الماضي وأوجاعه

الحنين إلى الماضي، والذكريات الجميلة القديمة، صفة رائعة من أهم صفات البشر. وهذه الصفة هـي التي تجعل للماضي قيمة، وللتاريخ أهـمية في حياة الفرد والجماعة والأمة كلهـا.. تقول الكاتبة الفلسطينية الراحلة (غيداء درويش) في مقال لهـا بعنوان (وجع الحنين): "تحنُّ روحي إلى كل ما هـو عتيق.. إلى الأمس المغمور برائحة الزمن، والمغموس بالقيم، حيث تقف عند كل زاوية لتجعل منهـا حكاية.. أحن إلى شربة ماء من جرة ترشح نقاء.. كرهـت الهـواء المعلب، والماء المعلب، والطعام المهـرمن، والكلام المكرر..".

وأنا هـنا أتساءل: هـل فعلاً الماضي كان يتمتع بكل هـذا البهـاء والرونق الجميل الذي يجذبنا إليه؟ هـل يستحق الماضي هـذه الهـالة الضخمة التي نضعهـا حوله؟!! هـل كان الماضي حافلاً بكل هـذا الخير والنقاء والصلاح والجمال الذي نتغنى به؟!! ألم يكن في الماضي آلام وأوجاع وعذابات من ألوان شتى؟! ولماذا نحنُّ جميعًا إلى الماضي؟! بل إن من الغريب حقًّا أن تجد صبيًّا لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره يتأفف من حاضره!! ويحنُّ إلى الماضي، ويسميه (الزمن الجميل)!! وهـل صار لمثل هـذا الصبي ماضٍ بعد؟ وهـل تراكمت عليه الهـموم والأوجاع ليحنَّ إلى ماضيه؟! إنه لا يزال نبتة غضة، تتطلع إلى المستقبل، فكيف يشعر بمشاعر الشيخوخة وأساها على الفتوة الذاهـبة، والعمر الذي ارتحل؟!

من الناحية النفسية فإننا نجد أن علماء النفس يعزون (يرجعون) حنين الإنسان إلى الماضي، رغم ما كان فيه من مرارات وأكدار وأحزان، إلى خوف الإنسان الدائم من المستقبل، ومعاناته التي يعيشهـا في الحاضر؛ وبالتالي يصبح الماضي الذي انتهـى بحلوه ومُره أفضل عنده من حاضر يعاني فيه، ومستقبل مجهـول يخشاه، ويخاف منه.

وقال حكيم: "بيني وبين الملوك ساعة. فأما الماضي فقد مر عليّ وعليهـم، وأما المستقبل فكلنا يجهـله ويخشى ما فيه". يريد أن يقول: "عش اللحظة الراهـنة، واستمتع بهـا، ولا تدعهـا تفلت منك، ولا تسمح بأن تمرّ عليك في هـمّ ونكد؛ فسعادة المرء الحقيقية هي في أن يعيش حاضره سعيدًا، وأن يملأه بالبهـجة دون منغصات؛ لأن الساعة التي تمر من حياتك لا يمكن استرجاعهـا، واليوم الذي ينقضي من عمرك سيصبح ذكرى". لكن كثيرًا منا - وهـذا على ما يبدو جزء من تركيبتنا النفسية والحضارية – يفسد حاضره، إما بخوفه من مستقبله، وتوجسه الدائم منه، أو بافتعال المشاكل وتضخيم الأمور، أو بالبكاء على أطلال الماضي، والندم على ما فات من العمر وما ضاع من الفرص!!

وهـكذا نضيّع حاضرنا ونفسده بين الأسى والخوف!!

إنسانيًّا لا بأس من الشعور بالحنين للماضي، وتذكُّر الراحلين بالخير، والترحم عليهـم، والاستمتاع باستعادة أثر الذكريات الحلوة في النفوس، لكن ينبغي ألا يصرفنا ذلك عن حاضرنا؛ فأهـم من التغني بأمجاد الماضي، والتحسر على ذكرياته الضائعة، أن نقوم بتجميل الحاضر، وصنع مآثره الخاصة به؛ لتصبح ذكريات حلوة، وبث الأمل والتفاؤل في النفوس، ونشر الطاقة الإيجابية بين الناس بالابتسامة التي هـي صدقة (كما في الحديث الشريف: تبسمك في وجه أخيك صدقة)، والتحلي بالقيم والأخلاق الحسنة والصفات الحميدة.

غسان عسيلان
اعلان
الماضي وأوجاعه
سبق

الحنين إلى الماضي، والذكريات الجميلة القديمة، صفة رائعة من أهم صفات البشر. وهذه الصفة هـي التي تجعل للماضي قيمة، وللتاريخ أهـمية في حياة الفرد والجماعة والأمة كلهـا.. تقول الكاتبة الفلسطينية الراحلة (غيداء درويش) في مقال لهـا بعنوان (وجع الحنين): "تحنُّ روحي إلى كل ما هـو عتيق.. إلى الأمس المغمور برائحة الزمن، والمغموس بالقيم، حيث تقف عند كل زاوية لتجعل منهـا حكاية.. أحن إلى شربة ماء من جرة ترشح نقاء.. كرهـت الهـواء المعلب، والماء المعلب، والطعام المهـرمن، والكلام المكرر..".

وأنا هـنا أتساءل: هـل فعلاً الماضي كان يتمتع بكل هـذا البهـاء والرونق الجميل الذي يجذبنا إليه؟ هـل يستحق الماضي هـذه الهـالة الضخمة التي نضعهـا حوله؟!! هـل كان الماضي حافلاً بكل هـذا الخير والنقاء والصلاح والجمال الذي نتغنى به؟!! ألم يكن في الماضي آلام وأوجاع وعذابات من ألوان شتى؟! ولماذا نحنُّ جميعًا إلى الماضي؟! بل إن من الغريب حقًّا أن تجد صبيًّا لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره يتأفف من حاضره!! ويحنُّ إلى الماضي، ويسميه (الزمن الجميل)!! وهـل صار لمثل هـذا الصبي ماضٍ بعد؟ وهـل تراكمت عليه الهـموم والأوجاع ليحنَّ إلى ماضيه؟! إنه لا يزال نبتة غضة، تتطلع إلى المستقبل، فكيف يشعر بمشاعر الشيخوخة وأساها على الفتوة الذاهـبة، والعمر الذي ارتحل؟!

من الناحية النفسية فإننا نجد أن علماء النفس يعزون (يرجعون) حنين الإنسان إلى الماضي، رغم ما كان فيه من مرارات وأكدار وأحزان، إلى خوف الإنسان الدائم من المستقبل، ومعاناته التي يعيشهـا في الحاضر؛ وبالتالي يصبح الماضي الذي انتهـى بحلوه ومُره أفضل عنده من حاضر يعاني فيه، ومستقبل مجهـول يخشاه، ويخاف منه.

وقال حكيم: "بيني وبين الملوك ساعة. فأما الماضي فقد مر عليّ وعليهـم، وأما المستقبل فكلنا يجهـله ويخشى ما فيه". يريد أن يقول: "عش اللحظة الراهـنة، واستمتع بهـا، ولا تدعهـا تفلت منك، ولا تسمح بأن تمرّ عليك في هـمّ ونكد؛ فسعادة المرء الحقيقية هي في أن يعيش حاضره سعيدًا، وأن يملأه بالبهـجة دون منغصات؛ لأن الساعة التي تمر من حياتك لا يمكن استرجاعهـا، واليوم الذي ينقضي من عمرك سيصبح ذكرى". لكن كثيرًا منا - وهـذا على ما يبدو جزء من تركيبتنا النفسية والحضارية – يفسد حاضره، إما بخوفه من مستقبله، وتوجسه الدائم منه، أو بافتعال المشاكل وتضخيم الأمور، أو بالبكاء على أطلال الماضي، والندم على ما فات من العمر وما ضاع من الفرص!!

وهـكذا نضيّع حاضرنا ونفسده بين الأسى والخوف!!

إنسانيًّا لا بأس من الشعور بالحنين للماضي، وتذكُّر الراحلين بالخير، والترحم عليهـم، والاستمتاع باستعادة أثر الذكريات الحلوة في النفوس، لكن ينبغي ألا يصرفنا ذلك عن حاضرنا؛ فأهـم من التغني بأمجاد الماضي، والتحسر على ذكرياته الضائعة، أن نقوم بتجميل الحاضر، وصنع مآثره الخاصة به؛ لتصبح ذكريات حلوة، وبث الأمل والتفاؤل في النفوس، ونشر الطاقة الإيجابية بين الناس بالابتسامة التي هـي صدقة (كما في الحديث الشريف: تبسمك في وجه أخيك صدقة)، والتحلي بالقيم والأخلاق الحسنة والصفات الحميدة.

28 يونيو 2020 - 7 ذو القعدة 1441
08:19 PM
اخر تعديل
26 سبتمبر 2020 - 9 صفر 1442
09:57 PM

الماضي وأوجاعه

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
1
991

الحنين إلى الماضي، والذكريات الجميلة القديمة، صفة رائعة من أهم صفات البشر. وهذه الصفة هـي التي تجعل للماضي قيمة، وللتاريخ أهـمية في حياة الفرد والجماعة والأمة كلهـا.. تقول الكاتبة الفلسطينية الراحلة (غيداء درويش) في مقال لهـا بعنوان (وجع الحنين): "تحنُّ روحي إلى كل ما هـو عتيق.. إلى الأمس المغمور برائحة الزمن، والمغموس بالقيم، حيث تقف عند كل زاوية لتجعل منهـا حكاية.. أحن إلى شربة ماء من جرة ترشح نقاء.. كرهـت الهـواء المعلب، والماء المعلب، والطعام المهـرمن، والكلام المكرر..".

وأنا هـنا أتساءل: هـل فعلاً الماضي كان يتمتع بكل هـذا البهـاء والرونق الجميل الذي يجذبنا إليه؟ هـل يستحق الماضي هـذه الهـالة الضخمة التي نضعهـا حوله؟!! هـل كان الماضي حافلاً بكل هـذا الخير والنقاء والصلاح والجمال الذي نتغنى به؟!! ألم يكن في الماضي آلام وأوجاع وعذابات من ألوان شتى؟! ولماذا نحنُّ جميعًا إلى الماضي؟! بل إن من الغريب حقًّا أن تجد صبيًّا لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره يتأفف من حاضره!! ويحنُّ إلى الماضي، ويسميه (الزمن الجميل)!! وهـل صار لمثل هـذا الصبي ماضٍ بعد؟ وهـل تراكمت عليه الهـموم والأوجاع ليحنَّ إلى ماضيه؟! إنه لا يزال نبتة غضة، تتطلع إلى المستقبل، فكيف يشعر بمشاعر الشيخوخة وأساها على الفتوة الذاهـبة، والعمر الذي ارتحل؟!

من الناحية النفسية فإننا نجد أن علماء النفس يعزون (يرجعون) حنين الإنسان إلى الماضي، رغم ما كان فيه من مرارات وأكدار وأحزان، إلى خوف الإنسان الدائم من المستقبل، ومعاناته التي يعيشهـا في الحاضر؛ وبالتالي يصبح الماضي الذي انتهـى بحلوه ومُره أفضل عنده من حاضر يعاني فيه، ومستقبل مجهـول يخشاه، ويخاف منه.

وقال حكيم: "بيني وبين الملوك ساعة. فأما الماضي فقد مر عليّ وعليهـم، وأما المستقبل فكلنا يجهـله ويخشى ما فيه". يريد أن يقول: "عش اللحظة الراهـنة، واستمتع بهـا، ولا تدعهـا تفلت منك، ولا تسمح بأن تمرّ عليك في هـمّ ونكد؛ فسعادة المرء الحقيقية هي في أن يعيش حاضره سعيدًا، وأن يملأه بالبهـجة دون منغصات؛ لأن الساعة التي تمر من حياتك لا يمكن استرجاعهـا، واليوم الذي ينقضي من عمرك سيصبح ذكرى". لكن كثيرًا منا - وهـذا على ما يبدو جزء من تركيبتنا النفسية والحضارية – يفسد حاضره، إما بخوفه من مستقبله، وتوجسه الدائم منه، أو بافتعال المشاكل وتضخيم الأمور، أو بالبكاء على أطلال الماضي، والندم على ما فات من العمر وما ضاع من الفرص!!

وهـكذا نضيّع حاضرنا ونفسده بين الأسى والخوف!!

إنسانيًّا لا بأس من الشعور بالحنين للماضي، وتذكُّر الراحلين بالخير، والترحم عليهـم، والاستمتاع باستعادة أثر الذكريات الحلوة في النفوس، لكن ينبغي ألا يصرفنا ذلك عن حاضرنا؛ فأهـم من التغني بأمجاد الماضي، والتحسر على ذكرياته الضائعة، أن نقوم بتجميل الحاضر، وصنع مآثره الخاصة به؛ لتصبح ذكريات حلوة، وبث الأمل والتفاؤل في النفوس، ونشر الطاقة الإيجابية بين الناس بالابتسامة التي هـي صدقة (كما في الحديث الشريف: تبسمك في وجه أخيك صدقة)، والتحلي بالقيم والأخلاق الحسنة والصفات الحميدة.