إيجابيات حريق قطار الحرمين

لا يمكن وصف الحريق الذي طال سقف محطة قطار الحرمين في السليمانية بجدة سوى بأنه هدر للمال العام، كما أنه يمثل حالة مخيفة ومقلقة من التهاون والتراخي في التعامل مع مشاريع الدولة، وأعني بذلك إلزام الشركات المنفذة بكل البنود المتفق عليها.

ليس خافيا علينا جميعًا أن مشروع قطار الحرمين الشريفين هو من أكبر المشاريع التنموية الحديثة، التي تقدم خدمات جليلة لزوار بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لم تبخل السعودية مطلقًا في الإنفاق عليه؛ فخصصت له ميزانية إجمالية، تصل إلى 63 مليار ريال، حتى يكون نموذجيًّا في كل مواصفاته وتفاصيله الفنية؛ فالقطار يقطع المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال 120 دقيقة فقط، مرورًا بمحافظة جدة، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بطول 450 كم. وطاقة المشروع الاستيعابية 60 مليون مسافر سنويًّا. والقطار يعد أسرع وأول قطار من نوعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. فهل يُعقل بعد كل هذا الصرف السخي أن يشب حريق في سقف المحطة، وينتشر كيفما يحلو له متسلحًا بعدم وجود عوامل سلامة ولو فاسدة؟!

لا أحب أن أستبق الأحداث، أو الحكم على الأشياء قبل الأوان؛ فأنا أعلم أن هناك لجنة مشكَّلة من جهات عدة تحت إشراف إمارة مكة المكرمة، تتولى التحقيق في أسباب الحريق للوصول إلى مَن تقع عليه المسؤولية، ولكن دعونا نستثمر إيجابيات هذا الحريق، والاستفادة منه في تلافي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً؛ فالحريق في حد ذاته بمنزلة جريمة، لها فاعل مستتر حتى اللحظة، ويومًا ما سيتم الكشف عن هذا الفاعل، وسينال عقابه وفق الأنظمة المعمول بها. وهذا لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، وإنما لا بد أن يكون هدفنا الرئيس عدم تكرار هذا الخطأ مرة ثانية؛ فالدولة ـ أعزها الله ـ مُقبلة على مشاريع عملاقة بمئات المليارات، ضمن مستهدفات رؤية 2030. هذه المشاريع سيتابعها العالم بأكمله؛ ليرى كيف تحول السعودية بوصلة اقتصادها من "النفط" إلى قطاعات اقتصادية واستثمارية جديدة، مثل السياحة والترفيه. ومثل هذه المشاريع لا مجال للخطأ فيها، أو التهاون في مواصفاتها الفنية، كما حصل في مشروع قطار الحرمين. ونحمد الله أن الحريق طال سقف الطابق الثاني فقط؛ ليفتح أعيننا على ما قد خفي علينا من أمور وإجراءات.

أعود وأكرر أن التعامل مع المشاريع التنموية للدولة يحتاج إلى متخصصين قادرين على اختيار الشركات القادرة على التصميم والتنفيذ وفق المواصفات المحددة، وقادرة أيضًا على تقييم أداء هذه الشركات فترة بعد أخرى لتصحيح مسارها إذا لزم الأمر؛ فالجهات المراقبة والمشرفة لا تقل أهمية عن الجهات المنفذة؛ إذ يجب أن يكون الجميع على قدر المسؤولية. والاعتقاد بأن الشركات المنفذة على أرض الواقع هي الأهم هو اعتقاد خاطئ، قد ندفع ثمنه إذا لم تكن هناك جهات تراقب وتقيّم وتعاقب.

اعلان
إيجابيات حريق قطار الحرمين
سبق

لا يمكن وصف الحريق الذي طال سقف محطة قطار الحرمين في السليمانية بجدة سوى بأنه هدر للمال العام، كما أنه يمثل حالة مخيفة ومقلقة من التهاون والتراخي في التعامل مع مشاريع الدولة، وأعني بذلك إلزام الشركات المنفذة بكل البنود المتفق عليها.

ليس خافيا علينا جميعًا أن مشروع قطار الحرمين الشريفين هو من أكبر المشاريع التنموية الحديثة، التي تقدم خدمات جليلة لزوار بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لم تبخل السعودية مطلقًا في الإنفاق عليه؛ فخصصت له ميزانية إجمالية، تصل إلى 63 مليار ريال، حتى يكون نموذجيًّا في كل مواصفاته وتفاصيله الفنية؛ فالقطار يقطع المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال 120 دقيقة فقط، مرورًا بمحافظة جدة، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بطول 450 كم. وطاقة المشروع الاستيعابية 60 مليون مسافر سنويًّا. والقطار يعد أسرع وأول قطار من نوعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. فهل يُعقل بعد كل هذا الصرف السخي أن يشب حريق في سقف المحطة، وينتشر كيفما يحلو له متسلحًا بعدم وجود عوامل سلامة ولو فاسدة؟!

لا أحب أن أستبق الأحداث، أو الحكم على الأشياء قبل الأوان؛ فأنا أعلم أن هناك لجنة مشكَّلة من جهات عدة تحت إشراف إمارة مكة المكرمة، تتولى التحقيق في أسباب الحريق للوصول إلى مَن تقع عليه المسؤولية، ولكن دعونا نستثمر إيجابيات هذا الحريق، والاستفادة منه في تلافي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً؛ فالحريق في حد ذاته بمنزلة جريمة، لها فاعل مستتر حتى اللحظة، ويومًا ما سيتم الكشف عن هذا الفاعل، وسينال عقابه وفق الأنظمة المعمول بها. وهذا لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، وإنما لا بد أن يكون هدفنا الرئيس عدم تكرار هذا الخطأ مرة ثانية؛ فالدولة ـ أعزها الله ـ مُقبلة على مشاريع عملاقة بمئات المليارات، ضمن مستهدفات رؤية 2030. هذه المشاريع سيتابعها العالم بأكمله؛ ليرى كيف تحول السعودية بوصلة اقتصادها من "النفط" إلى قطاعات اقتصادية واستثمارية جديدة، مثل السياحة والترفيه. ومثل هذه المشاريع لا مجال للخطأ فيها، أو التهاون في مواصفاتها الفنية، كما حصل في مشروع قطار الحرمين. ونحمد الله أن الحريق طال سقف الطابق الثاني فقط؛ ليفتح أعيننا على ما قد خفي علينا من أمور وإجراءات.

أعود وأكرر أن التعامل مع المشاريع التنموية للدولة يحتاج إلى متخصصين قادرين على اختيار الشركات القادرة على التصميم والتنفيذ وفق المواصفات المحددة، وقادرة أيضًا على تقييم أداء هذه الشركات فترة بعد أخرى لتصحيح مسارها إذا لزم الأمر؛ فالجهات المراقبة والمشرفة لا تقل أهمية عن الجهات المنفذة؛ إذ يجب أن يكون الجميع على قدر المسؤولية. والاعتقاد بأن الشركات المنفذة على أرض الواقع هي الأهم هو اعتقاد خاطئ، قد ندفع ثمنه إذا لم تكن هناك جهات تراقب وتقيّم وتعاقب.

04 أكتوبر 2019 - 5 صفر 1441
08:46 PM

إيجابيات حريق قطار الحرمين

ماجد البريكان - الرياض
A A A
2
3,736

لا يمكن وصف الحريق الذي طال سقف محطة قطار الحرمين في السليمانية بجدة سوى بأنه هدر للمال العام، كما أنه يمثل حالة مخيفة ومقلقة من التهاون والتراخي في التعامل مع مشاريع الدولة، وأعني بذلك إلزام الشركات المنفذة بكل البنود المتفق عليها.

ليس خافيا علينا جميعًا أن مشروع قطار الحرمين الشريفين هو من أكبر المشاريع التنموية الحديثة، التي تقدم خدمات جليلة لزوار بيت الله الحرام ومسجد رسوله صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك لم تبخل السعودية مطلقًا في الإنفاق عليه؛ فخصصت له ميزانية إجمالية، تصل إلى 63 مليار ريال، حتى يكون نموذجيًّا في كل مواصفاته وتفاصيله الفنية؛ فالقطار يقطع المسافة بين مكة المكرمة والمدينة المنورة خلال 120 دقيقة فقط، مرورًا بمحافظة جدة، ومدينة الملك عبدالله الاقتصادية، بطول 450 كم. وطاقة المشروع الاستيعابية 60 مليون مسافر سنويًّا. والقطار يعد أسرع وأول قطار من نوعه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.. فهل يُعقل بعد كل هذا الصرف السخي أن يشب حريق في سقف المحطة، وينتشر كيفما يحلو له متسلحًا بعدم وجود عوامل سلامة ولو فاسدة؟!

لا أحب أن أستبق الأحداث، أو الحكم على الأشياء قبل الأوان؛ فأنا أعلم أن هناك لجنة مشكَّلة من جهات عدة تحت إشراف إمارة مكة المكرمة، تتولى التحقيق في أسباب الحريق للوصول إلى مَن تقع عليه المسؤولية، ولكن دعونا نستثمر إيجابيات هذا الحريق، والاستفادة منه في تلافي مثل هذه الأخطاء مستقبلاً؛ فالحريق في حد ذاته بمنزلة جريمة، لها فاعل مستتر حتى اللحظة، ويومًا ما سيتم الكشف عن هذا الفاعل، وسينال عقابه وفق الأنظمة المعمول بها. وهذا لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، وإنما لا بد أن يكون هدفنا الرئيس عدم تكرار هذا الخطأ مرة ثانية؛ فالدولة ـ أعزها الله ـ مُقبلة على مشاريع عملاقة بمئات المليارات، ضمن مستهدفات رؤية 2030. هذه المشاريع سيتابعها العالم بأكمله؛ ليرى كيف تحول السعودية بوصلة اقتصادها من "النفط" إلى قطاعات اقتصادية واستثمارية جديدة، مثل السياحة والترفيه. ومثل هذه المشاريع لا مجال للخطأ فيها، أو التهاون في مواصفاتها الفنية، كما حصل في مشروع قطار الحرمين. ونحمد الله أن الحريق طال سقف الطابق الثاني فقط؛ ليفتح أعيننا على ما قد خفي علينا من أمور وإجراءات.

أعود وأكرر أن التعامل مع المشاريع التنموية للدولة يحتاج إلى متخصصين قادرين على اختيار الشركات القادرة على التصميم والتنفيذ وفق المواصفات المحددة، وقادرة أيضًا على تقييم أداء هذه الشركات فترة بعد أخرى لتصحيح مسارها إذا لزم الأمر؛ فالجهات المراقبة والمشرفة لا تقل أهمية عن الجهات المنفذة؛ إذ يجب أن يكون الجميع على قدر المسؤولية. والاعتقاد بأن الشركات المنفذة على أرض الواقع هي الأهم هو اعتقاد خاطئ، قد ندفع ثمنه إذا لم تكن هناك جهات تراقب وتقيّم وتعاقب.