هاجس كورونا بين جدل القوة القاهرة والظروف الطارئة

في هذا الوقت الصعب ننطلق بذكر آية عظيمة: {فإنَّ مع العُسر يُسرا، إنَّ مع العُسر يُسرا}، خاصة عندما يكون القائد كـ (أب) لشعبه ووطنه، بكلماته: "بناتي وأبنائي.. لقد تعودتم مني على الصراحة، فإننا نمرُّ بمرحلة صعبة، وإن المرحلة المقبلة أشد صعوبة، لكنني في الوقت ذاته أعلم أننا سنواجه المصاعب بإيماننا بالله، وتوكلنا عليه".. هكذا جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- في حضور القوة.. والصراحة.. والعزم وشحذ الهمم، بكلمات موجزة، غطت الجوانب كافة بكل ما جاء فيها من التعامل مع هذه الجائحة منذ ‏البداية؛ ليطمئن الجميع بأن هذه المرحلة أزمة وستمضي -بإذن الله- بتعاون الجميع، ولتؤكد أن نشر الطمأنينة في ساعة القلق نهج الأنبياء.

وعلى الرغم من الجائحة التي غزت العالم أجمع من فيروس كورونا، وتحوُّله إلى وباء عالمي، وبقدر ما أصبح هاجس تتبُّع دقيق ويومي من قِبل المجتمع الدولي بكل مواقعه ومسؤولياته.. هذا الوباء الذي ألمَّ بالعالم أجمع تأثرت به الأسواق العالمية، بما في ذلك اقتصادات الدول، وأثر في استقرارها؛ وعليه أصبحت الأوبئة الصحية واقعة مادية، لها آثارها السلبية الواضحة، وملامحها على العلاقات القانونية بوجه عام، والعلاقات التعاقدية بوجه خاص.

ولأن العقد شريعة المتعاقدين تنبني محاوره على ثلاث أسس:

الأساس الأول: قانوني، قوامه مبدأ سلطان الإرادة.

والأساس الثاني: أخلاقي، يتمثل في احترام العهود والمواثيق.

والأساس الثالث: ذو طابع اجتماعي واقتصادي، يترجمه وجوب استقرار المعاملات؛ وهو ما يوجب فكرة احترام مضمون العقد، سواء من طرف المتعاقدين، أو من جانب القضاء.

ولأن طبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة، والإجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقًا لتنفيذ العقود، وتقدير مدى اعتبار هذه الإجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وطبيعة الوباء، وموضوع الالتزام، ومدى تأثره بهذه الإجراءات.. من هذا المنطلق، وتأسيسًا على ذلك فقد ثار النقاش والجدل حول نظريتَيْ القوة القاهرة والظروف الطارئة، واعتبار وباء كورونا قوة قاهرة أم ظرفًا طارئًا؟! ومدى إمكانية وقانونية تنفيذ الالتزامات العقدية في ظل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السعودية منذ نشوء هذا الوباء العالمي، والاستفادة منها للتحلل من التزاماتها العقدية وتعديلها، أو التخفيف منها.

فنظرية القوة القاهرة -وفقًا للمعايير المتفق عليها دوليًّا من هيئات التجارة العالمية، ومراكز التحكيم التجاري الدولي- تُعرَّف بأنها: "كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، يجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلاً". أما شروطها التشريعية الرئيسية التي يتم إصباغ القوة القاهرة عليها فهي ثلاثة:

1- عدم التوقُّع، أي أن يكون الحدث غير متوقع.

2- استحالة تنفيذ الالتزام، أي لا يمكن رده.

3- عدم صدور خطأ من الملتزم، أي لا دخل لإرادة المدين المتمسك بالقوة القاهرة.

أما الظروف الطارئة فتُعرَّف بأنها "أي حدث يقع أو يمرُّ على دولة ما، ويتعذر معه مواجهته باتخاذ القرارات الإدارية التقليدية، ويقضي معه اتخاذ قرارات أو إجراءات سريعة لتفادي أو مواجهة الأضرار التي قد تقع من جراء وقوع الحدث الطارئ". وشروط تطبيقها:

1- أن يقع ظرف طارئ وخطير، يهدد سلامة البلاد.

2- أن يتم تناول أحكام الظروف الطارئة في الدستور.

3- أن يتم الإعلان أن ما يمرُّ به البلد هو ظروف طارئة.

4- أن يتم إعلان الإجراءات التي ستتم بها مواجهة الظروف الطارئة.

وبالتالي فالفرق هنا بين النظريتَيْن وفقًا لما هو متفَق عليه، ومتَّخذ به عالميًّا في ظل هذه الظروف الصحية الراهنة بأنهم أمام ما يسمى بالظروف الطارئة، وهي الأعم والأشمل، ويعد القوة القاهرة نفسها، ويختلف أثر كل منهما على تنفيذ الالتزامات المترتبة على التعاقد التي يأتي عليه أمران:

الأول: إذا استحال تنفيذ العقد بناء على الآثار المترتبة على تداعيات هذا الوباء يُطبَّق على الأمر نظرية "القوة القاهرة"، والجزاء فيها هو فسخ العقد، وانقضاء الالتزام، أي لا وجود لأي التزام.

الثاني: يكون فيه تنفيذ الالتزام مرهقًا لأحد الأطراف، أو لكليهما؛ فيطبق على هذا الأمر نظرية "الظروف الطارئة"، ويكون الجزاء هو رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، وتوزيع الخسارة على الطرفين.

وهناك صعوبة على كاهل المدين أن يترتب عليه خسائر فادحة؛ فوفقًا للاتفاقيات الدولية والقواعد الموحدة بالقانون الدولي الخاص أعطى حالتين حال وقوع القوة القاهرة:

الحالة الأولى: التفاوض والاتفاق بين الأطراف على تعديل بنود العقد بما يتماشى مع الظروف والأحداث؛ وعليه يستمر في التنفيذ العقد الدولي.

الحالة الثانية: فشل التفاوض، وعدم الاتفاق، ولا سبيل سوى فسخ العقد، واللجوء إلى القضاء.

من هنا فنحن أمام إشكال قانوني اقتصادي حول اعتبارية وباء كورونا ظرفًا طارئًا أم أحد تطبيقات القوة القاهرة؟! فنجد الدول الاقتصادية الكبرى، كأمريكا والصين، بدأت في تبني حلول باستصدار ما يسمى بشهادات "القوة القاهرة". وهذه تقضي بإبراء الأطراف من مسؤولياتهم التعاقدية التي يصعب الوفاء بها بسبب ظروف استثنائية، تخرج عن نطاق سيطرتهم؛ وهو ما جعل الكثير من المؤسسات والشركات العالمية هناك تطالب بشهادة "القوة القاهرة" من أجل التحلل من التزاماتها التعاقدية، وعدم أداء غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو عن استحالته شريطة تقديم مستندات موثقة لإثبات التأخير أو التعطل.

وبإسقاط ما سبق بيانه يأتي الأمر المؤكد الذي يفرض علينا الوقوف على بعض مداخله الأساسية، ويقتضي منا التعامل مع كل جوانبه وآثاره الأخرى الممكنة والمحتملة بأنه ستصبح دعاوى "القوة القاهرة" معقدة، ومحل خلاف بين الأطراف في وطننا عندما لا تتسبب متغيرات كبرى في التأثير بشكل مباشر على العمل؛ وهو ما يتطلب منا اجتهادًا قضائيًّا، وفكرًا قانونيًّا في تبني حلول لأفكار مماثلة، نستشف منها من الوسائل الحمائية في علاج الحالات التي يصبح فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة)، أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة).. وبين حالات أخرى تشبه القوة القاهرة بظروفها الطارئة؛ وذلك بمقاربة حكيمة، تضمن التوازن العقدي، وتكرس الدور الأساسي للقضاء في تحقيق الأمن القانوني والاجتماعي المنشود.

أعز الله خادم الحرمين ‏الشريفين وولي عهده القوي الأمين، وحفظ الله بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

أحمد الهرماس فيروس كورونا الجديد
اعلان
هاجس كورونا بين جدل القوة القاهرة والظروف الطارئة
سبق

في هذا الوقت الصعب ننطلق بذكر آية عظيمة: {فإنَّ مع العُسر يُسرا، إنَّ مع العُسر يُسرا}، خاصة عندما يكون القائد كـ (أب) لشعبه ووطنه، بكلماته: "بناتي وأبنائي.. لقد تعودتم مني على الصراحة، فإننا نمرُّ بمرحلة صعبة، وإن المرحلة المقبلة أشد صعوبة، لكنني في الوقت ذاته أعلم أننا سنواجه المصاعب بإيماننا بالله، وتوكلنا عليه".. هكذا جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- في حضور القوة.. والصراحة.. والعزم وشحذ الهمم، بكلمات موجزة، غطت الجوانب كافة بكل ما جاء فيها من التعامل مع هذه الجائحة منذ ‏البداية؛ ليطمئن الجميع بأن هذه المرحلة أزمة وستمضي -بإذن الله- بتعاون الجميع، ولتؤكد أن نشر الطمأنينة في ساعة القلق نهج الأنبياء.

وعلى الرغم من الجائحة التي غزت العالم أجمع من فيروس كورونا، وتحوُّله إلى وباء عالمي، وبقدر ما أصبح هاجس تتبُّع دقيق ويومي من قِبل المجتمع الدولي بكل مواقعه ومسؤولياته.. هذا الوباء الذي ألمَّ بالعالم أجمع تأثرت به الأسواق العالمية، بما في ذلك اقتصادات الدول، وأثر في استقرارها؛ وعليه أصبحت الأوبئة الصحية واقعة مادية، لها آثارها السلبية الواضحة، وملامحها على العلاقات القانونية بوجه عام، والعلاقات التعاقدية بوجه خاص.

ولأن العقد شريعة المتعاقدين تنبني محاوره على ثلاث أسس:

الأساس الأول: قانوني، قوامه مبدأ سلطان الإرادة.

والأساس الثاني: أخلاقي، يتمثل في احترام العهود والمواثيق.

والأساس الثالث: ذو طابع اجتماعي واقتصادي، يترجمه وجوب استقرار المعاملات؛ وهو ما يوجب فكرة احترام مضمون العقد، سواء من طرف المتعاقدين، أو من جانب القضاء.

ولأن طبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة، والإجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقًا لتنفيذ العقود، وتقدير مدى اعتبار هذه الإجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وطبيعة الوباء، وموضوع الالتزام، ومدى تأثره بهذه الإجراءات.. من هذا المنطلق، وتأسيسًا على ذلك فقد ثار النقاش والجدل حول نظريتَيْ القوة القاهرة والظروف الطارئة، واعتبار وباء كورونا قوة قاهرة أم ظرفًا طارئًا؟! ومدى إمكانية وقانونية تنفيذ الالتزامات العقدية في ظل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السعودية منذ نشوء هذا الوباء العالمي، والاستفادة منها للتحلل من التزاماتها العقدية وتعديلها، أو التخفيف منها.

فنظرية القوة القاهرة -وفقًا للمعايير المتفق عليها دوليًّا من هيئات التجارة العالمية، ومراكز التحكيم التجاري الدولي- تُعرَّف بأنها: "كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، يجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلاً". أما شروطها التشريعية الرئيسية التي يتم إصباغ القوة القاهرة عليها فهي ثلاثة:

1- عدم التوقُّع، أي أن يكون الحدث غير متوقع.

2- استحالة تنفيذ الالتزام، أي لا يمكن رده.

3- عدم صدور خطأ من الملتزم، أي لا دخل لإرادة المدين المتمسك بالقوة القاهرة.

أما الظروف الطارئة فتُعرَّف بأنها "أي حدث يقع أو يمرُّ على دولة ما، ويتعذر معه مواجهته باتخاذ القرارات الإدارية التقليدية، ويقضي معه اتخاذ قرارات أو إجراءات سريعة لتفادي أو مواجهة الأضرار التي قد تقع من جراء وقوع الحدث الطارئ". وشروط تطبيقها:

1- أن يقع ظرف طارئ وخطير، يهدد سلامة البلاد.

2- أن يتم تناول أحكام الظروف الطارئة في الدستور.

3- أن يتم الإعلان أن ما يمرُّ به البلد هو ظروف طارئة.

4- أن يتم إعلان الإجراءات التي ستتم بها مواجهة الظروف الطارئة.

وبالتالي فالفرق هنا بين النظريتَيْن وفقًا لما هو متفَق عليه، ومتَّخذ به عالميًّا في ظل هذه الظروف الصحية الراهنة بأنهم أمام ما يسمى بالظروف الطارئة، وهي الأعم والأشمل، ويعد القوة القاهرة نفسها، ويختلف أثر كل منهما على تنفيذ الالتزامات المترتبة على التعاقد التي يأتي عليه أمران:

الأول: إذا استحال تنفيذ العقد بناء على الآثار المترتبة على تداعيات هذا الوباء يُطبَّق على الأمر نظرية "القوة القاهرة"، والجزاء فيها هو فسخ العقد، وانقضاء الالتزام، أي لا وجود لأي التزام.

الثاني: يكون فيه تنفيذ الالتزام مرهقًا لأحد الأطراف، أو لكليهما؛ فيطبق على هذا الأمر نظرية "الظروف الطارئة"، ويكون الجزاء هو رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، وتوزيع الخسارة على الطرفين.

وهناك صعوبة على كاهل المدين أن يترتب عليه خسائر فادحة؛ فوفقًا للاتفاقيات الدولية والقواعد الموحدة بالقانون الدولي الخاص أعطى حالتين حال وقوع القوة القاهرة:

الحالة الأولى: التفاوض والاتفاق بين الأطراف على تعديل بنود العقد بما يتماشى مع الظروف والأحداث؛ وعليه يستمر في التنفيذ العقد الدولي.

الحالة الثانية: فشل التفاوض، وعدم الاتفاق، ولا سبيل سوى فسخ العقد، واللجوء إلى القضاء.

من هنا فنحن أمام إشكال قانوني اقتصادي حول اعتبارية وباء كورونا ظرفًا طارئًا أم أحد تطبيقات القوة القاهرة؟! فنجد الدول الاقتصادية الكبرى، كأمريكا والصين، بدأت في تبني حلول باستصدار ما يسمى بشهادات "القوة القاهرة". وهذه تقضي بإبراء الأطراف من مسؤولياتهم التعاقدية التي يصعب الوفاء بها بسبب ظروف استثنائية، تخرج عن نطاق سيطرتهم؛ وهو ما جعل الكثير من المؤسسات والشركات العالمية هناك تطالب بشهادة "القوة القاهرة" من أجل التحلل من التزاماتها التعاقدية، وعدم أداء غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو عن استحالته شريطة تقديم مستندات موثقة لإثبات التأخير أو التعطل.

وبإسقاط ما سبق بيانه يأتي الأمر المؤكد الذي يفرض علينا الوقوف على بعض مداخله الأساسية، ويقتضي منا التعامل مع كل جوانبه وآثاره الأخرى الممكنة والمحتملة بأنه ستصبح دعاوى "القوة القاهرة" معقدة، ومحل خلاف بين الأطراف في وطننا عندما لا تتسبب متغيرات كبرى في التأثير بشكل مباشر على العمل؛ وهو ما يتطلب منا اجتهادًا قضائيًّا، وفكرًا قانونيًّا في تبني حلول لأفكار مماثلة، نستشف منها من الوسائل الحمائية في علاج الحالات التي يصبح فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة)، أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة).. وبين حالات أخرى تشبه القوة القاهرة بظروفها الطارئة؛ وذلك بمقاربة حكيمة، تضمن التوازن العقدي، وتكرس الدور الأساسي للقضاء في تحقيق الأمن القانوني والاجتماعي المنشود.

أعز الله خادم الحرمين ‏الشريفين وولي عهده القوي الأمين، وحفظ الله بلادنا وسائر بلاد المسلمين.

20 مارس 2020 - 25 رجب 1441
08:44 PM

هاجس كورونا بين جدل القوة القاهرة والظروف الطارئة

أحمد الهرماس - الرياض
A A A
0
2,336

في هذا الوقت الصعب ننطلق بذكر آية عظيمة: {فإنَّ مع العُسر يُسرا، إنَّ مع العُسر يُسرا}، خاصة عندما يكون القائد كـ (أب) لشعبه ووطنه، بكلماته: "بناتي وأبنائي.. لقد تعودتم مني على الصراحة، فإننا نمرُّ بمرحلة صعبة، وإن المرحلة المقبلة أشد صعوبة، لكنني في الوقت ذاته أعلم أننا سنواجه المصاعب بإيماننا بالله، وتوكلنا عليه".. هكذا جاءت كلمة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود -حفظه الله ورعاه- في حضور القوة.. والصراحة.. والعزم وشحذ الهمم، بكلمات موجزة، غطت الجوانب كافة بكل ما جاء فيها من التعامل مع هذه الجائحة منذ ‏البداية؛ ليطمئن الجميع بأن هذه المرحلة أزمة وستمضي -بإذن الله- بتعاون الجميع، ولتؤكد أن نشر الطمأنينة في ساعة القلق نهج الأنبياء.

وعلى الرغم من الجائحة التي غزت العالم أجمع من فيروس كورونا، وتحوُّله إلى وباء عالمي، وبقدر ما أصبح هاجس تتبُّع دقيق ويومي من قِبل المجتمع الدولي بكل مواقعه ومسؤولياته.. هذا الوباء الذي ألمَّ بالعالم أجمع تأثرت به الأسواق العالمية، بما في ذلك اقتصادات الدول، وأثر في استقرارها؛ وعليه أصبحت الأوبئة الصحية واقعة مادية، لها آثارها السلبية الواضحة، وملامحها على العلاقات القانونية بوجه عام، والعلاقات التعاقدية بوجه خاص.

ولأن العقد شريعة المتعاقدين تنبني محاوره على ثلاث أسس:

الأساس الأول: قانوني، قوامه مبدأ سلطان الإرادة.

والأساس الثاني: أخلاقي، يتمثل في احترام العهود والمواثيق.

والأساس الثالث: ذو طابع اجتماعي واقتصادي، يترجمه وجوب استقرار المعاملات؛ وهو ما يوجب فكرة احترام مضمون العقد، سواء من طرف المتعاقدين، أو من جانب القضاء.

ولأن طبيعة العقد التجاري الدولي أطرافه من دول مختلفة، والإجراءات التي تتخذها كل دولة بشأن الحد من انتشار فيروس كورونا الجديد تجعله عائقًا لتنفيذ العقود، وتقدير مدى اعتبار هذه الإجراءات قوة قاهرة من عدمه يتوقف على طبيعة هذه الإجراءات التي اتخذتها الدولة، وطبيعة الوباء، وموضوع الالتزام، ومدى تأثره بهذه الإجراءات.. من هذا المنطلق، وتأسيسًا على ذلك فقد ثار النقاش والجدل حول نظريتَيْ القوة القاهرة والظروف الطارئة، واعتبار وباء كورونا قوة قاهرة أم ظرفًا طارئًا؟! ومدى إمكانية وقانونية تنفيذ الالتزامات العقدية في ظل الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها السعودية منذ نشوء هذا الوباء العالمي، والاستفادة منها للتحلل من التزاماتها العقدية وتعديلها، أو التخفيف منها.

فنظرية القوة القاهرة -وفقًا للمعايير المتفق عليها دوليًّا من هيئات التجارة العالمية، ومراكز التحكيم التجاري الدولي- تُعرَّف بأنها: "كل أمر لا يستطيع الإنسان أن يتوقعه، يجعل من تنفيذ الالتزام مستحيلاً". أما شروطها التشريعية الرئيسية التي يتم إصباغ القوة القاهرة عليها فهي ثلاثة:

1- عدم التوقُّع، أي أن يكون الحدث غير متوقع.

2- استحالة تنفيذ الالتزام، أي لا يمكن رده.

3- عدم صدور خطأ من الملتزم، أي لا دخل لإرادة المدين المتمسك بالقوة القاهرة.

أما الظروف الطارئة فتُعرَّف بأنها "أي حدث يقع أو يمرُّ على دولة ما، ويتعذر معه مواجهته باتخاذ القرارات الإدارية التقليدية، ويقضي معه اتخاذ قرارات أو إجراءات سريعة لتفادي أو مواجهة الأضرار التي قد تقع من جراء وقوع الحدث الطارئ". وشروط تطبيقها:

1- أن يقع ظرف طارئ وخطير، يهدد سلامة البلاد.

2- أن يتم تناول أحكام الظروف الطارئة في الدستور.

3- أن يتم الإعلان أن ما يمرُّ به البلد هو ظروف طارئة.

4- أن يتم إعلان الإجراءات التي ستتم بها مواجهة الظروف الطارئة.

وبالتالي فالفرق هنا بين النظريتَيْن وفقًا لما هو متفَق عليه، ومتَّخذ به عالميًّا في ظل هذه الظروف الصحية الراهنة بأنهم أمام ما يسمى بالظروف الطارئة، وهي الأعم والأشمل، ويعد القوة القاهرة نفسها، ويختلف أثر كل منهما على تنفيذ الالتزامات المترتبة على التعاقد التي يأتي عليه أمران:

الأول: إذا استحال تنفيذ العقد بناء على الآثار المترتبة على تداعيات هذا الوباء يُطبَّق على الأمر نظرية "القوة القاهرة"، والجزاء فيها هو فسخ العقد، وانقضاء الالتزام، أي لا وجود لأي التزام.

الثاني: يكون فيه تنفيذ الالتزام مرهقًا لأحد الأطراف، أو لكليهما؛ فيطبق على هذا الأمر نظرية "الظروف الطارئة"، ويكون الجزاء هو رد الالتزام المرهق إلى الحد المعقول، وتوزيع الخسارة على الطرفين.

وهناك صعوبة على كاهل المدين أن يترتب عليه خسائر فادحة؛ فوفقًا للاتفاقيات الدولية والقواعد الموحدة بالقانون الدولي الخاص أعطى حالتين حال وقوع القوة القاهرة:

الحالة الأولى: التفاوض والاتفاق بين الأطراف على تعديل بنود العقد بما يتماشى مع الظروف والأحداث؛ وعليه يستمر في التنفيذ العقد الدولي.

الحالة الثانية: فشل التفاوض، وعدم الاتفاق، ولا سبيل سوى فسخ العقد، واللجوء إلى القضاء.

من هنا فنحن أمام إشكال قانوني اقتصادي حول اعتبارية وباء كورونا ظرفًا طارئًا أم أحد تطبيقات القوة القاهرة؟! فنجد الدول الاقتصادية الكبرى، كأمريكا والصين، بدأت في تبني حلول باستصدار ما يسمى بشهادات "القوة القاهرة". وهذه تقضي بإبراء الأطراف من مسؤولياتهم التعاقدية التي يصعب الوفاء بها بسبب ظروف استثنائية، تخرج عن نطاق سيطرتهم؛ وهو ما جعل الكثير من المؤسسات والشركات العالمية هناك تطالب بشهادة "القوة القاهرة" من أجل التحلل من التزاماتها التعاقدية، وعدم أداء غرامات التأخير أو التعويض عن التأخير في التنفيذ أو عن استحالته شريطة تقديم مستندات موثقة لإثبات التأخير أو التعطل.

وبإسقاط ما سبق بيانه يأتي الأمر المؤكد الذي يفرض علينا الوقوف على بعض مداخله الأساسية، ويقتضي منا التعامل مع كل جوانبه وآثاره الأخرى الممكنة والمحتملة بأنه ستصبح دعاوى "القوة القاهرة" معقدة، ومحل خلاف بين الأطراف في وطننا عندما لا تتسبب متغيرات كبرى في التأثير بشكل مباشر على العمل؛ وهو ما يتطلب منا اجتهادًا قضائيًّا، وفكرًا قانونيًّا في تبني حلول لأفكار مماثلة، نستشف منها من الوسائل الحمائية في علاج الحالات التي يصبح فيها الالتزام التعاقدي مستحيل التنفيذ (القوة القاهرة)، أو صعب التنفيذ (الظروف الطارئة).. وبين حالات أخرى تشبه القوة القاهرة بظروفها الطارئة؛ وذلك بمقاربة حكيمة، تضمن التوازن العقدي، وتكرس الدور الأساسي للقضاء في تحقيق الأمن القانوني والاجتماعي المنشود.

أعز الله خادم الحرمين ‏الشريفين وولي عهده القوي الأمين، وحفظ الله بلادنا وسائر بلاد المسلمين.