في خطبة الجمعة بالحرم.. "السديس" يطالب الآباء والأمهات بالحفاظ على صحة وسلامة الطلاب والطالبات

حذّر من اللبس بين الاعتقاد القلبي وحُسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، المسلمين بتقوى الله وعبادته وطاعته.

وقال "السديس": لقد أظلنا بظلاله عام هجري جديد، فاستفتحوا عامكم بتوبة نصوح من الزلات والسيئات، وداوموا على الأعمال الصالحات، وأكثروا من القربات والطاعات، قال رسول الله: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم".

وأضاف أن أولى ما ذُكّرت به النفوس، ووُعظت به القلوب في مستهل العام توحيد علام الغيوب؛ لا سيما في زمن التحولات الفكرية واجترافها، والتموجات العقدية واختلافها، وشرود النفوس دون صحيح الاعتقاد وانصرافها؛ يجدر بنا أن نقف وقفة جادة، لاستشراف المستقبل ورسم آفاقه، واستنطاق أمدائه وأعماقه، في ضوء عقيدة صافية، مستقرة في أعماق السويداء، وتنداح بها الروح في ذوائب العلياء، فلقد جاء الإسلام بعقيدة التوحيد الخالصة؛ ليحرر القلوب من رق العبودية لغير الله، ويرفع النفوس إلى قمم العز والشرف والصفاء، ويسمو بها عن بوار الوثنية والشرك والشقاء، وغزو الشعوذة والخرافات، فلا مساومة على العقيدة مهما كانت المتغيرات، ولا تنازل عن المبادئ مهما عظمت التحديات والمؤامرات، بهذا تمكن الإيمان في قلوب سلفنا الصالح فعزت بهم الأمة وسادت، وانتصرت وقادت {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، ولقد خلق الله عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وزينت لهم مسالك الانحراف والضلال، ففي الحديث القدسي الصحيح، أن الله جل وعلا قال: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) أخرجه مسلم في صحيحه.

وأكد أنه لا غنى للعباد عن الدين الحق، والعقيدة الصحيحة التي تُعلي راية التوحيد خفاقة، وأن يُفرَد الله جل وعلا فيما يجب أن يُفرَد به في ربوبيته وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما يجب أن تكون الطاعة له وحده، والتحاكم إلى شريعته لا سواه، ولقد تجسد ذلك في هدي النبي قولًا وعملًا؛ فكانت حياته صلى الله عليه وسلم صورة حية ناطقة بالخضوع والتضرع، والافتقار والالتجاء إلى الله الواحد الأحد؛ لافتًا النظر إلى أن الإسلام ربى أتباعه على سلامة التوحيد وصحة العقيدة، وقوة اليقين، والتوكل على الله وحده، وابتعد بهم عن الأوهام والظنون والخيالات، التي تعبث بعقولهم وتلوث أفكارهم، وتجعلهم يتصورون الأمور على خلاف حقائقها، ونهى عن كل ما يخدش سلامة التوحيد لله وصحة العقيدة؛ من التوسل بالأموات أو الأولياء، أو التمسح بالقبور وأبنيتها أو الأضرحة وقبابها، وقد شد فئام الركاب إليها يسألونها رفع الدرجات ودفع الكربات وقضاء الحاجات وشفاء المرضى، ويزعمون أنها تُبلغهم أسمى المطالب وأرفع المراتب وتحقق لهم قضاء المآرب وبذل المواهب والأمن من المعاطب؛ وكأن الله تبارك وتعالى قد أغلق أبوابه دون حاجات خلقه؛ تعالى الله عما يقولون ويفعلون علوًّا كبيرًا.

ولفت إلى أن التوسل المشروع يكون بالله ولله، فهو وحده المستحق التوسل والرجاء واللجوء إليه دون سواه؛ لكمال علمه وقدرته وغناه، ولا يستحقها أحد غيره، سواء أكان ملكًا مقربًا أم نبيًّا مرسلًا أم وليًّا صالحًا، فلا صلاة إلا لله، ولا دعاء إلا لله، ولا ذبح ولا نذر إلا لله، ولا استعانة ولا استعاذة ولا حلف إلا بالله، ولا توكل إلا عليه، ولا رجاء ولا خوف إلا منه؛ فلا يملك قضاء الحوائج، ورد الغائب، وشفاء المرضى، إلا الله وحده، ومن اعتقد أن أحدًا يستطيع جلب النفع له، أو دفع الضر عنه، أو يملك شفاء مرضه، أو تحقيق حاجته دون الله؛ فقد أعظم على الله الفرية وأبعد النجعة، وضل ضلالًا مبينًا، وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم، ويتوسل بهم، أو يجعلهم شفعاء بينه وبين الله فقد أشرك بالله.

وأوضح "السديس" أن من التنبيهات المفيدة في مسائل العقيدة عدم الفهم الصحيح في باب الولاء والبراء ووجود اللبس فيه بين الاعتقاد القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية، كما هو مقرر في المقاصد المرعية والسياسة الشرعية والمصالح الإنسانية؛ إذ لا يتنافى مع عدم موالاة غير المسلم معاملته معاملة حسنة، تأليفًا لقلبه واستمالة لنفسه للدخول في هذا الدين، فيكون المسلم محسنًا إليه ليستميل قلبه إلى هذا الدين؛ وحين يغفل منهج الحوار الإنساني تذكى جوانب الصدام الحضاري، وتسود لغة العنف والإقصاء والكراهية.

وشدد على أن من أبرز معالم العقيدة الصحيحة المهمة وأسسها: لزوم الجماعة، وحسن السمع للإمام والطاعة؛ خلافًا لمنهج الخوارج المارقين والبغاة المقيتين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة والطائفية البغيضة الذين يكفرون الولاة ويخرجون على الأئمة، ويسفكون الدماء، ولا يؤمنون إلا بالتفجير والتدمير.

وقال خطيب الحرم المكي: إنك لواجد لهؤلاء رواجًا كبيرًا وأجندات خطيرة تترس خلف مواقع التواصل؛ فكن أيها الموفق على حذر وفطنة، وإياك ومسيرة الرعاع، وقد كشفت الأزمات، وأظهرت المتغيرات خطورة هذه الأطروحات على الأوطان والمجتمعات، فلطالما انخدع بها الدهماء في اجتزاء وانتقائية للنصوص الشرعية، فعلى الأمة جمعاء شد ركابها صوب العناية بتصحيح العقيدة الدينية، وتنقيتها مما خالطها من المعتقدات المغلوطة والمشبوهة.

وأبان أن أصل الأصول، وأساس الملة التذكير والثبات على عقيدة أهل السنة، فهي طوق النجاة الموصل إلى بر الأمان، والحصن الحصين من الأفكار الهدامة ومسالك الفرقة والخلافات، والتقسيمات والتصنيفات التي تمزق الجمع النظيم، وتبدد الشمل الكريم، وفي هذه الآونة تعظم الأمانة وتجل المسؤولية المنوطة بأهل الدعوة والإصلاح السائرين على المنهج الرباني الوضاح، وكذا القادة والساسة، أن ينتشلوا المجتمعات والأجيال من الافتئات على العقيدة الإسلامية الصحيحة، والمزايدة على مراميها البلجاء، وأن يتخذوا من التوحيد أطيب سقي وغراس، وخير منهاج ونبراس، لإصلاح أحوال الأمة وتوثيق اتحادها، ودحر الأرزاء عنها وتحقيق أجل مرادها، خاصة في قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين والمسجد الأقصى الأسير، فهي قضيتنا الإسلامية الأولى التي يجب ألا تُنسى في جديد الصراعات، دون مزايدات إعلامية، أو مبالغات صحفية، أو معارك إلكترونية.

وبيّن أن مما يعين على معرفة العقيدة، وصحيح الاعتقاد، والعناية بالعلم، ويحقق البشائر والتفاؤل والآمال، ونحن في غرة عام هجري؛ استهلال عام دراسي جديد مفعم بالتطلعات والطموحات؛ إذ إنه في ظل هذه الجائحة المستجدة يقبل أبناؤنا وفتياتنا من طلابنا وطالباتنا على مقاعد الدراسة؛ غير أنها في مثل هذه الظروف الاحترازية تكون بالمقاعد الافتراضية، وهنا تبرز أهمية التعليم عن بُعد، وضرورة الاستفادة من وسائل العصر التقنية، والمنصات الافتراضية، والتحولات الرقمية في جمع بين لغة الحاضر والرؤية المستقبلية في خدمة المسيرة التعليمية، كما تبرز أهمية تعاون البيت والأسرة مع المدرسة والجامعة في تحقيق ذلك.

وأوصى "السديس" الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، أن يبذلوا مزيدًا من الجهود التعليمية والتنسيقية والتربوية؛ حفاظًا على صحة وسلامة طلابنا وطالباتنا؛ معبرًا عن الشكر والتقدير للجميع على تجاوبهم وتعاونهم في خدمة دينهم ووطنهم، في ظل توجيهات ولاة الأمر.

خطبة الجمعة مكة المكرمة المسجد الحرام
اعلان
في خطبة الجمعة بالحرم.. "السديس" يطالب الآباء والأمهات بالحفاظ على صحة وسلامة الطلاب والطالبات
سبق

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، المسلمين بتقوى الله وعبادته وطاعته.

وقال "السديس": لقد أظلنا بظلاله عام هجري جديد، فاستفتحوا عامكم بتوبة نصوح من الزلات والسيئات، وداوموا على الأعمال الصالحات، وأكثروا من القربات والطاعات، قال رسول الله: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم".

وأضاف أن أولى ما ذُكّرت به النفوس، ووُعظت به القلوب في مستهل العام توحيد علام الغيوب؛ لا سيما في زمن التحولات الفكرية واجترافها، والتموجات العقدية واختلافها، وشرود النفوس دون صحيح الاعتقاد وانصرافها؛ يجدر بنا أن نقف وقفة جادة، لاستشراف المستقبل ورسم آفاقه، واستنطاق أمدائه وأعماقه، في ضوء عقيدة صافية، مستقرة في أعماق السويداء، وتنداح بها الروح في ذوائب العلياء، فلقد جاء الإسلام بعقيدة التوحيد الخالصة؛ ليحرر القلوب من رق العبودية لغير الله، ويرفع النفوس إلى قمم العز والشرف والصفاء، ويسمو بها عن بوار الوثنية والشرك والشقاء، وغزو الشعوذة والخرافات، فلا مساومة على العقيدة مهما كانت المتغيرات، ولا تنازل عن المبادئ مهما عظمت التحديات والمؤامرات، بهذا تمكن الإيمان في قلوب سلفنا الصالح فعزت بهم الأمة وسادت، وانتصرت وقادت {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، ولقد خلق الله عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وزينت لهم مسالك الانحراف والضلال، ففي الحديث القدسي الصحيح، أن الله جل وعلا قال: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) أخرجه مسلم في صحيحه.

وأكد أنه لا غنى للعباد عن الدين الحق، والعقيدة الصحيحة التي تُعلي راية التوحيد خفاقة، وأن يُفرَد الله جل وعلا فيما يجب أن يُفرَد به في ربوبيته وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما يجب أن تكون الطاعة له وحده، والتحاكم إلى شريعته لا سواه، ولقد تجسد ذلك في هدي النبي قولًا وعملًا؛ فكانت حياته صلى الله عليه وسلم صورة حية ناطقة بالخضوع والتضرع، والافتقار والالتجاء إلى الله الواحد الأحد؛ لافتًا النظر إلى أن الإسلام ربى أتباعه على سلامة التوحيد وصحة العقيدة، وقوة اليقين، والتوكل على الله وحده، وابتعد بهم عن الأوهام والظنون والخيالات، التي تعبث بعقولهم وتلوث أفكارهم، وتجعلهم يتصورون الأمور على خلاف حقائقها، ونهى عن كل ما يخدش سلامة التوحيد لله وصحة العقيدة؛ من التوسل بالأموات أو الأولياء، أو التمسح بالقبور وأبنيتها أو الأضرحة وقبابها، وقد شد فئام الركاب إليها يسألونها رفع الدرجات ودفع الكربات وقضاء الحاجات وشفاء المرضى، ويزعمون أنها تُبلغهم أسمى المطالب وأرفع المراتب وتحقق لهم قضاء المآرب وبذل المواهب والأمن من المعاطب؛ وكأن الله تبارك وتعالى قد أغلق أبوابه دون حاجات خلقه؛ تعالى الله عما يقولون ويفعلون علوًّا كبيرًا.

ولفت إلى أن التوسل المشروع يكون بالله ولله، فهو وحده المستحق التوسل والرجاء واللجوء إليه دون سواه؛ لكمال علمه وقدرته وغناه، ولا يستحقها أحد غيره، سواء أكان ملكًا مقربًا أم نبيًّا مرسلًا أم وليًّا صالحًا، فلا صلاة إلا لله، ولا دعاء إلا لله، ولا ذبح ولا نذر إلا لله، ولا استعانة ولا استعاذة ولا حلف إلا بالله، ولا توكل إلا عليه، ولا رجاء ولا خوف إلا منه؛ فلا يملك قضاء الحوائج، ورد الغائب، وشفاء المرضى، إلا الله وحده، ومن اعتقد أن أحدًا يستطيع جلب النفع له، أو دفع الضر عنه، أو يملك شفاء مرضه، أو تحقيق حاجته دون الله؛ فقد أعظم على الله الفرية وأبعد النجعة، وضل ضلالًا مبينًا، وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم، ويتوسل بهم، أو يجعلهم شفعاء بينه وبين الله فقد أشرك بالله.

وأوضح "السديس" أن من التنبيهات المفيدة في مسائل العقيدة عدم الفهم الصحيح في باب الولاء والبراء ووجود اللبس فيه بين الاعتقاد القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية، كما هو مقرر في المقاصد المرعية والسياسة الشرعية والمصالح الإنسانية؛ إذ لا يتنافى مع عدم موالاة غير المسلم معاملته معاملة حسنة، تأليفًا لقلبه واستمالة لنفسه للدخول في هذا الدين، فيكون المسلم محسنًا إليه ليستميل قلبه إلى هذا الدين؛ وحين يغفل منهج الحوار الإنساني تذكى جوانب الصدام الحضاري، وتسود لغة العنف والإقصاء والكراهية.

وشدد على أن من أبرز معالم العقيدة الصحيحة المهمة وأسسها: لزوم الجماعة، وحسن السمع للإمام والطاعة؛ خلافًا لمنهج الخوارج المارقين والبغاة المقيتين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة والطائفية البغيضة الذين يكفرون الولاة ويخرجون على الأئمة، ويسفكون الدماء، ولا يؤمنون إلا بالتفجير والتدمير.

وقال خطيب الحرم المكي: إنك لواجد لهؤلاء رواجًا كبيرًا وأجندات خطيرة تترس خلف مواقع التواصل؛ فكن أيها الموفق على حذر وفطنة، وإياك ومسيرة الرعاع، وقد كشفت الأزمات، وأظهرت المتغيرات خطورة هذه الأطروحات على الأوطان والمجتمعات، فلطالما انخدع بها الدهماء في اجتزاء وانتقائية للنصوص الشرعية، فعلى الأمة جمعاء شد ركابها صوب العناية بتصحيح العقيدة الدينية، وتنقيتها مما خالطها من المعتقدات المغلوطة والمشبوهة.

وأبان أن أصل الأصول، وأساس الملة التذكير والثبات على عقيدة أهل السنة، فهي طوق النجاة الموصل إلى بر الأمان، والحصن الحصين من الأفكار الهدامة ومسالك الفرقة والخلافات، والتقسيمات والتصنيفات التي تمزق الجمع النظيم، وتبدد الشمل الكريم، وفي هذه الآونة تعظم الأمانة وتجل المسؤولية المنوطة بأهل الدعوة والإصلاح السائرين على المنهج الرباني الوضاح، وكذا القادة والساسة، أن ينتشلوا المجتمعات والأجيال من الافتئات على العقيدة الإسلامية الصحيحة، والمزايدة على مراميها البلجاء، وأن يتخذوا من التوحيد أطيب سقي وغراس، وخير منهاج ونبراس، لإصلاح أحوال الأمة وتوثيق اتحادها، ودحر الأرزاء عنها وتحقيق أجل مرادها، خاصة في قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين والمسجد الأقصى الأسير، فهي قضيتنا الإسلامية الأولى التي يجب ألا تُنسى في جديد الصراعات، دون مزايدات إعلامية، أو مبالغات صحفية، أو معارك إلكترونية.

وبيّن أن مما يعين على معرفة العقيدة، وصحيح الاعتقاد، والعناية بالعلم، ويحقق البشائر والتفاؤل والآمال، ونحن في غرة عام هجري؛ استهلال عام دراسي جديد مفعم بالتطلعات والطموحات؛ إذ إنه في ظل هذه الجائحة المستجدة يقبل أبناؤنا وفتياتنا من طلابنا وطالباتنا على مقاعد الدراسة؛ غير أنها في مثل هذه الظروف الاحترازية تكون بالمقاعد الافتراضية، وهنا تبرز أهمية التعليم عن بُعد، وضرورة الاستفادة من وسائل العصر التقنية، والمنصات الافتراضية، والتحولات الرقمية في جمع بين لغة الحاضر والرؤية المستقبلية في خدمة المسيرة التعليمية، كما تبرز أهمية تعاون البيت والأسرة مع المدرسة والجامعة في تحقيق ذلك.

وأوصى "السديس" الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، أن يبذلوا مزيدًا من الجهود التعليمية والتنسيقية والتربوية؛ حفاظًا على صحة وسلامة طلابنا وطالباتنا؛ معبرًا عن الشكر والتقدير للجميع على تجاوبهم وتعاونهم في خدمة دينهم ووطنهم، في ظل توجيهات ولاة الأمر.

04 سبتمبر 2020 - 16 محرّم 1442
03:29 PM

في خطبة الجمعة بالحرم.. "السديس" يطالب الآباء والأمهات بالحفاظ على صحة وسلامة الطلاب والطالبات

حذّر من اللبس بين الاعتقاد القلبي وحُسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية

A A A
1
8,427

أوصى إمام وخطيب المسجد الحرام الشيخ الدكتور عبدالرحمن بن عبدالعزيز السديس، المسلمين بتقوى الله وعبادته وطاعته.

وقال "السديس": لقد أظلنا بظلاله عام هجري جديد، فاستفتحوا عامكم بتوبة نصوح من الزلات والسيئات، وداوموا على الأعمال الصالحات، وأكثروا من القربات والطاعات، قال رسول الله: "أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم".

وأضاف أن أولى ما ذُكّرت به النفوس، ووُعظت به القلوب في مستهل العام توحيد علام الغيوب؛ لا سيما في زمن التحولات الفكرية واجترافها، والتموجات العقدية واختلافها، وشرود النفوس دون صحيح الاعتقاد وانصرافها؛ يجدر بنا أن نقف وقفة جادة، لاستشراف المستقبل ورسم آفاقه، واستنطاق أمدائه وأعماقه، في ضوء عقيدة صافية، مستقرة في أعماق السويداء، وتنداح بها الروح في ذوائب العلياء، فلقد جاء الإسلام بعقيدة التوحيد الخالصة؛ ليحرر القلوب من رق العبودية لغير الله، ويرفع النفوس إلى قمم العز والشرف والصفاء، ويسمو بها عن بوار الوثنية والشرك والشقاء، وغزو الشعوذة والخرافات، فلا مساومة على العقيدة مهما كانت المتغيرات، ولا تنازل عن المبادئ مهما عظمت التحديات والمؤامرات، بهذا تمكن الإيمان في قلوب سلفنا الصالح فعزت بهم الأمة وسادت، وانتصرت وقادت {وكان حقا علينا نصر المؤمنين}، ولقد خلق الله عباده حنفاء فاجتالتهم الشياطين عن دينهم، وزينت لهم مسالك الانحراف والضلال، ففي الحديث القدسي الصحيح، أن الله جل وعلا قال: (إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرّمت عليهم ما أحللتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا) أخرجه مسلم في صحيحه.

وأكد أنه لا غنى للعباد عن الدين الحق، والعقيدة الصحيحة التي تُعلي راية التوحيد خفاقة، وأن يُفرَد الله جل وعلا فيما يجب أن يُفرَد به في ربوبيته وألوهيته وأسمائه الحسنى وصفاته العلى، كما يجب أن تكون الطاعة له وحده، والتحاكم إلى شريعته لا سواه، ولقد تجسد ذلك في هدي النبي قولًا وعملًا؛ فكانت حياته صلى الله عليه وسلم صورة حية ناطقة بالخضوع والتضرع، والافتقار والالتجاء إلى الله الواحد الأحد؛ لافتًا النظر إلى أن الإسلام ربى أتباعه على سلامة التوحيد وصحة العقيدة، وقوة اليقين، والتوكل على الله وحده، وابتعد بهم عن الأوهام والظنون والخيالات، التي تعبث بعقولهم وتلوث أفكارهم، وتجعلهم يتصورون الأمور على خلاف حقائقها، ونهى عن كل ما يخدش سلامة التوحيد لله وصحة العقيدة؛ من التوسل بالأموات أو الأولياء، أو التمسح بالقبور وأبنيتها أو الأضرحة وقبابها، وقد شد فئام الركاب إليها يسألونها رفع الدرجات ودفع الكربات وقضاء الحاجات وشفاء المرضى، ويزعمون أنها تُبلغهم أسمى المطالب وأرفع المراتب وتحقق لهم قضاء المآرب وبذل المواهب والأمن من المعاطب؛ وكأن الله تبارك وتعالى قد أغلق أبوابه دون حاجات خلقه؛ تعالى الله عما يقولون ويفعلون علوًّا كبيرًا.

ولفت إلى أن التوسل المشروع يكون بالله ولله، فهو وحده المستحق التوسل والرجاء واللجوء إليه دون سواه؛ لكمال علمه وقدرته وغناه، ولا يستحقها أحد غيره، سواء أكان ملكًا مقربًا أم نبيًّا مرسلًا أم وليًّا صالحًا، فلا صلاة إلا لله، ولا دعاء إلا لله، ولا ذبح ولا نذر إلا لله، ولا استعانة ولا استعاذة ولا حلف إلا بالله، ولا توكل إلا عليه، ولا رجاء ولا خوف إلا منه؛ فلا يملك قضاء الحوائج، ورد الغائب، وشفاء المرضى، إلا الله وحده، ومن اعتقد أن أحدًا يستطيع جلب النفع له، أو دفع الضر عنه، أو يملك شفاء مرضه، أو تحقيق حاجته دون الله؛ فقد أعظم على الله الفرية وأبعد النجعة، وضل ضلالًا مبينًا، وكذا من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويسألهم، ويتوسل بهم، أو يجعلهم شفعاء بينه وبين الله فقد أشرك بالله.

وأوضح "السديس" أن من التنبيهات المفيدة في مسائل العقيدة عدم الفهم الصحيح في باب الولاء والبراء ووجود اللبس فيه بين الاعتقاد القلبي وحسن التعامل في العلاقات الفردية والدولية، كما هو مقرر في المقاصد المرعية والسياسة الشرعية والمصالح الإنسانية؛ إذ لا يتنافى مع عدم موالاة غير المسلم معاملته معاملة حسنة، تأليفًا لقلبه واستمالة لنفسه للدخول في هذا الدين، فيكون المسلم محسنًا إليه ليستميل قلبه إلى هذا الدين؛ وحين يغفل منهج الحوار الإنساني تذكى جوانب الصدام الحضاري، وتسود لغة العنف والإقصاء والكراهية.

وشدد على أن من أبرز معالم العقيدة الصحيحة المهمة وأسسها: لزوم الجماعة، وحسن السمع للإمام والطاعة؛ خلافًا لمنهج الخوارج المارقين والبغاة المقيتين والأحزاب الضالة وجماعات العنف المسلحة والطائفية البغيضة الذين يكفرون الولاة ويخرجون على الأئمة، ويسفكون الدماء، ولا يؤمنون إلا بالتفجير والتدمير.

وقال خطيب الحرم المكي: إنك لواجد لهؤلاء رواجًا كبيرًا وأجندات خطيرة تترس خلف مواقع التواصل؛ فكن أيها الموفق على حذر وفطنة، وإياك ومسيرة الرعاع، وقد كشفت الأزمات، وأظهرت المتغيرات خطورة هذه الأطروحات على الأوطان والمجتمعات، فلطالما انخدع بها الدهماء في اجتزاء وانتقائية للنصوص الشرعية، فعلى الأمة جمعاء شد ركابها صوب العناية بتصحيح العقيدة الدينية، وتنقيتها مما خالطها من المعتقدات المغلوطة والمشبوهة.

وأبان أن أصل الأصول، وأساس الملة التذكير والثبات على عقيدة أهل السنة، فهي طوق النجاة الموصل إلى بر الأمان، والحصن الحصين من الأفكار الهدامة ومسالك الفرقة والخلافات، والتقسيمات والتصنيفات التي تمزق الجمع النظيم، وتبدد الشمل الكريم، وفي هذه الآونة تعظم الأمانة وتجل المسؤولية المنوطة بأهل الدعوة والإصلاح السائرين على المنهج الرباني الوضاح، وكذا القادة والساسة، أن ينتشلوا المجتمعات والأجيال من الافتئات على العقيدة الإسلامية الصحيحة، والمزايدة على مراميها البلجاء، وأن يتخذوا من التوحيد أطيب سقي وغراس، وخير منهاج ونبراس، لإصلاح أحوال الأمة وتوثيق اتحادها، ودحر الأرزاء عنها وتحقيق أجل مرادها، خاصة في قضايا الأمة الكبرى وعلى رأسها قضية فلسطين والمسجد الأقصى الأسير، فهي قضيتنا الإسلامية الأولى التي يجب ألا تُنسى في جديد الصراعات، دون مزايدات إعلامية، أو مبالغات صحفية، أو معارك إلكترونية.

وبيّن أن مما يعين على معرفة العقيدة، وصحيح الاعتقاد، والعناية بالعلم، ويحقق البشائر والتفاؤل والآمال، ونحن في غرة عام هجري؛ استهلال عام دراسي جديد مفعم بالتطلعات والطموحات؛ إذ إنه في ظل هذه الجائحة المستجدة يقبل أبناؤنا وفتياتنا من طلابنا وطالباتنا على مقاعد الدراسة؛ غير أنها في مثل هذه الظروف الاحترازية تكون بالمقاعد الافتراضية، وهنا تبرز أهمية التعليم عن بُعد، وضرورة الاستفادة من وسائل العصر التقنية، والمنصات الافتراضية، والتحولات الرقمية في جمع بين لغة الحاضر والرؤية المستقبلية في خدمة المسيرة التعليمية، كما تبرز أهمية تعاون البيت والأسرة مع المدرسة والجامعة في تحقيق ذلك.

وأوصى "السديس" الآباء والأمهات، والمعلمين والمعلمات، أن يبذلوا مزيدًا من الجهود التعليمية والتنسيقية والتربوية؛ حفاظًا على صحة وسلامة طلابنا وطالباتنا؛ معبرًا عن الشكر والتقدير للجميع على تجاوبهم وتعاونهم في خدمة دينهم ووطنهم، في ظل توجيهات ولاة الأمر.