التدريب أولاً.. والسعودة ثانيًا

سعدتُ كثيرًا لمنظر توطين الوظائف المنتشر في ربوع السعودية، والاعتماد على المواطنين داخل الشركات والمؤسسات والمحال التجارية في عشرات المهن الجديدة التي تعلن وزارة العمل سعودتها بـ"النسبة الكاملة". هذا التوطين بهذه الآلية لطالما كان مطلب المجتمع السعودي منذ عقود مضت، وها هو اليوم يتحقق على أرض الواقع بخطوات متسارعة، تبعث على الاطمئنان بأن المواطنين "أولاً" في سوق العمل السعودي.

في المقابل، أفرزت لنا هذه الآلية أزمة مع الوظائف المهنية، مثل السباك والكهربائي والنجار والحلاق والميكانيكي.. وغيرها من المهن التي ما زالت محتكرة من قِبل عمالة أجنبية، ليس لسطوة هؤلاء الأجانب على تلك المهن، وإنما لأن المواطن السعودي يلفظها، ويبتعد عنها لأسباب اجتماعية في المقام الأول.

يجب الإقرار بأن مثل هذه المهن لم تحظَ بالاهتمام الكافي من مؤسسات المجتمع، وأعني بذلك المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، التي كانت تعلن بصفة دائمة تخريج متدربين في تلك المهن، وكنا نصفق لها على صنيعها، ونستبشر خيرًا بقرب سعودة هذه المهن دون سواها.

بيد أنه ـ حتى هذه اللحظة ـ لا وجود لهؤلاء الخريجين على أرض الواقع؛ فلا أتذكر أنني قابلت كهربائيًّا أو سباكًا أو ميكانيكي سيارات سعوديًّا واحدًا، وكأنهم عملة نادرة، لو جود لها، وكنت أتساءل عن مصير الميزانيات الضخمة التي كانت تنفَق على تدريب وتأهيل هؤلاء داخل فصول المؤسسة.

لسنا اليوم هنا من أجل محاسبة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، وإنما من أجل إيجاد حلول سريعة لسعودة هذه المهن بصورة احترافية سليمة. والأهم من ذلك إيجاد الثقافة الاجتماعية المثلى التي تجعل الشاب السعودي يعمل في هذه المهن بمعنويات مرتفعة، لا تخلو من "التباهي" و"الفخر" بأنه يعمل في المهنة التي يحبها، ويجد فيها نفسه، وتضمن له دخلاً جيدًا. وهنا يبرز دور وسائل الإعلام التي عليها أن تؤكد للشباب السعودي أهمية هذه المهن، وما بها من إيجابيات ومحفزات لا حصر لها، وأن السباك أو الكهربائي مثله مثل الطبيب أو المعلم، كلاهما يؤدي دورًا مهمًّا في المجتمع، لا يؤديه غيره.

لا أقول جديدًا إذا أكدت أن تصحيح أنظمة سوق العمل السعودي أثر على مستقبل الوظائف المهنية كثيرًا، التي تصطدم اليوم بقلة العمالة المدربة؛ وذلك بعدما غادر أغلبها البلاد تحت وقع ارتفاع كلفة العمالة الأجنبية؛ الأمر الذي تسبب في مضاعفة أجور خدماتها، ويتحمل المواطن تبعات ذلك الغلاء.

أقول وأحذر بأن أي محاولة لسعودة هذه المهن بالنسبة الكاملة، مثل المهن الأخرى، ستكون خطوة محفوفة بالمخاطر؛ إذ علينا "أولاً" تدريب وتأهيل الشباب السعودي على تلك المهن، مع توفير حزمة من المحفزات المالية لمن يُقبل على امتهانها والاستمرار فيها، وعندما يتأكد لنا وجود خريجين يمتلكون خبرات نوعية فلا مانع من سعودتها بقرار حازم.. وهذا يتطلب من جميع المؤسسات المعنية التوافق على خطط محددة، تحقق المطلوب بجودة عالية؛ حتى يكون لدينا مهنيون سعوديون نفتخر بهم.

اعلان
التدريب أولاً.. والسعودة ثانيًا
سبق

سعدتُ كثيرًا لمنظر توطين الوظائف المنتشر في ربوع السعودية، والاعتماد على المواطنين داخل الشركات والمؤسسات والمحال التجارية في عشرات المهن الجديدة التي تعلن وزارة العمل سعودتها بـ"النسبة الكاملة". هذا التوطين بهذه الآلية لطالما كان مطلب المجتمع السعودي منذ عقود مضت، وها هو اليوم يتحقق على أرض الواقع بخطوات متسارعة، تبعث على الاطمئنان بأن المواطنين "أولاً" في سوق العمل السعودي.

في المقابل، أفرزت لنا هذه الآلية أزمة مع الوظائف المهنية، مثل السباك والكهربائي والنجار والحلاق والميكانيكي.. وغيرها من المهن التي ما زالت محتكرة من قِبل عمالة أجنبية، ليس لسطوة هؤلاء الأجانب على تلك المهن، وإنما لأن المواطن السعودي يلفظها، ويبتعد عنها لأسباب اجتماعية في المقام الأول.

يجب الإقرار بأن مثل هذه المهن لم تحظَ بالاهتمام الكافي من مؤسسات المجتمع، وأعني بذلك المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، التي كانت تعلن بصفة دائمة تخريج متدربين في تلك المهن، وكنا نصفق لها على صنيعها، ونستبشر خيرًا بقرب سعودة هذه المهن دون سواها.

بيد أنه ـ حتى هذه اللحظة ـ لا وجود لهؤلاء الخريجين على أرض الواقع؛ فلا أتذكر أنني قابلت كهربائيًّا أو سباكًا أو ميكانيكي سيارات سعوديًّا واحدًا، وكأنهم عملة نادرة، لو جود لها، وكنت أتساءل عن مصير الميزانيات الضخمة التي كانت تنفَق على تدريب وتأهيل هؤلاء داخل فصول المؤسسة.

لسنا اليوم هنا من أجل محاسبة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، وإنما من أجل إيجاد حلول سريعة لسعودة هذه المهن بصورة احترافية سليمة. والأهم من ذلك إيجاد الثقافة الاجتماعية المثلى التي تجعل الشاب السعودي يعمل في هذه المهن بمعنويات مرتفعة، لا تخلو من "التباهي" و"الفخر" بأنه يعمل في المهنة التي يحبها، ويجد فيها نفسه، وتضمن له دخلاً جيدًا. وهنا يبرز دور وسائل الإعلام التي عليها أن تؤكد للشباب السعودي أهمية هذه المهن، وما بها من إيجابيات ومحفزات لا حصر لها، وأن السباك أو الكهربائي مثله مثل الطبيب أو المعلم، كلاهما يؤدي دورًا مهمًّا في المجتمع، لا يؤديه غيره.

لا أقول جديدًا إذا أكدت أن تصحيح أنظمة سوق العمل السعودي أثر على مستقبل الوظائف المهنية كثيرًا، التي تصطدم اليوم بقلة العمالة المدربة؛ وذلك بعدما غادر أغلبها البلاد تحت وقع ارتفاع كلفة العمالة الأجنبية؛ الأمر الذي تسبب في مضاعفة أجور خدماتها، ويتحمل المواطن تبعات ذلك الغلاء.

أقول وأحذر بأن أي محاولة لسعودة هذه المهن بالنسبة الكاملة، مثل المهن الأخرى، ستكون خطوة محفوفة بالمخاطر؛ إذ علينا "أولاً" تدريب وتأهيل الشباب السعودي على تلك المهن، مع توفير حزمة من المحفزات المالية لمن يُقبل على امتهانها والاستمرار فيها، وعندما يتأكد لنا وجود خريجين يمتلكون خبرات نوعية فلا مانع من سعودتها بقرار حازم.. وهذا يتطلب من جميع المؤسسات المعنية التوافق على خطط محددة، تحقق المطلوب بجودة عالية؛ حتى يكون لدينا مهنيون سعوديون نفتخر بهم.

07 إبريل 2019 - 2 شعبان 1440
11:10 PM

التدريب أولاً.. والسعودة ثانيًا

ماجد البريكان - الرياض
A A A
1
964

سعدتُ كثيرًا لمنظر توطين الوظائف المنتشر في ربوع السعودية، والاعتماد على المواطنين داخل الشركات والمؤسسات والمحال التجارية في عشرات المهن الجديدة التي تعلن وزارة العمل سعودتها بـ"النسبة الكاملة". هذا التوطين بهذه الآلية لطالما كان مطلب المجتمع السعودي منذ عقود مضت، وها هو اليوم يتحقق على أرض الواقع بخطوات متسارعة، تبعث على الاطمئنان بأن المواطنين "أولاً" في سوق العمل السعودي.

في المقابل، أفرزت لنا هذه الآلية أزمة مع الوظائف المهنية، مثل السباك والكهربائي والنجار والحلاق والميكانيكي.. وغيرها من المهن التي ما زالت محتكرة من قِبل عمالة أجنبية، ليس لسطوة هؤلاء الأجانب على تلك المهن، وإنما لأن المواطن السعودي يلفظها، ويبتعد عنها لأسباب اجتماعية في المقام الأول.

يجب الإقرار بأن مثل هذه المهن لم تحظَ بالاهتمام الكافي من مؤسسات المجتمع، وأعني بذلك المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، التي كانت تعلن بصفة دائمة تخريج متدربين في تلك المهن، وكنا نصفق لها على صنيعها، ونستبشر خيرًا بقرب سعودة هذه المهن دون سواها.

بيد أنه ـ حتى هذه اللحظة ـ لا وجود لهؤلاء الخريجين على أرض الواقع؛ فلا أتذكر أنني قابلت كهربائيًّا أو سباكًا أو ميكانيكي سيارات سعوديًّا واحدًا، وكأنهم عملة نادرة، لو جود لها، وكنت أتساءل عن مصير الميزانيات الضخمة التي كانت تنفَق على تدريب وتأهيل هؤلاء داخل فصول المؤسسة.

لسنا اليوم هنا من أجل محاسبة المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني، وإنما من أجل إيجاد حلول سريعة لسعودة هذه المهن بصورة احترافية سليمة. والأهم من ذلك إيجاد الثقافة الاجتماعية المثلى التي تجعل الشاب السعودي يعمل في هذه المهن بمعنويات مرتفعة، لا تخلو من "التباهي" و"الفخر" بأنه يعمل في المهنة التي يحبها، ويجد فيها نفسه، وتضمن له دخلاً جيدًا. وهنا يبرز دور وسائل الإعلام التي عليها أن تؤكد للشباب السعودي أهمية هذه المهن، وما بها من إيجابيات ومحفزات لا حصر لها، وأن السباك أو الكهربائي مثله مثل الطبيب أو المعلم، كلاهما يؤدي دورًا مهمًّا في المجتمع، لا يؤديه غيره.

لا أقول جديدًا إذا أكدت أن تصحيح أنظمة سوق العمل السعودي أثر على مستقبل الوظائف المهنية كثيرًا، التي تصطدم اليوم بقلة العمالة المدربة؛ وذلك بعدما غادر أغلبها البلاد تحت وقع ارتفاع كلفة العمالة الأجنبية؛ الأمر الذي تسبب في مضاعفة أجور خدماتها، ويتحمل المواطن تبعات ذلك الغلاء.

أقول وأحذر بأن أي محاولة لسعودة هذه المهن بالنسبة الكاملة، مثل المهن الأخرى، ستكون خطوة محفوفة بالمخاطر؛ إذ علينا "أولاً" تدريب وتأهيل الشباب السعودي على تلك المهن، مع توفير حزمة من المحفزات المالية لمن يُقبل على امتهانها والاستمرار فيها، وعندما يتأكد لنا وجود خريجين يمتلكون خبرات نوعية فلا مانع من سعودتها بقرار حازم.. وهذا يتطلب من جميع المؤسسات المعنية التوافق على خطط محددة، تحقق المطلوب بجودة عالية؛ حتى يكون لدينا مهنيون سعوديون نفتخر بهم.