أنا أُم فاشلة!

تربية الأطفال ليست بالأمر الهين، ولا بالصعب كذلك، وإنما هي السهل الممتنع! هي توفيق ورزق من الله، وهينة لمن وفَّقه الله تعالى لذلك..

كثيرًا ما نصاب بشعور الفشل، ويتملكنا الإحساس بالتقصير تجاه أبنائنا.. وكثيرًا ما تعاودنا مشاعر الضيق وتأنيب الضمير، وكأننا نركض بلا جدوى، ونلهث بلا نهاية!! فلا نجد أمامنا سوى تلك الكلمة القاسية، ولكنها الأقرب لوصف مشاعرنا المتأججة والمحبطة تلك اللحظة: "أنا أُم فاشلة"، أو "أنا أب فاشل".

وقد تتبادر إلى ذهنك أفظع العبارات "يا ليتني ما جبتهم"، "وش هالبلشة"، "صدق إن هالبزران قلق".

وخلال اجتياح تلك النوبة قد تسمح لأسوأ ما فيك بالظهور؛ فتصرخ، وتهدد، وربما تضرب بكل ما أوتيت من (نرفزة) وقوة!! أو تصب دعوات مريرة عليهم، وكأنهم ألد أعدائك! أو على العكس؛ فقد تتجه نحو ذاتك؛ فتجلدها جلدًا مبرحًا، وتقصفها بسيل اتهامات على تقصيرك وقلة اهتمامك وفشلك..

والمؤسف أنه بعد أن ينفكّ عنك لجام الغضب تدرك أنه لم يتغير شيء مما تريد نحو ما تريد! بل قد تكون قد زدت الطين بلة، وزدت لهمك همًّا، ولصفحتهم البيضاء جرحًا..

مهلاً، مهلاً، مهلاً.. خذ نفـسًا عمــيقًا..

فلم تصل للنهاية بعد، ولكنه طريق غير سالك كما بدا لك من الخارج. لا تيأس ولا تقف ولا تتراجع.. فلا مكان في هذا المضمار للتوقف والانسحاب، وإلا فالثمن سيكون غاليًا جدًّا..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

مهما كثرت تلك التخبطات في المشاعر، ولحظات الملل والتعب، وربما اليأس وضياع البوصلة وفقدان الوجهة الصحيحة..

لا تقلق.. لا تستسلم.. لا تجزع..

بل دعها تمضي، وأكمل طريقك متوكلاً على ربك، وإياك واليأس.. لا تيأس؛ فهذا ما يريده الشيطان.. لا تيأس من روح الله، ولا تقنط من رحمته؛ فهو يراك، ويعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك.. يعرف نيتك الصادقة في توجيههم، ويرى جهودك المضنية في التربية والتأديب والتعليم..

لا يخفى عليه شيء من زفراتك ودمعاتك، وحتى غلطاتك.. عليم سبحانه بتضحياتك من أجل أن يتعلموا أفضل تعليم.. شهيد على تنازلاتك من أجل أن تكون قريبًا منهم.. سميع لدعواتك التي تلهج بها ليل نهار، وتتمتم بها في سجودك: "يا رب أصلحهم.. يا رب اهديهم".. قادر على تدبيرك وتدبيرهم في غمضة عين، ولا يعجزه شيء سبحانه..

ولكنه تكليف وتسيير هذا الكون أن نُمتحن فيهم، وأن يُختبر صبرنا وتحمُّلنا واجتهادنا بهم.. {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}.

هوِّن على نفسك..

فكُلنا بشر خطاؤون، وكُلنا بشر زائلون، ولكل جواد كبوة..

لا تجعل إحساس الذنب والتقصير يقيدك عن النهوض والمحاولة مجددًا.. لا تسمح لسقف التوقعات المرتفع أن يكسر رقبتك التي تتطلع للكمال والمثالية الزائدة.. لا تجعل تلك الفرضيات الخيالية تضيق عليك عيشك، وتزيد رقعة همك.. ولا ترهق نفسك، وترهقهم بالمقارنات مع أطفال آخرين، قد يكونون أحسن خُلقا أو خَلقا أو مستوى أكاديميًّا..

تيقن أنه لا يمكن بل يستحيل أن نعبر تلك الرحلة دون أن نخطئ..

ولكن مكمن الفرق أن يكون ذلك الخطأ هو مفترق الطرق، ونهاية المحاولات، وإعلان الاستسلام!!

التربية يا سادة تذبذبات ومراحل؛ فأطفالنا يكبرون ويتغيرون، وتتغير احتياجاتهم في كل مرحلة، ويتغير العالم من حولنا كذلك، وعوضًا عن اليأس والتذمر الأجدى أن نتغير نحن منهم؛ لنستوعب زمنهم، ونكون عونًا لهم على أنفسهم، كما ذكرنا الإمام علي بن طالب -رضي الله عنه-: "ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم".

كم نحتاج للمنطقية أحيانًا في قواعدنا ونظامنا حتى يتماشى مع واقعهم وزمنهم المختلف كلية عن زماننا وطفولتنا..

ونحتاج إلى أن نعطي لأنفسنا حقها من التعلم والتطور في كل نواحي الحياة مهنيًّا وصحيًّا وشخصيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ودينيًّا من أجل أن نكون النسخة الأفضل لرعايتهم بأقل الأخطاء الممكنة..

فلا يمكن لسائق المركبة أن يصل لغايته بسلام وهو يقودها مشوش التفكير، جاهلاً للوجهة، فاقدًا للرؤية الواضحة، أو خاليًا من الوقود..

اشحن نفسك بالتضرع إلى الله، وطلب الاستعانة به قبل أي شيء، واستعن بكل السبل لتعرف وجهتك بكل وضوح، وكيفية وصولها بأمان..

نحتاج إلى أن ندرك أن بذل الجهد مطلب وأمانة، والتفويض لله أساس وغاية، أما هدايتهم فهي بأمر الله سبحانه لا باجتهادنا ولا بتفوقنا في ذلك، ومهما شق بك الأمر رغم اجتهادك الصحيح تذكر: {لست عليهم بمصيطر}.

وطمئن فؤادك: {إن الله عليم بما تفعلون}..

فلو قست أحكام مَن حولك، وتظلموا عليك بسوء تربيتك، وحده يعلم ما لا يعلمون..

وحدك أنت من تذوق جمال قُبلة تطبعها على خد طفلك بعد يوم حافل بالتجارب والتوجيهات واللحظات الممتعة والمنغصة كذلك، ولكنك تجاوزتها بكل نجاح؛ لتختم تلك التخبطات بدروس تربوية، تنطبع في ذاكرة ذلك الطفل الخام مدى الحياة..

{لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط}. لا تكن من القانطين، واصبر من أجل تلك اللحظات الغالية؛ فلا يمكن تذوق حلاوة الرطب دون تحمُّل حرارة الصيف، ولا حلاوة تضاهي تجاوز طفلك سلوكًا مشكلاً أو تخطيه عادة سيئة أو إتقانه مهارة جديدة..

وتذكر أن الرحلة الناجحة لا تعني خلوها من العقبات والمحبطات، ولكن النجاح هو تجاوزها بأقل قدر من الخسائر، واستثمار الموقف ليكون درسًا لك ولأبنائك؛ فلا توجد حياة حلوة كالسكر دائمًا، ولكنها كالقهوة، جمالها في مرارتها إن نحن عرفنا كيف نتذوقها..

وأخيرًا أرجو لك قيادة آمنة متوازنة ممتعة وذكية..

مها عبدالله الحقباني
اعلان
أنا أُم فاشلة!
سبق

تربية الأطفال ليست بالأمر الهين، ولا بالصعب كذلك، وإنما هي السهل الممتنع! هي توفيق ورزق من الله، وهينة لمن وفَّقه الله تعالى لذلك..

كثيرًا ما نصاب بشعور الفشل، ويتملكنا الإحساس بالتقصير تجاه أبنائنا.. وكثيرًا ما تعاودنا مشاعر الضيق وتأنيب الضمير، وكأننا نركض بلا جدوى، ونلهث بلا نهاية!! فلا نجد أمامنا سوى تلك الكلمة القاسية، ولكنها الأقرب لوصف مشاعرنا المتأججة والمحبطة تلك اللحظة: "أنا أُم فاشلة"، أو "أنا أب فاشل".

وقد تتبادر إلى ذهنك أفظع العبارات "يا ليتني ما جبتهم"، "وش هالبلشة"، "صدق إن هالبزران قلق".

وخلال اجتياح تلك النوبة قد تسمح لأسوأ ما فيك بالظهور؛ فتصرخ، وتهدد، وربما تضرب بكل ما أوتيت من (نرفزة) وقوة!! أو تصب دعوات مريرة عليهم، وكأنهم ألد أعدائك! أو على العكس؛ فقد تتجه نحو ذاتك؛ فتجلدها جلدًا مبرحًا، وتقصفها بسيل اتهامات على تقصيرك وقلة اهتمامك وفشلك..

والمؤسف أنه بعد أن ينفكّ عنك لجام الغضب تدرك أنه لم يتغير شيء مما تريد نحو ما تريد! بل قد تكون قد زدت الطين بلة، وزدت لهمك همًّا، ولصفحتهم البيضاء جرحًا..

مهلاً، مهلاً، مهلاً.. خذ نفـسًا عمــيقًا..

فلم تصل للنهاية بعد، ولكنه طريق غير سالك كما بدا لك من الخارج. لا تيأس ولا تقف ولا تتراجع.. فلا مكان في هذا المضمار للتوقف والانسحاب، وإلا فالثمن سيكون غاليًا جدًّا..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

مهما كثرت تلك التخبطات في المشاعر، ولحظات الملل والتعب، وربما اليأس وضياع البوصلة وفقدان الوجهة الصحيحة..

لا تقلق.. لا تستسلم.. لا تجزع..

بل دعها تمضي، وأكمل طريقك متوكلاً على ربك، وإياك واليأس.. لا تيأس؛ فهذا ما يريده الشيطان.. لا تيأس من روح الله، ولا تقنط من رحمته؛ فهو يراك، ويعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك.. يعرف نيتك الصادقة في توجيههم، ويرى جهودك المضنية في التربية والتأديب والتعليم..

لا يخفى عليه شيء من زفراتك ودمعاتك، وحتى غلطاتك.. عليم سبحانه بتضحياتك من أجل أن يتعلموا أفضل تعليم.. شهيد على تنازلاتك من أجل أن تكون قريبًا منهم.. سميع لدعواتك التي تلهج بها ليل نهار، وتتمتم بها في سجودك: "يا رب أصلحهم.. يا رب اهديهم".. قادر على تدبيرك وتدبيرهم في غمضة عين، ولا يعجزه شيء سبحانه..

ولكنه تكليف وتسيير هذا الكون أن نُمتحن فيهم، وأن يُختبر صبرنا وتحمُّلنا واجتهادنا بهم.. {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}.

هوِّن على نفسك..

فكُلنا بشر خطاؤون، وكُلنا بشر زائلون، ولكل جواد كبوة..

لا تجعل إحساس الذنب والتقصير يقيدك عن النهوض والمحاولة مجددًا.. لا تسمح لسقف التوقعات المرتفع أن يكسر رقبتك التي تتطلع للكمال والمثالية الزائدة.. لا تجعل تلك الفرضيات الخيالية تضيق عليك عيشك، وتزيد رقعة همك.. ولا ترهق نفسك، وترهقهم بالمقارنات مع أطفال آخرين، قد يكونون أحسن خُلقا أو خَلقا أو مستوى أكاديميًّا..

تيقن أنه لا يمكن بل يستحيل أن نعبر تلك الرحلة دون أن نخطئ..

ولكن مكمن الفرق أن يكون ذلك الخطأ هو مفترق الطرق، ونهاية المحاولات، وإعلان الاستسلام!!

التربية يا سادة تذبذبات ومراحل؛ فأطفالنا يكبرون ويتغيرون، وتتغير احتياجاتهم في كل مرحلة، ويتغير العالم من حولنا كذلك، وعوضًا عن اليأس والتذمر الأجدى أن نتغير نحن منهم؛ لنستوعب زمنهم، ونكون عونًا لهم على أنفسهم، كما ذكرنا الإمام علي بن طالب -رضي الله عنه-: "ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم".

كم نحتاج للمنطقية أحيانًا في قواعدنا ونظامنا حتى يتماشى مع واقعهم وزمنهم المختلف كلية عن زماننا وطفولتنا..

ونحتاج إلى أن نعطي لأنفسنا حقها من التعلم والتطور في كل نواحي الحياة مهنيًّا وصحيًّا وشخصيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ودينيًّا من أجل أن نكون النسخة الأفضل لرعايتهم بأقل الأخطاء الممكنة..

فلا يمكن لسائق المركبة أن يصل لغايته بسلام وهو يقودها مشوش التفكير، جاهلاً للوجهة، فاقدًا للرؤية الواضحة، أو خاليًا من الوقود..

اشحن نفسك بالتضرع إلى الله، وطلب الاستعانة به قبل أي شيء، واستعن بكل السبل لتعرف وجهتك بكل وضوح، وكيفية وصولها بأمان..

نحتاج إلى أن ندرك أن بذل الجهد مطلب وأمانة، والتفويض لله أساس وغاية، أما هدايتهم فهي بأمر الله سبحانه لا باجتهادنا ولا بتفوقنا في ذلك، ومهما شق بك الأمر رغم اجتهادك الصحيح تذكر: {لست عليهم بمصيطر}.

وطمئن فؤادك: {إن الله عليم بما تفعلون}..

فلو قست أحكام مَن حولك، وتظلموا عليك بسوء تربيتك، وحده يعلم ما لا يعلمون..

وحدك أنت من تذوق جمال قُبلة تطبعها على خد طفلك بعد يوم حافل بالتجارب والتوجيهات واللحظات الممتعة والمنغصة كذلك، ولكنك تجاوزتها بكل نجاح؛ لتختم تلك التخبطات بدروس تربوية، تنطبع في ذاكرة ذلك الطفل الخام مدى الحياة..

{لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط}. لا تكن من القانطين، واصبر من أجل تلك اللحظات الغالية؛ فلا يمكن تذوق حلاوة الرطب دون تحمُّل حرارة الصيف، ولا حلاوة تضاهي تجاوز طفلك سلوكًا مشكلاً أو تخطيه عادة سيئة أو إتقانه مهارة جديدة..

وتذكر أن الرحلة الناجحة لا تعني خلوها من العقبات والمحبطات، ولكن النجاح هو تجاوزها بأقل قدر من الخسائر، واستثمار الموقف ليكون درسًا لك ولأبنائك؛ فلا توجد حياة حلوة كالسكر دائمًا، ولكنها كالقهوة، جمالها في مرارتها إن نحن عرفنا كيف نتذوقها..

وأخيرًا أرجو لك قيادة آمنة متوازنة ممتعة وذكية..

07 ديسمبر 2019 - 10 ربيع الآخر 1441
10:05 PM

أنا أُم فاشلة!

مها عبدالله الحقباني - الرياض
A A A
0
8,286

تربية الأطفال ليست بالأمر الهين، ولا بالصعب كذلك، وإنما هي السهل الممتنع! هي توفيق ورزق من الله، وهينة لمن وفَّقه الله تعالى لذلك..

كثيرًا ما نصاب بشعور الفشل، ويتملكنا الإحساس بالتقصير تجاه أبنائنا.. وكثيرًا ما تعاودنا مشاعر الضيق وتأنيب الضمير، وكأننا نركض بلا جدوى، ونلهث بلا نهاية!! فلا نجد أمامنا سوى تلك الكلمة القاسية، ولكنها الأقرب لوصف مشاعرنا المتأججة والمحبطة تلك اللحظة: "أنا أُم فاشلة"، أو "أنا أب فاشل".

وقد تتبادر إلى ذهنك أفظع العبارات "يا ليتني ما جبتهم"، "وش هالبلشة"، "صدق إن هالبزران قلق".

وخلال اجتياح تلك النوبة قد تسمح لأسوأ ما فيك بالظهور؛ فتصرخ، وتهدد، وربما تضرب بكل ما أوتيت من (نرفزة) وقوة!! أو تصب دعوات مريرة عليهم، وكأنهم ألد أعدائك! أو على العكس؛ فقد تتجه نحو ذاتك؛ فتجلدها جلدًا مبرحًا، وتقصفها بسيل اتهامات على تقصيرك وقلة اهتمامك وفشلك..

والمؤسف أنه بعد أن ينفكّ عنك لجام الغضب تدرك أنه لم يتغير شيء مما تريد نحو ما تريد! بل قد تكون قد زدت الطين بلة، وزدت لهمك همًّا، ولصفحتهم البيضاء جرحًا..

مهلاً، مهلاً، مهلاً.. خذ نفـسًا عمــيقًا..

فلم تصل للنهاية بعد، ولكنه طريق غير سالك كما بدا لك من الخارج. لا تيأس ولا تقف ولا تتراجع.. فلا مكان في هذا المضمار للتوقف والانسحاب، وإلا فالثمن سيكون غاليًا جدًّا..

عزيزي الأب، عزيزتي الأم..

مهما كثرت تلك التخبطات في المشاعر، ولحظات الملل والتعب، وربما اليأس وضياع البوصلة وفقدان الوجهة الصحيحة..

لا تقلق.. لا تستسلم.. لا تجزع..

بل دعها تمضي، وأكمل طريقك متوكلاً على ربك، وإياك واليأس.. لا تيأس؛ فهذا ما يريده الشيطان.. لا تيأس من روح الله، ولا تقنط من رحمته؛ فهو يراك، ويعرف عنك أكثر مما تعرف عن نفسك.. يعرف نيتك الصادقة في توجيههم، ويرى جهودك المضنية في التربية والتأديب والتعليم..

لا يخفى عليه شيء من زفراتك ودمعاتك، وحتى غلطاتك.. عليم سبحانه بتضحياتك من أجل أن يتعلموا أفضل تعليم.. شهيد على تنازلاتك من أجل أن تكون قريبًا منهم.. سميع لدعواتك التي تلهج بها ليل نهار، وتتمتم بها في سجودك: "يا رب أصلحهم.. يا رب اهديهم".. قادر على تدبيرك وتدبيرهم في غمضة عين، ولا يعجزه شيء سبحانه..

ولكنه تكليف وتسيير هذا الكون أن نُمتحن فيهم، وأن يُختبر صبرنا وتحمُّلنا واجتهادنا بهم.. {وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون}.

هوِّن على نفسك..

فكُلنا بشر خطاؤون، وكُلنا بشر زائلون، ولكل جواد كبوة..

لا تجعل إحساس الذنب والتقصير يقيدك عن النهوض والمحاولة مجددًا.. لا تسمح لسقف التوقعات المرتفع أن يكسر رقبتك التي تتطلع للكمال والمثالية الزائدة.. لا تجعل تلك الفرضيات الخيالية تضيق عليك عيشك، وتزيد رقعة همك.. ولا ترهق نفسك، وترهقهم بالمقارنات مع أطفال آخرين، قد يكونون أحسن خُلقا أو خَلقا أو مستوى أكاديميًّا..

تيقن أنه لا يمكن بل يستحيل أن نعبر تلك الرحلة دون أن نخطئ..

ولكن مكمن الفرق أن يكون ذلك الخطأ هو مفترق الطرق، ونهاية المحاولات، وإعلان الاستسلام!!

التربية يا سادة تذبذبات ومراحل؛ فأطفالنا يكبرون ويتغيرون، وتتغير احتياجاتهم في كل مرحلة، ويتغير العالم من حولنا كذلك، وعوضًا عن اليأس والتذمر الأجدى أن نتغير نحن منهم؛ لنستوعب زمنهم، ونكون عونًا لهم على أنفسهم، كما ذكرنا الإمام علي بن طالب -رضي الله عنه-: "ربوا أبناءكم لزمان غير زمانكم".

كم نحتاج للمنطقية أحيانًا في قواعدنا ونظامنا حتى يتماشى مع واقعهم وزمنهم المختلف كلية عن زماننا وطفولتنا..

ونحتاج إلى أن نعطي لأنفسنا حقها من التعلم والتطور في كل نواحي الحياة مهنيًّا وصحيًّا وشخصيًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ودينيًّا من أجل أن نكون النسخة الأفضل لرعايتهم بأقل الأخطاء الممكنة..

فلا يمكن لسائق المركبة أن يصل لغايته بسلام وهو يقودها مشوش التفكير، جاهلاً للوجهة، فاقدًا للرؤية الواضحة، أو خاليًا من الوقود..

اشحن نفسك بالتضرع إلى الله، وطلب الاستعانة به قبل أي شيء، واستعن بكل السبل لتعرف وجهتك بكل وضوح، وكيفية وصولها بأمان..

نحتاج إلى أن ندرك أن بذل الجهد مطلب وأمانة، والتفويض لله أساس وغاية، أما هدايتهم فهي بأمر الله سبحانه لا باجتهادنا ولا بتفوقنا في ذلك، ومهما شق بك الأمر رغم اجتهادك الصحيح تذكر: {لست عليهم بمصيطر}.

وطمئن فؤادك: {إن الله عليم بما تفعلون}..

فلو قست أحكام مَن حولك، وتظلموا عليك بسوء تربيتك، وحده يعلم ما لا يعلمون..

وحدك أنت من تذوق جمال قُبلة تطبعها على خد طفلك بعد يوم حافل بالتجارب والتوجيهات واللحظات الممتعة والمنغصة كذلك، ولكنك تجاوزتها بكل نجاح؛ لتختم تلك التخبطات بدروس تربوية، تنطبع في ذاكرة ذلك الطفل الخام مدى الحياة..

{لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط}. لا تكن من القانطين، واصبر من أجل تلك اللحظات الغالية؛ فلا يمكن تذوق حلاوة الرطب دون تحمُّل حرارة الصيف، ولا حلاوة تضاهي تجاوز طفلك سلوكًا مشكلاً أو تخطيه عادة سيئة أو إتقانه مهارة جديدة..

وتذكر أن الرحلة الناجحة لا تعني خلوها من العقبات والمحبطات، ولكن النجاح هو تجاوزها بأقل قدر من الخسائر، واستثمار الموقف ليكون درسًا لك ولأبنائك؛ فلا توجد حياة حلوة كالسكر دائمًا، ولكنها كالقهوة، جمالها في مرارتها إن نحن عرفنا كيف نتذوقها..

وأخيرًا أرجو لك قيادة آمنة متوازنة ممتعة وذكية..