمان الاستقرار للجميع ولإقامة علاقات طبيعية بين الشعوب. أؤكد أن لدينا مخاوف دينية حول مصير المسجد الأقصى في القدس وحول حقوق الشعب الفلسطيني.. هذا ما لدينا، ليس لدينا أي اعتراض على وجود أي أشخاص آخرين وفق معاهدة سلام منصفة، يوجد الكثير من اليهود في المملكة العربية السعودية قادمون من أمريكا ومن أوروبا للعمل، ولا توجد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين واليهود، لدينا مشاكل مثل تلك الموجودة بين بعض الناس في أي مكان في العالم؛ لكنه النوع العادي من المشاكل. يبدو أن لدينا عدواً مشتركاً، ويبدو أن لدينا العديد من الأوجه المحتملة للتعاون الاقتصادي، ولا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين؛ لأن كلاً منهما لهما الحق في العيش والتعايش، وحتى حدوث ذلك؛ سنراقب وسنحاول دعم حل للسلام.

نقل السفارة إلى القدس:

وحول السؤال المهم "نقل السفارة الأمريكية إلى القدس"؟

يقول الأمير بهدوء في حواره مع مجلة "التايم": تربطنا علاقة وثيقة بأبو مازن، وأعتقد أنه رَدّ على الشائعات بنفسه ونفي صحتها، في الواقع أخبره الملك سلمان أن هناك مقولة في المملكة العربية السعودية تقول إن أهل مكة أدرى بشعابها؛ لذلك دائماً ما يذكّره الملك سلمان ويخبره: "كما تعرف يا أبو مازن، أهل مكة أدرى بشعابها، ونقول إن أهل فلسطين أدرى بشعابها؛ لذا فكل ما تراه مناسباً لك، سندعمه".. أياً كان ما نسمعه من حلفائنا الأمريكيين، أياً كان، سنحاول إيضاحه، وسنحاول دعمه لجعل الأمور تحدث؛ ولكن إذا لم يناسبكم الحل؛ فهو حل غير مناسب. في الواقع، نحن نحاول فعل ما بوسعنا، إنني أحاول التركيز بإيجابية على الفرص التي أمامنا، وعلى الخطوة القادمة، وكيف تؤخذ الأمور في وضع أفضل، وليس كيفية المجادلة مع أي خطأ.

أرامكو:

وفي موضوع يُهم العالم كله بلا مبالغة؛ يوضح الأمير حقيقة الوضع في حديثه مع "التايم": "نحن لا نقوم بتأخير الطرح، لقد قلنا إننا سنكون جاهزين لطرح أسهم أرامكو في حدود العام 2018، ونحن مستعدون، صغنا جميع القوانين، وقمنا بجميع الخطوات التي تجعلنا مستعدين لطرح أسهم أرامكو؛ أما الآن فالمسألة هي اختيار الوقت المناسب.. نعتقد أن أسعار النفط سترتفع في هذا العام، وسترتفع بشكل أكبر في عام 2019؛ لذا نحن نحاول أن نختار الوقت المناسب؛ لكننا مستعدون للطرح الآن إذا ما أصبح الوقت مناسباً. نحن ننظر في جميع الخيارات، والفريق الذي يعمل على طرح أرامكو الأولى للاكتتاب العام يظل يقول لي "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

كم هي روح الفريق حاضرة في قوله: "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

صورة عالمية للسعودية:

في حديث الأمير عموماً خارطة جديدة مذهلة لبلاده وصورة صححت الكثير من المغالطات؛ بل وجعلتها محل اهتمام العالم؛ فجولة تاريخية كهذه للأمير الشاب خرجت بمكتسبات مذهلة للمملكة وحلفائها الكبار. يشرح الأمير رداً على سؤال: "منذ متى وأنت تفكر بالقيام بهذه الجولة، وما هدفك من وراءها"؟

يجيب الأمير: "حينما بدأت أفكر بالقيام بجولة؛ كانت لدينا خطة لأجل السعودية، ونحن نفعل ما بوسعنا لتحقيق وتنفيذ هذه الخطط.. ولتنفيذ ما نقوم به؛ تَوَجّب علينا أن نحظى بكثير من الشركاء".

لن نقلد غيرنا:

وفي حواره مع مجلة "التايم"، كشف الأمير الكثير عن خطته لنقل السعودية لما تستحق، يقول رداً على سؤال: أشعر بالفضول حقاً حول الطريقة التي توصلت بها إلى خطتك في السعودية؟

يسرد ولي العهد سيرة عظيمة لبناء الأجداد، ويخلص إلى: "نؤمن نحن أن السعودية -حتى يومنا هذا- لم تستغل إلا 10% من قدرتها، ولدينا 90% متبقية لنحققها. وعليه فإن الخطط والرؤية تتمحور حول الـ90% المفقودة؛ فكيف يمكن لنا تطبيقها بأكبر قدر ممكن وأسرع وقت ممكن؟ نحن نرسم خطتنا بناءً على مكامن القوة لدينا؛ فلا نريد أن نقلد غيرنا.. وأعتقد أنه في السنوات الثلاث الأخيرة، فعلت السعودية أكثر مما حدث في الثلاثين سنة الماضية؛ وذلك لأن هذا يتماشى مع اهتماماتنا كسعوديين لكي نكون قادرين على المنافسة في الحياة الثقافية والاجتماعية. وإن الإسلام منفتح، وليس مثل ما يحاول المتطرفون إظهاره بعد عام 1979".

حياة الأمير الخاصة:

ولأن هناك العديد من الأسئلة التي أثيرت كثيراً حول حياة الأمير الخاصة والشخصية؛ لم يتردد الأمير في الرد عليها ببساطة كبيرة. يسألونه عن شبابه وكيف يمكنه "حكم هذه البلاد للسنوات الخمسين القادمة؟ ". يجيب: "الله وحده فقط يعلم كم من الوقت سأعيش، وإذا عاش المرء 50 عاماً أو لا؛ ولكن إذا سارت الأمور بطرقها العادية؛ فهذا أمر متوقع".

السؤال ذاته يتكرر مع مجلة "ذا أتلانتيك"، جيفري غولدبيرغ: إنني أشعر بالفضول حول شبابك؛ فهذه مهمة معقدة جداً بالنسبة لشاب".

الأمير الشاب: "أؤمن أن البشر يتعلمون حتى آخر يوم في حياتهم، وأي شخص يدّعي معرفة كل شيء لا يعرف شيئاً حقاً، وما نحاول القيام به هو أن نتعلم بسرعة، ونفهم بسرعة، وأن نكون محاطين بأشخاص أذكياء. ولا أعتقد أن شبابي يشكّل مشكلة.. أعتقد أن جيلي يمكنه إضافة الكثير".

وفي حواره مع مجلة "التايم"، وبالمنطق، يدحض اتهامات سيقت جزافاً: "لقد قلت مسبقاً لبرنامج 60 دقيقة إن الثراء ليس جريمة؛ بل الجريمة تكمن في أن تكون فاسداً.. وفي حال كنت فاسداً، أرجو أن توضح لي فسادي وتقدم دليلاً على ذلك. ولا يبدو أن هناك أي أحد يقدم أدلة.. وفي الحقيقة إنني أحب الفن، وأؤمن أن أي شخص يمتلك ذوقاً رفيعاً يجب أن يحب الفن ويقدره".

الأمير والتحديات:

الأمير في إصراره على التحدي، هو إصرار شعب ينتظر خلفه.. هكذا تبدو حماسة الأمير في الانطلاق نحو مستقبل السعودية.

وفي عبارة قوية جداً يجيب على سؤال: "هل هناك أي شيء يستطيع إيقافك؟".. يردّ: "فقط الموت".

ورداً على "ما هو أكبر تحدٍّ أمامك؟" يقول: "هنالك الكثير من التحديات؛ لكن أعتقد أن التحدي الكبير الذي يواجهنا هو أن يؤمن الناس بما نقوم به".

أما في سؤال "التايم" فاختلف السؤال قليلاً؛ لكن الإجابة واصلت التفوق: "هل لديك أي مخاوف بشأن محاولة الانفصال هناك؟.. أمنك الشخصي؟".

ولي العهد: لا، إننا نقوم بالأمور الصحيحة، ولا يمكن لأي شخص عقلاني أن يجادل مع ما هو صائب وما هو صحيح ومع الأمر المهم.

يثق الأمير في شعبه لذا يكمل: "بطبيعة الحال، بدون دعم الناس؛ لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة. وفي الواقع فقد اعتقدنا أن الأمر سيستغرق أكثر من 10 سنوات؛ لكن لماذا نفعله خلال ثلاث سنوات؟ لأن الناس يدعمون هذه الخطوة".

مبادئ أساسية:

خلال مختلف الأسئلة كانت سرعة بديهة الأمير ملفتة؛ خاصة فيما يتعلق بالمقارنات؛ فبعض الأسئلة تضع علامات استفهام حول وضع ما في السعودية ليتفاجأ بأن الأمير يسوق وضعاً أكثر حدة في بلد ديموقراطي عريق مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي سؤال لـ"جيفري غولدبيرغ": "لديّ سؤال يتعلق بالقيم: أنت قادم من بلد مختلف تماماً عن بلدنا؛ فبلدك يملك ملكية مطلقة، وهو مكان لا يحق للأشخاص فيه التصويت، ويوجد فيه العقاب البدني وعقوبة الإعدام بالطرق التي لا يحبها الكثير من الأمريكيين؟".

يرد الأمير: نحن لا نشارككم نفس القيم؛ ولكنني أعتقد أيضاً أن مختلف الولايات في الولايات المتحدة لا تتشارك نفس القيم تماماً، هناك قِيَم مختلفة بين كاليفورنيا وتكساس. إذن، كيف تريد منا مشاركة قيمكم بنسبة 100٪ عندما لا تتشاركون أنتم نفس القيم؟ بالطبع هناك مبادئ أساسية للقيم التي يشترك فيها جميع البشر؛ ولكن هناك اختلافات، من ولاية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد".

أنا لا أعمل وحدي:

كما يدحض الأمير أنه يعمل بمعزل عن أقرانه من أبناء الأسرة المالكة. يقول: "أنا لا أعمل وحدي؛ بل أعمل مع كل الأشخاص الأذكياء حقاً من جيلي في العائلة المالكة.. لدينا على سبيل المثال أكثر من 13 أميراً من جيلي ونفس عمري يعملون في 13 منطقة، ويتواجدون أيضاً في مجلس الوزراء وهم يعملون بجد، ويتواجدون أيضاً في مناصب مختلفة في مختلف الدوائر الحكومية.. يوجد الكثير منهم؛ لذا فأنا أعمل مع أكثر من 40 شخصاً من العائلة المالكة من مختلف الفروع لإنجاح الأمور في المملكة العربية السعودية".

13 إبريل 2018 - 27 رجب 1439
04:16 PM
اخر تعديل
15 نوفمبر 2018 - 7 ربيع الأول 1440
03:05 PM

الأسئلة الصعبة حول السعودية.. محمد بن سلمان يجيب

A A A
16
104,800

في جولته العالمية التاريخية الأخيرة (أبريل 2018م) والتي زار فيها (المملكة المتحدة، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، إسبانيا) أجرى ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود ثلاثة حوارات مع ثلاث من أبرز وسائل الإعلام العالمية: قناة "CBS"، ومجلة "ذا أتلانتيك" ومجلة "التايم".. كان واضحاً أن الأمير لم يضع أية قيود على الأسئلة؛ كاشفاً في شفافية مطلقة عما يمكن اعتباره وثيقة وخارطة طريق للسعودية نحو مستقبل رؤيتها الوطنية 2030م:

"سبق" تقرأ في هذا التقرير أبرز الملامح حول ذلك:

- الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام.

- لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف بل بالنشر السلمي لكلمة الله.

- هذه صورة السعودية الحقيقية وليس ما هو موجود في ذهنية الإعلام الغربي.

- قوانينا تأتي من الإسلام والقرآن ولدينا أربعة مذاهب اختلافُها رحمة.

- على مدى الأربعين عاماً المنصرمة هذه ليست هي السعودية الحقيقية.

- أتحدى أي شخص يمكنه جلب دليل على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة.

- إذا قرأت المراسيم؛ سترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ القرارات.

- نودّ أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع؛ ما دمنا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور.

- لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

- من الخطأ أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح.

- حتى اليوم لا تزال المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة.. تبقّى طريقٌ قصير لنقطعه.

- إيران تلعب دوراً ضاراً وتقوم على أيدولوجية خالصة.

- لدينا سيناريو حرب محتملة في الشرق الأوسط حالياً، وعلينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن.

- في اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي.

- أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا.

- لا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين.

- موقف المملكة من نقل السفارة هو ما قاله الملك سلمان لأبي مازن.

- خططنا تتمحور حول 90% من قدرات المملكة لم تُستخدم بعد.

- بدون دعم الناس لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة.

في التاريخ السياسي الحديث وعند الحديث عن كواليس السياسة وأشهر الأساليب، تبدو مفارقة "الشفافية" مع الدبلوماسية. ولعل من أبرز المقولات ما نُقل عن المستشار السياسي الروسي الشهير يوري أوشاكوف في حديثه عن فقيد الدبلوماسية السعودية الراحل سعود الفيصل رحمه الله، بقوله: "سعود الفيصل يتحدث بوضوح تام؛ مما يجعل محادثيه في حيرة من أمرهم، كيف يكون وزير خارجية بهذا الصدق والشفافية المطلقة".

مفهوم جديد:

الدبلوماسية السعودية بثبات مبادئها، ربما تضع حالياً معايير جديدة غير مسبوقة أو مألوفة؛ فحوارات المسؤولين السعوديين -خصوصاً في عهد سلمان الحزم- تمرّ بمرحلة جديدة بمقتضيات عديدة، وإن كان لا بد من أمثلة؛ فعلى رأسها المفهوم الجديد الذي يتحدث به ولي العهد السعودي صاحب السمو الملكي الأمير بن سلمان بن عبدالعزيز؛ حيث يمكن القول بنفس البساطة، أن حوارات الأمير تفيض بشفافية خارج المنطق الدبلوماسي المتعارف عليه، وفي نفس الوقت هي تقول الحقائق وتتعامل مع الوقائع ببساطة عجيبة ومباشرة. لسان الحال "لا شيء لدينا لنخفيه هكذا نذهب للمستقبل".

هذا ما سنفعله:

في آخر ثلاثة حوارات للأمير مع وسائل إعلام غريبة (CBS، ذات أتلانتيك، التايم) يمكن الجزم بأن الأمير تَحَدّث بشفافية فاقت كل توقع لتلك الوسائل -المولودة في بيئة ديموقراطية متحررة- والتي أدهشها الأمير بتقديم لغة عالية مليئة بالثقة، وتقول ببساطة هذا ما سنفعله.

في الحوارات الثلاثة كانت هناك قواسم مشتركة حول مواضيع معينة؛ غير أنه في كل مرة كان الأمير يؤكد الثوابت ويتعاطى مع المستجدات؛ بل لا يجد حرجاً في سرد شواهد مدهشة عن بلاد تُعَد متقدمة جداً؛ ولكن السعودية تتفوق عليها في جانب ما، أو أن تلك البلاد لم تكن أفضل في حال الإقرار بوضع كان ومن المهم العمل على تغييره.

صورة الإسلام:

الحديث عن صورة الإسلام الناصعة كان قاسماً مشتركاً في حديث ولي العهد؛ ففي حواره مع جيفري غولدينبرغ من مجلة "ذا أتلانتيك"، يؤكد الأمير أن "الإسلام هو دين السلام.. هذه هي الترجمة الصحيحة للإسلام، ربنا في الإسلام وضع على عاتقنا مسؤوليتين: أولاً الإيمان والقيام بكل ما هو جيد وتجنب المعاصي، وفي حال عصينا؛ فإن الله سيحاسبنا يوم الحساب.. وواجبنا الثاني كمسلمين هو نشر كلمة الله سبحانه".

وفي دقة تجيب على السؤال الضمني عن حقيقة نشر الإسلام بالسيف، يجيب سموه: "على مدى 1400 سنة، كان المسلمون يسعون لنشر كلمة الله في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأوروبا، لم يكن مسموحاً لهم بنشر كلمة الله بالحسنى؛ لذلك قاموا بالقتال من أجل نشر الرسالة، وهذا واجبنا؛ ولكنك ترى أيضاً أنه في العديد من الدول في آسيا، مثل إندونيسيا وماليزيا والهند؛ كان لدى المسلمين الحرية في نشر كلمة الله، وقد قيل لهم: تفضلوا بإمكانكم قول ما ترغبونه وللناس حق الإيمان بما يشاؤون. في هذا السياق، لم يكن نشر الإسلام باستخدام السيف؛ بل بالنشر السلمي لكلمة الله".

وفي حواره مع مجلة "التايم" وعن نفس الإطار العام عن الإسلام يجيب: "نعتقد أن الممارسة اليوم في القليل من الدول -من بينها السعودية- ليست ممارسة الإسلام؛ بل هي من ممارسة الأشخاص الذين اختطفوا الإسلام بعد عام (1979م). الإسلام مختلف تماماً عما يحاول المتطرفون الترويج له اليوم".

*صورة المملكة في الذهنية الغربية:

عمق وشفافية ولي العهد كانت شجاعة جداً في التصدي للأسئلة العالقة في الذهنية الغربية عن بلد مثل المملكة العربية السعودية، يسعى الكثير من الظلاميين ويصرون على إلصاق تهم مثل التطرف وغيره بهذا البلد؛ ففي حوار "ذا أتلانتيك"، ورداً على سؤال عما وصفه المذيع بـ"الوهابية" يرد الأمير: "قبل كل شيء، هذ المصطلح (الوهابية) هل يمكنك أن تعرّفه لنا؟ نحن لا نعرف أي شيء عنه".

براعة الأمير أظهرت أن ليس أقوى الردود دائماً تفسير الإجابة أو التصدي لها؛ بل أحياناً وعندما يستلزم الأمر؛ التأكيد على أن السؤال يحمل الخطأ. يدور الحوار الشيق:

* جيفري غولدبيرغ: ماذا تقصد بأنك لا تعرف عنه شيئاً؟

- محمد بن سلمان: ما هي الوهابية؟

* جيفري غولدبيرغ: أنت ولي عهد المملكة العربية السعودية، بالتأكيد أنك تعرف الوهابية.

- محمد بن سلمان: لا أحد بإمكانه تعريف هذا المصطلح "الوهابية".

*جيفري غولدبيرغ: إنها حركة أسسها ابن عبدالوهاب في القرن الثامن عشر، وهي ذات طبيعة أصولية متطرفة وتفسير متشدد للسلفية.

- محمد بن سلمان: لا أحد يستطيع تعريف ما تسمونه "الوهابية"، ليس هناك ما يسمى بالوهابية! نحن لا نؤمن بأن لدينا وهابية؛ ولكن لدينا في المملكة العربية السعودية مسلمون سنةً، وكذلك لدينا مسلمون شيعة. ونؤمن بأن لدينا في الإسلام السني أربع مدارس فقهية، كما أن لدينا العلماء الشرعيين المعتبرين ومجلس الإفتاء. نعم في المملكة العربية السعودية واضحٌ أن قوانيننا تأتي من الإسلام والقرآن، ولدينا المذاهب الأربعة (الحنبلية، الحنفية، الشافعية، والمالكية) وهي مذاهب تختلف فيما بينها في بعض الأمور، وهذا أمر صحي ورحمة".

ما وراء الأسئلة:

الأمير الشاب يدرك بشكل مدهش ما وراء الأسئلة، ويتعامل معها بما يُنصِف صورة السعودية، وهنا الغرابة السياسية في سرد حقائق تنحّي منطق الدبلوماسية المتمنع.. الواضح أن الأمير يمتلك الثقة والحقائق.

الحديث عن المجتمع السعودي وتناول غرائبيات عنه ومحاولات وصفه بالرجعية؛ بالتأكيد هو هدف لوسائل الإعلام الغربية؛ سواء بموضوعية من وسائل محترمة تبحث عن إجابة منصفة أو من جهات عكس ذلك.

الأمير يستمر في الإيضاح: "في السعودية لدينا أمور مشتركة؛ جميعنا مسلمون، جميعنا نتحدث العربية، وكلنا لدينا نفس الثقافة ونفس الاهتمام. عندما يتحدث بعضكم عن الوهابية؛ فهم لا يعرفون بالضبط ما الذي يتحدثون عنه".

حول نفس النقطة تقريباً وفي حواره مع مجلة "التايم" يرد الأمير بسؤال: "من هو الوهابي؟ ينبغي عليك أن تشرح من هو الوهابي؛ لأنه لا يوجد شيء يُعرف بالوهابي، وإن هذه عبارة عن أحد أفكار المتطرفين بعد عام 79؛ وذلك لإدخال العامل الوهابي لكي يكون السعوديون جزءاً من شيء لا ينتمون له".

السعودية الحقيقية:

أيضاً في حواره مع قناة "CBS" يقر الأمير بأنه من بعد عام 1979م تأثرت صورة الإسلام المعتدل في السعودية؛ مضيفاً: "من بعد عام 1979م، أصبح هذا حقيقة، كنا ضحايا؛ ولا سيما جيلي الذي عانى من هذا الأمر بشكل كبير".

ويصحح الأمير الصورة بقوله: "على مدى الأربعين عاماً المنصرمة، ليست هذه هي السعودية الحقيقية.. إنني أطلب من المشاهدين استخدام هواتفهم الذكية لمعرفة ذلك، ويمكنهم البحث في جوجل عن السعودية في السبعينيات والثمانينيات، وسوف يرون السعودية الحقيقية بسهولة من خلال الصور. كنا نعيش حياة طبيعية جداً مثل بقية دول الخليج، كانت النساء تقود السيارات، كانت هناك دور سينما في المملكة العربية السعودية، عملت النساء في كل مكان، كنا مجرد أشخاص عاديين يتطورون مثل أي بلد آخر في العالم حتى أحداث 1979م.

عانينا معاً..

ويغوص الأمير -مدهشاً محاوره- في التاريخ السياسي: "الثورة الإيرانية قامت بخلق نظام قائم على أيديولوجية الشر المحض، نظام لا يعمل من أجل الشعب؛ لكنه يخدم أيديولوجية متطرفة معينة. وفي العالم السني، كان المتطرفون يحاولون استنساخ التجربة ذاتها. شهدنا الهجوم على المسجد الحرام في مكة، كما شهدنا حالة ثورة في إيران، وكانوا يحاولون تطبيقها في مكة. كنا نحاول إبقاء كل شيء مرتبطاً ببعضه؛ لمنع الانهيار. واجهنا الإرهاب في المملكة العربية السعودية وفي مصر. لقد طالبنا باعتقال أسامة بن لادن في وقت مبكر جداً؛ لأنه لم يكن في المملكة العربية السعودية. عانينا الكثير من خلال محاربة الإرهاب؛ حتى جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر.. هذه هي القصة الحقيقية.

قوة معرفية:

هذه القوة المعرفية جعلت السيد جيفري يقول: "أنا لا أقول هنا إن الولايات المتحدة بريئة".

الأمير يكمل: "ذلك هو ما حتّمت فعلَه المصلحةُ؛ ليس لنا فحسب، بل لشركائنا أيضاً ومنهم أمريكا (التي تعلم ذلك). وكان لدينا ملك دفَع حياته ثمناً محاولاً التصدي لهؤلاء الناس بعد تغلغلهم ورفضهم تقويمَ مسارهم؛ وهو الملك فيصل، أحد أعظم ملوك المملكة العربية السعودية. وعندما يكون الأمر متعلقاً بتمويل الجماعات المتطرفة؛ فأنا أتحدى أي شخص أن يجلب دليلاً على تمويل الحكومة السعودية للجماعات المتطرفة".

استشهادات الأمير:

لم تكن استشهادات الأمير أبداً إنشائية؛ فهو ينتزعها من سرد وقائع على الأرض. يقول الأمير: "هناك عضو في المجلس (مجلس الوزراء في السعودية) من أتباع الطائفة الشيعية، وهناك عضو في البرلمان (مجلس الشورى) من أتباع الطائفة الشيعية. إن الرئيس التنفيذي لشركة أرامكو، وهي أكبر شركة في العالم، من أتباع الطائفة الشيعية. أهم جامعة في الشرق الأوسطـ، وتقع غرب السعودية (جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية "كاوست") من يترأسها؟ إنه شخص من أتباع الطائفة الشيعية؛ ولذلك فإننا لا نميز بين السعوديين بناء على طوائفهم؛ فنحن نعيش في السعودية باعتبارنا سعوديين. وإذا ما نظرت إلى مجلس العلماء الذي يُعَد مجلس الإفتاء؛ فإنك ستجد أنه مكوّن من أشخاص قد يميلون إلى المدرسة الفكرية الحنبلية وبعضهم للمدرسة الفكرية الحنفية أو المالكية أو الشافعية. ونحن نشجع هذا التنوع في المدارس الفكرية في السعودية".

سؤال عن الملكية الدستورية:

جرأة أسئلة المحاورين في اللقاءات الثلاثة، تؤكد أن الأمير لم يضع أية قيود على استقبال أي سؤال؛ ففي واحد عن أهم ما يُعتقد أن السعودية تفضل عدم نقاشه؛ يجيب ولي العهد حول سؤال عن (الملكية المطلقة)؛ مؤكداً أنها "لا تُعَد تهديداً لأي بلد. أنت تقول عبارة "الملكية المطلقة" وكأنها تهديد"!.

هنا أيضاً لا ينسى الأمير أهمية إبراز نقطة لم يتوقعها محاوره: "لولا الملكية المطلقة؛ لما كان لديك الولايات المتحدة؛ إذ ساعدت الملكية المطلقة في فرنسا على إنشاء الولايات المتحدة من خلال دعمها. إن الملكية المطلقة ليست عدوة للولايات المتحدة، إنها حليفة لوقت طويل جداً".

تَكرر الحديث عن الملكية أيضاً في سؤال لمجلة "التايم": "هل تظن أن المملكة ستتقدم ويصبح نظامها أقل من كونه ملكياً مطلقاً في المستقبل؟ هل ترغب في أن تكون في يوم ما، كما يقول الملك عبدالله ملك الأردن، الذي يرغب في أن يكون ملكاً دستورياً يوماً ما؟".

ولي العهد: "ما يجب أن نركز عليه هو الغاية وليس الوسيلة. وهذه الغاية هي حكم القانون، وحرية التعبير، وحرية العمل، والأمن.. هذه هي الغايات التي يتفق عليها الجميع، وهي الغايات التي نتفق عليها في السعودية بطريقتنا الخاصة. يجب أن نتبع هذه الوسائل لنصل إلى تلك الغايات".

الملك سلمان ليس لديه سلطة مطلقة:

يدرك ولي العهد أن التوضيح لا يضر "واثق الخطوة"؛ فهو يفسر أن التحرك ضد الهيكلة الحالية "من شأنه أن يخلق مشاكل كبيرة في السعودية. "التركيب السعودي أكثر تعقيداً مما تعتقد".

وكأنما يتوقع بذكاءٍ السؤالَ القادم المبنيّ على إجابته يردف الأمير: "في الواقع لا يملك ملكنا سلطة مطلقة، وتستند قوته إلى القانون، وإذا قام بإصدار مرسوم ملكي فلا يمكنه أن يقول: "أنا الملك سلمان وأنا أقرر ذلك"، إذا قرأت المراسيم؛ فسترى أولاً قائمة القوانين التي تسمح للملك باتخاذ هذا القرار.. بالمناسبة، ملكة المملكة المتحدة لديها السلطة المطلقة في تغيير أي قانون؛ لكنها لا تمارس ذلك؛ لذلك فالأمر معقد".

ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها:

بساطة الأمير في التناول مدهشة تقرن بين التطلع نحو المستقبل والإقرار بالحاجة لتحسينات هامة ربما كانت مقتضيات الدبلوماسية تفضل القفز على السؤال من أساسه وقد كان في إمكان الأمير ذلك.

يقول الأمير: "ما يمكنني فعله هو تشجيع قوة القانون. نود أن نشجع حرية التعبير بقدر ما نستطيع، طالما أننا لا نعطي الفرصة للتطرف بالظهور. ويمكننا تحسين حقوق المرأة -وفق ضوابطنا- وتحسين الاقتصاد. يوجد لدينا تحديات هنا؛ لكن يجب علينا القيام بها.. ولكن هناك ثلاثة خطوط لا يمكن تجاوزها: وهي تشويه الإسلام، والثاني الشخصنة في الأمور، والثالث الأمن القومي. بخلاف ذلك، فالشعب يمتلك الحرية للقيام بما يحلو له.. لدينا أكبر نسبة من الأشخاص الذين يستخدمون مواقع التواصل الاجتماعي حول العالم.

هنا ستجد من اللافت جداً أن الأمير أشار لمقارنة ذكية جداً تفوقت فيها الثقافة السعودية على الحرية الأمريكية: يوضحها الأمير بقوله: "في أمريكا مثلاً، يمكنك انتقاد شخص وشركته أو وزير ووزارته؛ بينما في السعودية يمكنك انتقاد وزارة وشركة؛ ولكن بناء على ثقافة السعوديين؛ فإنهم يرفضون التجاوزات الشخصية، ويؤمنون بضرورة الابتعاد عن شخصنة الأمور. هذا جزء من الثقافة السعودية".

سؤال التطرف:

السؤال حول التطرف ورؤية السعودية الجديدة لدحره، كانت حاضرة في معظم الحوارات. وقد لخّص ولي العهد الأمر بدقة شديدة في جوانب أبرزها: "السعودية لا تنشر أي أيدلوجية متطرفة، السعودية هي أكبر ضحية للفكر المتطرف".

وأكد أن استهداف السعودية هو لكونها قبلة المسلمين. هو يقرأ تفكير المتطرفين: "إن أردت نشر الأيدلوجية فسأذهب إلى السعودية؛ وذلك لأنني إن قمت بنشرها هناك؛ فإنها ستبلغ كل مكان.. ذلك ما حدث بعد 1979. جميع هذه الجماعات المتطرفة، والإرهابيون الذين يستهدفون بلادنا لتجنيد المزيد من الناس من بلادنا، ولنشر أيدلوجيتهم في بلادنا لأنهم يريدون نشرها في جميع أنحاء العالم.. وذلك ما حدث ولقد كنا أول وأكبر دولة تدفع الثمن...".

هذا ما يجب على الغرب فعله:

وينطلق الأمير في خارطة طريق واضحة للمملكة للتصدي للتطرف، يوجزها في قوله: "محاربة التطرف لا تكون فقط في محاربة المتطرفين، ونشر الحداثة؛ فهذا الأمر جزء من محاربة التطرف؛ ولكن هنالك الكثير من الأمور التي يجب القيام بها: التعرف على تلك الجماعات، وسن قوانين لمحاربتها، وتوضيح المعايير التي نميز من خلالها الإرهابيين.. هذا لا يعني حرية التعبير، عليك الحذر لأن هذا هو الطريق الذي يوصل الناس للإرهاب، نحن نحاول القيام بواجبنا في السعودية؛ فقد وضعنا قوانين وحققنا إنجازات".

هنا تحديداً يوجّه الأمير انتقاداً بحجم فجوة كبيرة لدى الغرب في التصدي للتطرف: يقول الأمير: "نقوم بالكثير من الأمور مع العديد من الدول حول العالم؛ ولكننا نشعر أن الدول الغربية تحاول محاربة أولئك المتطرفين من خلال تقديم فرصة الاعتدال والانفتاح في الغرب فقط. إذا أردت أن تحاربهم؛ يجب عليك أن تُصَنّفهم على أنهم مجرمين بموجب قوانينك".

القصاص والإعدام:

من ضمن المحاور التي وجُهت للأمير ولم تكن قاسماً مشتركاً في الحوار ونسوقها هنا للتأكيد على أن السعودية يمكنها أن تردّ وليست ملزمة أيضاً؛ لكن الأمير في سياسة شفافية مذهلة، يردّ على سؤال لمجلة "التايم": كنت أتساءل عما إذا كنتم ستتخذون أي خطوات فيما يتعلق بإنهاء أو تقليل الإعدامات وقطع الرؤوس في العلن؟

الأمير يردّ: "أتقصد تنفيذ حكم الإعدام بحق المتطرفين؟ أعتقد أن أمريكا ودولاً كثيرة حتى هذه اللحظة، تنفذ حكم الإعدام. لقد حاولنا التقليل من ذلك ولدينا قوانين واضحة [لا] يمكن أن نغيرها؛ فعلى سبيل المثال، عندما يقدم شخص ما على قتل شخص آخر؛ يجب أن ينفذ حكم الإعدام بحقه في قانوننا؛ ولكن هنالك جوانب قليلة يمكن تغييرها؛ بحيث يتم تغيير حكم الإعدام فيها إلى السجن المؤبد.. إن جلالة الملك، لا يستيقظ من نومه ويوقع فقط على ما يريد التوقيع عليه؛ بل إنه يعمل بما يقتضيه القانون والكتاب؛ فهناك قوانين متعلقة بكيف يعمل الملك كملك أو كرئيس للوزراء، نحن نعمل منذ سنتين في الحكومة وأيضاً في البرلمان السعودي على إقامة قوانين جديدة في هذا الجانب، ونعتقد أن الأمر سيستغرق لإتمامه عاماً واحد أو أكثر قليلاً، إنها مبادرة لن نلغيها بنسبة 100%؛ ولكننا سنقلل منها إلى حد كبير".

ماذا عن النشطاء السياسيين؟

سؤال آخر استبق المذيع القول بأنه يخشى أن يشكل حساسية لدى الأمير في الإجابة عليه؟!

غير أن الأمير رد ببساطة على السؤال عن وضع من وصفهم السؤال بـ(نشطاء سياسيين): اعتدنا على وصفهم في التسعينيات.. اعتادوا على وصف أسامة بن لادن بالأمر ذاته، ثم تبين أن أسامة بن لادن هو الخطر الأكبر الذي يواجه العالم بأسره. ويصفونهم اليوم بالأمر ذاته، ونحن نصفهم بحزب الإخوان المسلمين أو حزب السروريين أو الناس المرتبطين بمنظمات عديدة ويعملون لصالح دول كثيرة. وفي كل حالة، عندما تنتهي التحقيقات؛ نعلن عن تفاصيلها علناً".

المرأة السعودية:

يعد هذا المحور من أكثر القواسم المشتركة في الأسئلة التي تم توجيهها لسمو ولي العهد، كما أنه من أكثر الجوانب التي يتم فيها توجيه الإساءات للمملكة العربية السعودية ووصمها بعدم منح المرأة حقوقها.

في رده على سؤال لقناة "CBS" يقول الأمير: هناك العديد من الأفكار التي تتناقض مع طريقة الحياة في زمن الرسول والخلفاء، وهذا هو المعيار والنموذج الحقيقي الذي يجب أن نتبعه؛ فالقوانين واضحة جداً في الشريعة الإسلامية؛ مثلاً يجب على المرأة أن ترتدي ملابس لائقة ومحترمة مثل الرجال، ولم تحدد بشكل خاص العباءة السوداء أو النقاب، ويجب أن يكون القرار متروكاً تماماً للمرأة؛ أي من الملابس اللائقة والمحترمة التي يجب عليها أن ترتديها...".

مضيفاً: "أعطيت النساء السعوديات -اللواتي كُنّ غير ظاهرات في العلن- حقوقاً جديدة؛ مما يسهل عليهن بدء أعمال تجارية، والانضمام إلى الجيش، وحضور الحفلات الموسيقية والأحداث الرياضية. وفي يونيو، سيكن قادرات على الجلوس خلف عجلة القيادة، وقيادة سياراتهن الخاصة.

وفي بساطة تثير الإعجاب يؤكد: "لقد انتهينا أخيراً من تلك الفترة المؤلمة التي لا يمكننا تبريرها".

أنا أدعم النساء:

الحديث عن المرأة السعودية هوس الإعلام الغربي، والأمير يدرك ذلك، ويرى أن الرد هو العلاج الفاعل لذلك الهوس.

يرد الأمير على سؤال كان يمكن أن يصنف كـ"مستفز"؛ لكن الأمير بهدوء يقول: "حتى اليوم ما زالت المرأة السعودية لم تحصل على حقوقها كاملة؛ فهنالك حقوق منصوص عليها في الإسلام لا تمتلكها؛ ولكننا قطعنا شوطاً طويلاً جداً، ويتبقى طريق قصير لنقطعه".

وفي حديثه لمجلة "ذا أتلانتيك" يسأله جيفري غولدبيرغ: هل تؤمن بمساواة المرأة؟ فيرد: "أنا أدعم المملكة العربية السعودية، ونصف المملكة العربية السعودية من النساء؛ لذا أنا أدعم النساء.. في ديننا لا يوجد فرق بين الرجال والنساء، هناك واجبات على الرجال وهناك واجبات على النساء؛ لكن هناك أشكالاً مختلفة من فهمنا للمساواة.. في السعودية مثلاً يُدفع للنساء نفس المقابل المالي الذي يُدفع للرجال، وسيتم تطبيق هذه اللوائح على القطاع الخاص. لا نريد تفرقة المعاملة للأشخاص المختلفين".

قوانين الولاية:

وفيما يدّعي "غولدبيرغ" أن العديد من الأمريكيين يرون القضايا الرئيسية هي العوائق الهيكلية الحقيقية التي تُعيق مساواة المرأة؛ يردّ الأمير: "قبل عام 1979 كانت هناك عادات اجتماعية أكثر مرونة، ولم تكن هناك قوانين للولاية في المملكة العربية السعودية.. وأنا لا أتحدث عن ما قبل زمن طويل في عهد النبي؛ بل في الستينيات، لم تكن النساء ملزمات بالسفر مع أوليائهن الذكور (ما دامت في صحبة آمنة)؛ لكن هذا يحدث الآن، ونتمنى إيجاد طريقة لحل هذا الأمر بحيث لا يُضِر بالعائلات ولا يضر بالثقافة.. هناك الكثير من الأسر المحافظة في المملكة العربية السعودية".

لن أسمح بفقدان هويتنا:

يضيف الأمير: "هناك الكثير من العائلات المختلفة في فهمها وعاداتها بالداخل؛ فبعض العائلات تحب أن تكون لها سلطة مطلقة على أفرادها، وبعض النساء لا يرغبن في سيطرة الرجال عليهن.. هناك عائلات تعتبر هذا أمراً جيداً، وهناك عائلات منفتحة وتتيح للنساء والبنات حرية أكبر فيما يُردن؛ لذا إذا قلت نعم على هذا السؤال؛ فهذا يعني أنني أخلق مشاكل للعائلات التي لا تريد إعطاء الحرية لبناتها.. السعوديون لا يريدون أن يفقدوا هويتهم؛ صحيح أننا نريد أن نكون جزءاً من الثقافة العالمية؛ ولكننا نريد دمج ثقافتنا مع الهوية العالمية (بما لا يؤثر فيها)".

الفساد.. ما قمنا به يتفق والقوانين:

الحملة غير المسبوقة التي قام بها ولي العهد لاجتثاث الفساد، كانت أيضاً محوراً هاماً في الأسئلة، جل الأسئلة عن وضع من اعتقلوا. يقول الأمير لـ"CBS": المملكة العربية السعودية تؤمن بالعديد من مبادئ حقوق الإنسان، في الواقع نحن نؤمن إيماناً تاماً بفكرة حقوق الإنسان؛ لكن المعايير السعودية في النهاية ليست هي نفس المعايير الأمريكية، لا أريد أن أقول إنه ليس لدينا قصور في المعايير الخاصة بنا؛ بالتأكيد لدينا؛ لكن بطبيعة الحال نحن نعمل على إصلاح هذه العيوب. ما قمنا به في المملكة كان ضرورياً للغاية، وكانت جميع الإجراءات التي تم اتخاذها تتوافق مع القوانين القائمة.

وبمنطقية يصف الأمير الرأي الذي يرى ذلك "استعراضاً للسلطة" بأنه "اتهامات ساذجة؛ فإذا كانت لدى السلطة، والملك لديه القدرة على اتخاذ مثل هذه الإجراءات ضد أشخاص مؤثرين؛ فأنت بالفعل قوي".

مؤكداً أن الهدف الحقيقي "لم يكن الحصول على هذا المبلغ أو الأموال بصفة عامة؛ فالعبرة ليست في ذلك؛ لكن في معاقبة الفاسدين وإرسال إشارة واضحة بأن كل من ينخرط في صفقات فاسدة، سيواجه القانون".

المحور السياسي:

في المحاور السياسية كان الأمير حاسماً بما يعكس الثقل الذي تمثله المملكة العربية السعودية، وكانت رسائله واضحةً أيضاً؛ فالأمر لم يعد يحتمل تركه لتأويلات أكثر.

إيران:

القاسم المشترك الأكبر في الأسئلة كان عن إيران. قال الأمير في إجابات حاسمة إن إيران تلعب دوراً ضاراً.. وتقوم على أيدلوجية خالصة، وتحتوي الإرهابيين من عملاء القاعدة.

ورفض الأمير أن تكون إيران منافسة للسعودية؛ فـ"جيشها ليس من بين الجيوش الخمسة الأوائل في العالم الإسلامي، والاقتصاد السعودي أكبر من الاقتصاد الإيراني، وإيران بعيدة عن أن تكون مساوية للسعودية".

ويشدد الأمير مجدداً على أن "خامئني هو هتلر الشرق الأوسط الجديد؛ فهو يعمل على خُطى النازي الكبير، وقد يتسبب فيما تَسَبّب فيه، ولا أريد أن أرى نفس الأمر يحدث مجدداً في الشرق الأوسط".

وفي رده على سؤال لـ"ذا أتلانتيك"، يضيف الأمير في نفس السياق.. المرشد الأعلى يحاول أن يحتل العالم؛ فهو يعتقد أنه يملك العالم؛ كلاهما (خامئني، وهتلر) شخصان شريران. هو هتلر الشرق الأوسط. وفي العشرينيات والثلاثينيات لم ينظر أي أحد إلى هتلر باعتباره خطراً، مجرد عدد قليل من الناس، إلى أن حدث ذلك.. نحن لا نريد أن نرى ما حدث في أوروبا يحدث في الشرق الأوسط، نريد إيقاف ذلك عبر التحركات السياسية والاقتصادية والاستخباراتية، نريد تجنب الحرب.

مثلث الشر:

ولا يتردد الأمير في الإفصاح بحزم عن أن السعودية ستُطَور السلاح النووي في حال فعلت إيران ذلك.

وفي حوار الأمير مع مجلة "ذا اتلانتيك" تَحَدّث الأمير عن "مثلث الشر" "في هذا المثلث (إيران، الإخوان المسلمون، الجماعات الإرهابية)، يسعون للترويج لفكرة أن واجبنا كمسلمين هو إعادة تأسيس مفهومهم الخاص للخلافة، ويدّعون أن واجب المسلمين هو بناء إمبراطورية بالقوة وفقاً لفهمهم وأطماعهم...في مثلث الشر، يرغبون في التلاعب بالمسلمين، وإخبارهم بأن واجبهم كمسلمين -ومن أجل كرامتهم- يتطلب تأسيس إمبراطورية إسلامية (بالعنف والقوة وفق الأيدلوجيا المحرفة لكل أضلاع مثلث الشر). وللعلم فإن فكرهم هذا يخالف مبادئ الأمم المتحدة أيضاً، وفكرة اختلاف القوانين في مختلف الدول حسب حاجة كل دولة.

وعندما يقول "غولدبيرغ": يبدو أنك تعتقد بأن دونالد ترامب يتفهم بشكل أفضل هذه القضية من باراك أوباما؛ يستلهم الأمير دبلوماسية أنيقة وهو يقول: "كلاهما يفهمان القضية؛ لكن أعتقد أن الرئيس أوباما لديه أساليب مختلفة؛ فالرئيس أوباما يعتقد أنه إذا ما منح إيران الفرص للانفتاح فإنها ستتغير؛ ولكن مع نظام قائم على هذه الأيدلوجية؛ فهي لن تنفتح في وقت قريب.. بالنسبة لباراك أوباما، كانت النسبة 50%؛ ولكن حتى وإن كانت احتمالية نجاحها هي 50%؛ فإنه لا يمكننا المخاطرة بذلك؛ فالنسبة الأخرى التي تبلغ 50% هي احتمالية حرب. علينا أن نذهب إلى سيناريو لا يتضمن وجود حرب.. لدينا سيناريو حرب محتمل في الشرق الأوسط حالياً. لا يمكننا أن نتحمل الخطر هنا. علينا أن نتخذ قرارات جدية مؤلمة الآن في سبيل تجنب اتخاذ قرارات مؤلمة لاحقاً.

الحقائق فقط:

الأمير لا يعترف سوى بالحقائق ويؤكد أن بلاده ليست قلقة لأنها تعمل وتتحرك كما يجب: "أخرجناهم من إفريقيا بشكل قوي بأكثر من 95%، وذات الأمر ينطبق على آسيا، وذات الأمر ينطبق على اليمن. وفي العراق؛ فقد شاهدنا 70 ألف مشجع يرفعون علم العراق والسعودية معاً في مباراة كرة القدم التي جرت بين المنتخبين السعودي والعراقي؛ لذا فإنه يتم إعادتهم إلى داخل إيران تقريباً. ونحن نتمنى أن تحظى إيران كدولة وشعب بمستقبل أفضل بدون أولئك القادة. وفي حال تغير ذلك؛ فبالتأكيد ستكون إيران مقرّبة منا كما كانت قبل 1979م؛ لكن في حال لم يتغير ذلك؛ فبإمكانهم الاستمتاع بأنفسهم لفترة طويلة من الزمن حتى يتغيروا".

فخاخ الأسئلة:

الأمير بذكاء وسرعة بديهة كان دائماً يتفادي فخاخ الأسئلة؛ سواء كانت تُطرح بشكل مقصود أو غير مقصود. يسأله غولدبيرغ عن وضع الشيعة في السعودية: هل المشكلة برأيك طائفية؟

الأمير: "كما أخبرتك، يتمتع الشيعة بحياة طبيعية في السعودية، وليس لدينا مشاكل مع المذهب الشيعي، لدينا مشكلة مع أيدلوجية النظام الإيراني (ولاية الفقيه). ومشكلتنا هي: أننا لا نعتقد أن لديهم الحق في التدخل بشؤوننا، ولن نسمح لهم بذلك في أي حال".

اليمن:

في حوار مع مجلة "التايم"، يؤكد الأمير أن الحرب بين أطراف الشعب اليمني، والحكومة اليمنية هناك تسعى جاهدة من أجل التخلص من الإرهابيين الذين اختطفوا بلادهم وحياتهم الطبيعية.

وبواقعية شديدة يعلق الأمير عن سؤال حول سقوط ضحايا مدنيين بالقول: "أولاً الأخطاء واردة في أي عملية عسكرية، ليس بإمكان أحد خوض أي عملية عسكرية في شتى أنحاء العالم؛ حتى الولايات المتحدة وروسيا وجميع الدول، دون أخطاء.. السؤال هو هل كانت تلك الحوادث عن طريق الخطأ أم متعمدة؟ وبالتأكيد فإن أي أخطاء ارتكبتها المملكة أو دول التحالف هي حقاً أخطاء غير مقصودة تماماً.. نحن نعمل مع العديد من الدول في شتى أنحاء العالم من أجل رفع مستوى قواعد الاشتباك لدينا، والتأكد من عدم وجود أي وفيات مدنية في العمليات العسكرية. ويجدر الذكر أننا أكبرُ مانح للمساعدات في تاريخ اليمن.. نحن نبذل قصارى جهدنا للدفع من أجل حل إيجابي، نحن نعرف أنها لن تنتهي بدون حل سياسي؛ ولكن حتى يأتي ذلك اليوم ليس لدينا خيار سوى مواصلة العملية العسكرية؛ فالحوثيون لا يهتمون بالمصالح والمصالح اليمنية، إنهم يهتمون فقط بأيدلوجيتهم والأيدلوجية الإيرانية وأيدلوجية حزب الله، أو أنهم يرغبون في الموت؛ هذا ما يهتمون به؛ ولهذا السبب من الصعب التفاوض والتوصل لحل معهم، وقد أعلنت الأمم المتحدة ذلك".

سوريا:

الموقف السعودي من سوريا تعرّض للتشويه من وسائل إعلام عديدة. وكان ولي العهد صريحاً للغاية. يقول في حواره مع مجلة "التايم": لا أعلم إن كان بعض الأشخاص سيغضبون حينما أجيب على ذلك السؤال؛ لكنني لا أكذب، أعتقد أن الكذب على الناس أمر مُخزٍ فعلاً؛ وخصوصاً في عام 2018م؛ حيث يكاد يكون أمراً مستحيلاً أن تخفي شيئاً عن الناس. أعتقد أن بشار باقٍ في الوقت الحالي، وأن سوريا تمثّل جزءاً من النفوذ الروسي في الشرق الأوسط لفترة طويلة جداً؛ ولكنني أعتقد أن مصلحة سوريا لا تتمحور حول ترك الإيرانيين يفعلون ما يشاؤون في سوريا على المدى المتوسط والبعيد؛ وذلك لأنه إن غيّرت سوريا أيدلوجيتها؛ حينها سيكون بشار دميةً لإيران".

أيّ صراحة مذهلة هذه كانت متوقعة من أكبر مسؤول مؤثر في الشرق الأوسط حالياً، كما وُصِف وصُنّف من جهات معتبرة في هذا المجال.

لا أحد يريد رؤية ذلك:

ويحسم الأمير التساؤلات... "لا أعتقد أن بشار سيرحل دون حرب، ولا أعتقد أنه يوجد أي أحد يريد أن يبدأ هذه الحرب؛ لما ستُحدِثه من تعارض بين الولايات المتحدة وروسيا، ولا أحد يريد رؤية ذلك.. نحن نحاول أن نركز في السعودية على كيفية مساعدة الشعب من خلال المعونات، ونحن لا نقوم بإرسالها بشكل مباشر؛ بل نرسلها عبر الأمم المتحدة والولايات المتحدة وحلفائنا، ونأمل أن تتوقف الأمور الذي تحدث في سوريا في أقرب فرصة ممكنة؛ وذلك لأن الناس يعانون هناك.

إسرائيل:

الأسئلة حول إسرائيل كانت الإجابة عليها مرتقية بشكل غير متوقع.

يؤكد الأمير: أعتقد عموماً أن كل شعب، في أي مكان، له الحق في العيش في بلده المسالم، أعتقد أن الفلسطينيين والإسرائيليين لهم الحق في امتلاك أرضهم الخاصة؛ لكن يجب أن يكون لدينا اتفاق سلام عادل ومنصف؛ لضمان الاستقرار للجميع ولإقامة علاقات طبيعية بين الشعوب. أؤكد أن لدينا مخاوف دينية حول مصير المسجد الأقصى في القدس وحول حقوق الشعب الفلسطيني.. هذا ما لدينا، ليس لدينا أي اعتراض على وجود أي أشخاص آخرين وفق معاهدة سلام منصفة، يوجد الكثير من اليهود في المملكة العربية السعودية قادمون من أمريكا ومن أوروبا للعمل، ولا توجد مشاكل بين المسلمين والمسيحيين واليهود، لدينا مشاكل مثل تلك الموجودة بين بعض الناس في أي مكان في العالم؛ لكنه النوع العادي من المشاكل. يبدو أن لدينا عدواً مشتركاً، ويبدو أن لدينا العديد من الأوجه المحتملة للتعاون الاقتصادي، ولا يمكن أن يكون لنا علاقة مع إسرائيل قبل حل قضية السلام مع الفلسطينيين؛ لأن كلاً منهما لهما الحق في العيش والتعايش، وحتى حدوث ذلك؛ سنراقب وسنحاول دعم حل للسلام.

نقل السفارة إلى القدس:

وحول السؤال المهم "نقل السفارة الأمريكية إلى القدس"؟

يقول الأمير بهدوء في حواره مع مجلة "التايم": تربطنا علاقة وثيقة بأبو مازن، وأعتقد أنه رَدّ على الشائعات بنفسه ونفي صحتها، في الواقع أخبره الملك سلمان أن هناك مقولة في المملكة العربية السعودية تقول إن أهل مكة أدرى بشعابها؛ لذلك دائماً ما يذكّره الملك سلمان ويخبره: "كما تعرف يا أبو مازن، أهل مكة أدرى بشعابها، ونقول إن أهل فلسطين أدرى بشعابها؛ لذا فكل ما تراه مناسباً لك، سندعمه".. أياً كان ما نسمعه من حلفائنا الأمريكيين، أياً كان، سنحاول إيضاحه، وسنحاول دعمه لجعل الأمور تحدث؛ ولكن إذا لم يناسبكم الحل؛ فهو حل غير مناسب. في الواقع، نحن نحاول فعل ما بوسعنا، إنني أحاول التركيز بإيجابية على الفرص التي أمامنا، وعلى الخطوة القادمة، وكيف تؤخذ الأمور في وضع أفضل، وليس كيفية المجادلة مع أي خطأ.

أرامكو:

وفي موضوع يُهم العالم كله بلا مبالغة؛ يوضح الأمير حقيقة الوضع في حديثه مع "التايم": "نحن لا نقوم بتأخير الطرح، لقد قلنا إننا سنكون جاهزين لطرح أسهم أرامكو في حدود العام 2018، ونحن مستعدون، صغنا جميع القوانين، وقمنا بجميع الخطوات التي تجعلنا مستعدين لطرح أسهم أرامكو؛ أما الآن فالمسألة هي اختيار الوقت المناسب.. نعتقد أن أسعار النفط سترتفع في هذا العام، وسترتفع بشكل أكبر في عام 2019؛ لذا نحن نحاول أن نختار الوقت المناسب؛ لكننا مستعدون للطرح الآن إذا ما أصبح الوقت مناسباً. نحن ننظر في جميع الخيارات، والفريق الذي يعمل على طرح أرامكو الأولى للاكتتاب العام يظل يقول لي "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

كم هي روح الفريق حاضرة في قوله: "لا تقُل شيئاً عن ذلك".

صورة عالمية للسعودية:

في حديث الأمير عموماً خارطة جديدة مذهلة لبلاده وصورة صححت الكثير من المغالطات؛ بل وجعلتها محل اهتمام العالم؛ فجولة تاريخية كهذه للأمير الشاب خرجت بمكتسبات مذهلة للمملكة وحلفائها الكبار. يشرح الأمير رداً على سؤال: "منذ متى وأنت تفكر بالقيام بهذه الجولة، وما هدفك من وراءها"؟

يجيب الأمير: "حينما بدأت أفكر بالقيام بجولة؛ كانت لدينا خطة لأجل السعودية، ونحن نفعل ما بوسعنا لتحقيق وتنفيذ هذه الخطط.. ولتنفيذ ما نقوم به؛ تَوَجّب علينا أن نحظى بكثير من الشركاء".

لن نقلد غيرنا:

وفي حواره مع مجلة "التايم"، كشف الأمير الكثير عن خطته لنقل السعودية لما تستحق، يقول رداً على سؤال: أشعر بالفضول حقاً حول الطريقة التي توصلت بها إلى خطتك في السعودية؟

يسرد ولي العهد سيرة عظيمة لبناء الأجداد، ويخلص إلى: "نؤمن نحن أن السعودية -حتى يومنا هذا- لم تستغل إلا 10% من قدرتها، ولدينا 90% متبقية لنحققها. وعليه فإن الخطط والرؤية تتمحور حول الـ90% المفقودة؛ فكيف يمكن لنا تطبيقها بأكبر قدر ممكن وأسرع وقت ممكن؟ نحن نرسم خطتنا بناءً على مكامن القوة لدينا؛ فلا نريد أن نقلد غيرنا.. وأعتقد أنه في السنوات الثلاث الأخيرة، فعلت السعودية أكثر مما حدث في الثلاثين سنة الماضية؛ وذلك لأن هذا يتماشى مع اهتماماتنا كسعوديين لكي نكون قادرين على المنافسة في الحياة الثقافية والاجتماعية. وإن الإسلام منفتح، وليس مثل ما يحاول المتطرفون إظهاره بعد عام 1979".

حياة الأمير الخاصة:

ولأن هناك العديد من الأسئلة التي أثيرت كثيراً حول حياة الأمير الخاصة والشخصية؛ لم يتردد الأمير في الرد عليها ببساطة كبيرة. يسألونه عن شبابه وكيف يمكنه "حكم هذه البلاد للسنوات الخمسين القادمة؟ ". يجيب: "الله وحده فقط يعلم كم من الوقت سأعيش، وإذا عاش المرء 50 عاماً أو لا؛ ولكن إذا سارت الأمور بطرقها العادية؛ فهذا أمر متوقع".

السؤال ذاته يتكرر مع مجلة "ذا أتلانتيك"، جيفري غولدبيرغ: إنني أشعر بالفضول حول شبابك؛ فهذه مهمة معقدة جداً بالنسبة لشاب".

الأمير الشاب: "أؤمن أن البشر يتعلمون حتى آخر يوم في حياتهم، وأي شخص يدّعي معرفة كل شيء لا يعرف شيئاً حقاً، وما نحاول القيام به هو أن نتعلم بسرعة، ونفهم بسرعة، وأن نكون محاطين بأشخاص أذكياء. ولا أعتقد أن شبابي يشكّل مشكلة.. أعتقد أن جيلي يمكنه إضافة الكثير".

وفي حواره مع مجلة "التايم"، وبالمنطق، يدحض اتهامات سيقت جزافاً: "لقد قلت مسبقاً لبرنامج 60 دقيقة إن الثراء ليس جريمة؛ بل الجريمة تكمن في أن تكون فاسداً.. وفي حال كنت فاسداً، أرجو أن توضح لي فسادي وتقدم دليلاً على ذلك. ولا يبدو أن هناك أي أحد يقدم أدلة.. وفي الحقيقة إنني أحب الفن، وأؤمن أن أي شخص يمتلك ذوقاً رفيعاً يجب أن يحب الفن ويقدره".

الأمير والتحديات:

الأمير في إصراره على التحدي، هو إصرار شعب ينتظر خلفه.. هكذا تبدو حماسة الأمير في الانطلاق نحو مستقبل السعودية.

وفي عبارة قوية جداً يجيب على سؤال: "هل هناك أي شيء يستطيع إيقافك؟".. يردّ: "فقط الموت".

ورداً على "ما هو أكبر تحدٍّ أمامك؟" يقول: "هنالك الكثير من التحديات؛ لكن أعتقد أن التحدي الكبير الذي يواجهنا هو أن يؤمن الناس بما نقوم به".

أما في سؤال "التايم" فاختلف السؤال قليلاً؛ لكن الإجابة واصلت التفوق: "هل لديك أي مخاوف بشأن محاولة الانفصال هناك؟.. أمنك الشخصي؟".

ولي العهد: لا، إننا نقوم بالأمور الصحيحة، ولا يمكن لأي شخص عقلاني أن يجادل مع ما هو صائب وما هو صحيح ومع الأمر المهم.

يثق الأمير في شعبه لذا يكمل: "بطبيعة الحال، بدون دعم الناس؛ لم نكن لنستطيع فعل ما كنا نفعله في السنوات الثلاث الأخيرة. وفي الواقع فقد اعتقدنا أن الأمر سيستغرق أكثر من 10 سنوات؛ لكن لماذا نفعله خلال ثلاث سنوات؟ لأن الناس يدعمون هذه الخطوة".

مبادئ أساسية:

خلال مختلف الأسئلة كانت سرعة بديهة الأمير ملفتة؛ خاصة فيما يتعلق بالمقارنات؛ فبعض الأسئلة تضع علامات استفهام حول وضع ما في السعودية ليتفاجأ بأن الأمير يسوق وضعاً أكثر حدة في بلد ديموقراطي عريق مثل الولايات المتحدة الأمريكية.

ففي سؤال لـ"جيفري غولدبيرغ": "لديّ سؤال يتعلق بالقيم: أنت قادم من بلد مختلف تماماً عن بلدنا؛ فبلدك يملك ملكية مطلقة، وهو مكان لا يحق للأشخاص فيه التصويت، ويوجد فيه العقاب البدني وعقوبة الإعدام بالطرق التي لا يحبها الكثير من الأمريكيين؟".

يرد الأمير: نحن لا نشارككم نفس القيم؛ ولكنني أعتقد أيضاً أن مختلف الولايات في الولايات المتحدة لا تتشارك نفس القيم تماماً، هناك قِيَم مختلفة بين كاليفورنيا وتكساس. إذن، كيف تريد منا مشاركة قيمكم بنسبة 100٪ عندما لا تتشاركون أنتم نفس القيم؟ بالطبع هناك مبادئ أساسية للقيم التي يشترك فيها جميع البشر؛ ولكن هناك اختلافات، من ولاية إلى أخرى، ومن بلد إلى بلد".

أنا لا أعمل وحدي:

كما يدحض الأمير أنه يعمل بمعزل عن أقرانه من أبناء الأسرة المالكة. يقول: "أنا لا أعمل وحدي؛ بل أعمل مع كل الأشخاص الأذكياء حقاً من جيلي في العائلة المالكة.. لدينا على سبيل المثال أكثر من 13 أميراً من جيلي ونفس عمري يعملون في 13 منطقة، ويتواجدون أيضاً في مجلس الوزراء وهم يعملون بجد، ويتواجدون أيضاً في مناصب مختلفة في مختلف الدوائر الحكومية.. يوجد الكثير منهم؛ لذا فأنا أعمل مع أكثر من 40 شخصاً من العائلة المالكة من مختلف الفروع لإنجاح الأمور في المملكة العربية السعودية".