إن قالت لك "المصروف خلّص".. فصدقها!

هناك شاب ورث ثروة عن والده، وهو وريثه الوحيد، فلم يحسن التصرف بهذه الثروة، بل أخذ

يبعثرها ويلعب بها. كثر عنده أصحاب الرخاء، وكثرت سهراتهم عنده، وكثر البذخ والإسراف والتبذير، وهم يأكلون ويضحكون ويمدحون هذا الشاب..

وبعد مده أدبرت دنياه، ونفد جميع ما يملك من ثروة أمس؛ وأصبح لا يملك قوت ليلته.. عندها تخلوا عنه، وضاقت عليه الأرض؛ فخرج من بلدته باحثًا عن عمل، يحصل منه على لقمة العيش، وانتهى به المطاف عند صاحب بستان استأجره.. ولكنه لاحظ أنه لا يعرف العمل، ولم يسبق أن عمل بيده، وأنه ابن ترف، لكن ظروفًا ألزمته بذلك؛ فسأله صاحب البستان ما الذي أجبرك على العمل؟

ومن أنت؟

فأخبره الشاب بكامل القصة.. فذهل صاحب البستان؛ لأنه يعرف والد الشاب، وأنه صاحب ثروة كبيرة، ولا يمكن أن تنفد، ولكن الشاب أنفقها بغير تصرف.. فحوقل الرجل، ثم قال: لا أريدك أن تعمل وتهان وأنت ابن فلان. ثم عقد له الزواج على ابنته، ثم زوجه إياها، وأسكنه بيتًا صغيرًا قريبًا منه، وأعطاه جَملا، وقال: "يا ولدي احتطب، وبع، وكل من عمل يدك. وأنصحك بأن تمد رجلك على قد لحافك". فصارت مثلاً.

يقول صاحبنا: كان عندي آلية لمصاريف البيت منذ ثلاثين سنة.. زوجتي هي وزير مالية مملكتنا الصغيرة.. أعطيها مبلغًا أول الشهر، توزعه في ظروف ورقية بعدد أيام الشهر..

جزء للبيت، ومصروف المدارس للأولاد.. أما فاتورتا التلفون والكهرباء فيقول كنت أتكفل بسدادهما، مع راتب العاملة وصهاريج الماء والصرف الصحي..

يومها ما كان عندنا جوالات ولا هم ولا غم مثل اليوم.. فكان (الرايح على قدر الجاي).

مع الزمن تغيرت الأحوال على رفيقنا..

يقول: كلما زاد الدخل زادت المصروفات إلى أن بلغ بالزوجة في السنوات الأخيرة أن طلبت تعزيز المصروف يوم ٢٥، ثم تصاعد الأمر إلى أن وصل طلب التعزيز للميزانية يوم ١٥ في الشهر، ثم يوم عشرة!.. حتى بعدما كبر الأولاد وتزوجت بعض البنات.. كبرت معهم الهموم مع أنهم ما يقصرون في مساعدتنا.. إلا أن موازنتا مستمرة بالسالب.

أكد أنه وقف الإنجاب منذ ١٧ سنة، ومع ذلك الموازنة "سالب".

بقليل من دهاء الزوجات طلبت منه أنه يساعدها في إدارة المصروف ثلاثة أشهر.

قال: طبقت كل النظريات المالية المعروفة.. عملت ميزانية طلعت بالسالب، ألغيت بعض الكماليات.. استمررت في الحذف والإلغاء إلى أن وصلت لبنزين السيارة فحددت المشاوير.. مقابلها الأسعار "ولعت" وهي في الطالع، وأنا في النازل (تناسب عكسي.. الدخل مع المصروف). فاستمرت ميزانيتنا بالسالب!

المهم يقول: كنت أنزل حلقة الجملة بقصد التدبير فالتوفير.. ما ضبطت معي!

فإما تزيد الكمية وتخرب في البيت مع الحر، أو تنقص الفلوس!

فكان "يجيبها يمين.. يوديها يسار"، فاستمر الوضع كما هو عليه.. استمر مدير مالية للبيت لمدة شهر. يقول: عدت عليّ كأنها سنة.. عجز عن إدارة المصروف؛ فردَّه للزوجة.

فالمسكينة تناضل أربعين عامًا، وضاع عمرها وهي في همّ ميزانية البيت، وطلبات زوجها، وطلبات الأولاد.. فنسيت نفسها وسط الزحمة.

يقول: فصرت أصدقها لما تقول لي "المصروف خلّص".. أروح أدبر لها بدون نقاش حتى أغطي تكاليف المعيشة.

مد رجله.. لكن انكمش اللحاف مع الزمن.. فإذا غطى رأسه انكشفت رجلاه، وإذا غطى رجليه ظهر رأسه.

اعلان
إن قالت لك "المصروف خلّص".. فصدقها!
سبق

هناك شاب ورث ثروة عن والده، وهو وريثه الوحيد، فلم يحسن التصرف بهذه الثروة، بل أخذ

يبعثرها ويلعب بها. كثر عنده أصحاب الرخاء، وكثرت سهراتهم عنده، وكثر البذخ والإسراف والتبذير، وهم يأكلون ويضحكون ويمدحون هذا الشاب..

وبعد مده أدبرت دنياه، ونفد جميع ما يملك من ثروة أمس؛ وأصبح لا يملك قوت ليلته.. عندها تخلوا عنه، وضاقت عليه الأرض؛ فخرج من بلدته باحثًا عن عمل، يحصل منه على لقمة العيش، وانتهى به المطاف عند صاحب بستان استأجره.. ولكنه لاحظ أنه لا يعرف العمل، ولم يسبق أن عمل بيده، وأنه ابن ترف، لكن ظروفًا ألزمته بذلك؛ فسأله صاحب البستان ما الذي أجبرك على العمل؟

ومن أنت؟

فأخبره الشاب بكامل القصة.. فذهل صاحب البستان؛ لأنه يعرف والد الشاب، وأنه صاحب ثروة كبيرة، ولا يمكن أن تنفد، ولكن الشاب أنفقها بغير تصرف.. فحوقل الرجل، ثم قال: لا أريدك أن تعمل وتهان وأنت ابن فلان. ثم عقد له الزواج على ابنته، ثم زوجه إياها، وأسكنه بيتًا صغيرًا قريبًا منه، وأعطاه جَملا، وقال: "يا ولدي احتطب، وبع، وكل من عمل يدك. وأنصحك بأن تمد رجلك على قد لحافك". فصارت مثلاً.

يقول صاحبنا: كان عندي آلية لمصاريف البيت منذ ثلاثين سنة.. زوجتي هي وزير مالية مملكتنا الصغيرة.. أعطيها مبلغًا أول الشهر، توزعه في ظروف ورقية بعدد أيام الشهر..

جزء للبيت، ومصروف المدارس للأولاد.. أما فاتورتا التلفون والكهرباء فيقول كنت أتكفل بسدادهما، مع راتب العاملة وصهاريج الماء والصرف الصحي..

يومها ما كان عندنا جوالات ولا هم ولا غم مثل اليوم.. فكان (الرايح على قدر الجاي).

مع الزمن تغيرت الأحوال على رفيقنا..

يقول: كلما زاد الدخل زادت المصروفات إلى أن بلغ بالزوجة في السنوات الأخيرة أن طلبت تعزيز المصروف يوم ٢٥، ثم تصاعد الأمر إلى أن وصل طلب التعزيز للميزانية يوم ١٥ في الشهر، ثم يوم عشرة!.. حتى بعدما كبر الأولاد وتزوجت بعض البنات.. كبرت معهم الهموم مع أنهم ما يقصرون في مساعدتنا.. إلا أن موازنتا مستمرة بالسالب.

أكد أنه وقف الإنجاب منذ ١٧ سنة، ومع ذلك الموازنة "سالب".

بقليل من دهاء الزوجات طلبت منه أنه يساعدها في إدارة المصروف ثلاثة أشهر.

قال: طبقت كل النظريات المالية المعروفة.. عملت ميزانية طلعت بالسالب، ألغيت بعض الكماليات.. استمررت في الحذف والإلغاء إلى أن وصلت لبنزين السيارة فحددت المشاوير.. مقابلها الأسعار "ولعت" وهي في الطالع، وأنا في النازل (تناسب عكسي.. الدخل مع المصروف). فاستمرت ميزانيتنا بالسالب!

المهم يقول: كنت أنزل حلقة الجملة بقصد التدبير فالتوفير.. ما ضبطت معي!

فإما تزيد الكمية وتخرب في البيت مع الحر، أو تنقص الفلوس!

فكان "يجيبها يمين.. يوديها يسار"، فاستمر الوضع كما هو عليه.. استمر مدير مالية للبيت لمدة شهر. يقول: عدت عليّ كأنها سنة.. عجز عن إدارة المصروف؛ فردَّه للزوجة.

فالمسكينة تناضل أربعين عامًا، وضاع عمرها وهي في همّ ميزانية البيت، وطلبات زوجها، وطلبات الأولاد.. فنسيت نفسها وسط الزحمة.

يقول: فصرت أصدقها لما تقول لي "المصروف خلّص".. أروح أدبر لها بدون نقاش حتى أغطي تكاليف المعيشة.

مد رجله.. لكن انكمش اللحاف مع الزمن.. فإذا غطى رأسه انكشفت رجلاه، وإذا غطى رجليه ظهر رأسه.

29 أغسطس 2018 - 18 ذو الحجة 1439
01:29 AM

إن قالت لك "المصروف خلّص".. فصدقها!

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
1
10,057

هناك شاب ورث ثروة عن والده، وهو وريثه الوحيد، فلم يحسن التصرف بهذه الثروة، بل أخذ

يبعثرها ويلعب بها. كثر عنده أصحاب الرخاء، وكثرت سهراتهم عنده، وكثر البذخ والإسراف والتبذير، وهم يأكلون ويضحكون ويمدحون هذا الشاب..

وبعد مده أدبرت دنياه، ونفد جميع ما يملك من ثروة أمس؛ وأصبح لا يملك قوت ليلته.. عندها تخلوا عنه، وضاقت عليه الأرض؛ فخرج من بلدته باحثًا عن عمل، يحصل منه على لقمة العيش، وانتهى به المطاف عند صاحب بستان استأجره.. ولكنه لاحظ أنه لا يعرف العمل، ولم يسبق أن عمل بيده، وأنه ابن ترف، لكن ظروفًا ألزمته بذلك؛ فسأله صاحب البستان ما الذي أجبرك على العمل؟

ومن أنت؟

فأخبره الشاب بكامل القصة.. فذهل صاحب البستان؛ لأنه يعرف والد الشاب، وأنه صاحب ثروة كبيرة، ولا يمكن أن تنفد، ولكن الشاب أنفقها بغير تصرف.. فحوقل الرجل، ثم قال: لا أريدك أن تعمل وتهان وأنت ابن فلان. ثم عقد له الزواج على ابنته، ثم زوجه إياها، وأسكنه بيتًا صغيرًا قريبًا منه، وأعطاه جَملا، وقال: "يا ولدي احتطب، وبع، وكل من عمل يدك. وأنصحك بأن تمد رجلك على قد لحافك". فصارت مثلاً.

يقول صاحبنا: كان عندي آلية لمصاريف البيت منذ ثلاثين سنة.. زوجتي هي وزير مالية مملكتنا الصغيرة.. أعطيها مبلغًا أول الشهر، توزعه في ظروف ورقية بعدد أيام الشهر..

جزء للبيت، ومصروف المدارس للأولاد.. أما فاتورتا التلفون والكهرباء فيقول كنت أتكفل بسدادهما، مع راتب العاملة وصهاريج الماء والصرف الصحي..

يومها ما كان عندنا جوالات ولا هم ولا غم مثل اليوم.. فكان (الرايح على قدر الجاي).

مع الزمن تغيرت الأحوال على رفيقنا..

يقول: كلما زاد الدخل زادت المصروفات إلى أن بلغ بالزوجة في السنوات الأخيرة أن طلبت تعزيز المصروف يوم ٢٥، ثم تصاعد الأمر إلى أن وصل طلب التعزيز للميزانية يوم ١٥ في الشهر، ثم يوم عشرة!.. حتى بعدما كبر الأولاد وتزوجت بعض البنات.. كبرت معهم الهموم مع أنهم ما يقصرون في مساعدتنا.. إلا أن موازنتا مستمرة بالسالب.

أكد أنه وقف الإنجاب منذ ١٧ سنة، ومع ذلك الموازنة "سالب".

بقليل من دهاء الزوجات طلبت منه أنه يساعدها في إدارة المصروف ثلاثة أشهر.

قال: طبقت كل النظريات المالية المعروفة.. عملت ميزانية طلعت بالسالب، ألغيت بعض الكماليات.. استمررت في الحذف والإلغاء إلى أن وصلت لبنزين السيارة فحددت المشاوير.. مقابلها الأسعار "ولعت" وهي في الطالع، وأنا في النازل (تناسب عكسي.. الدخل مع المصروف). فاستمرت ميزانيتنا بالسالب!

المهم يقول: كنت أنزل حلقة الجملة بقصد التدبير فالتوفير.. ما ضبطت معي!

فإما تزيد الكمية وتخرب في البيت مع الحر، أو تنقص الفلوس!

فكان "يجيبها يمين.. يوديها يسار"، فاستمر الوضع كما هو عليه.. استمر مدير مالية للبيت لمدة شهر. يقول: عدت عليّ كأنها سنة.. عجز عن إدارة المصروف؛ فردَّه للزوجة.

فالمسكينة تناضل أربعين عامًا، وضاع عمرها وهي في همّ ميزانية البيت، وطلبات زوجها، وطلبات الأولاد.. فنسيت نفسها وسط الزحمة.

يقول: فصرت أصدقها لما تقول لي "المصروف خلّص".. أروح أدبر لها بدون نقاش حتى أغطي تكاليف المعيشة.

مد رجله.. لكن انكمش اللحاف مع الزمن.. فإذا غطى رأسه انكشفت رجلاه، وإذا غطى رجليه ظهر رأسه.