وقع حوافر الخيل في العلا.. يعيد التاريخ من جديد

بعد إطلاق النسخة الثانية من كأس خادم الحرمين للقدرة والتحمل 2020

منذ نحو 4 آلاف عام، هنا في صحراء شبه الجزيرة العربية، بدأت علاقة فريدة تتوطد بين سكان المنطقة والخيول العربية الأصيلة، فحتى ذلك الحين كان العرب يعتمدون على الإبل للتنقل والترحال، أما بعد أن استأنسوا الخيل هناك، وحدثت نقلة نوعية فريدة في حياتهم، حيث قربت المسافات، وزادت حركة التجارة، وأصبحوا قادرين على حماية أنفسهم من الأعداء، بالإضافة إلى العديد من الفوائد التي جناها أهل الصحراء جراء هذه العلاقة الفريدة.

وتميزت تلك العلاقة بين الخيل والإنسان بطابع خاص، فقد اعتبر اقتناء الخيل والاهتمام بها مظهراً من مظاهر القوة والجاه والسلطان، وفي السابق لم يكن ترويض الخيل ممكناً، حتى ابتكر الإنسان بعض الأدوات لذلك، وكان في البداية يركب الخيل عارية الظهر ولم يستخدم السرج ولا اللجام إلا مع الحصان العربي الأصيل.

أما دور الحصان فلم يختلف كثيراً عبر التاريخ، وإن انحصر الآن في المسابقات المحلية والدولية، التي تبرز قوة الحصان، ومهارة مدربه، وبقي امتلاكه كما كان من قبل دلالة على الجاه والقوة.

وقد أدركت الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي التاريخي العريق، فأطلقت هذا العام النسخة الثانية من كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل 2020، ضمن فعاليات مهرجان شتاء طنطورة الذي يلقى إقبالاً منقطع النظير من داخل وخارج المملكة العربية السعودية، حيث تلتقي هيبة هذا السباق وقيم المثابرة والالتزام التي تميّز هذه الرياضة، مع البيئة المذهلة لوادي العلا، لتبثّ الحياة في كل من هذه المثل العليا، في غرة فبراير المقبل.

ويغطي السباق من فئة النجمتين والمعترف به من قبل الاتحاد الدولي للفروسية مسافة 120 كلم على مدى أربع حلقات، تمتد عبر صحراء وجبال العلا الساحرة لتلتقي هيبة هذا السباق مع البيئة المذهلة لوادي العلا، ويسلط السباق الضوء على جهود الهيئة الملكية لمحافظة العلا في الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي العريق للمملكة العربية السعودية.

وفي كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل لهذا العام، تشارك مجموعة من أفضل الفرسان من حول العالم يصل عددهم إلى 200 فارس وفارسة، بحسب قواعد الاتحاد الدولي لرياضات الفروسية، كما يصل عدد الخيول المشاركة إلى 204 من 17 دولة م حول العالم هي: السعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن ومصر وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والصين وباكستان والبرتغال وسلوفاكيا والسودان وتونس والأوروغواي.

وسيخصّص كأس خادم الحرمين الشريفين لسباق القدرة والتحمّل جوائز نقدية بقيمة 15 مليون ريال سعودي للفائزين والتي تعدّ واحدة من أعلى القيم لهذا النوع من السباقات في العالم.

وهناك أمور أساسية يجب على المهتمين بسباقات القدرة والتحمّل معرفتها، فهذا النوع من السباقات يشبه إلى حد كبير الماراثونات، فهي تتطلّب قدرات جسدية وعقلية للخيول والفرسان، وتتحدّى ذروة قدراتهم.

وخلال السباق يجب على المتسابقين التوقّف عند نقاط منتظمة على المسار من أجل اجتياز الفحص البيطري، ويطلب استكمال سجل الفحص البيطري لإنهاء السباق، ومن الضروري أن يعمل الفرسان بالشراكة مع خيولهم لتحقيق النجاح في سباقات القدرة والتحمّل.

أمّا الفائز في السباق فهو أول مَن يجتاز خط النهاية ويحصل حصانه على تقييم "الحالة الملائمة" من قِبل الطبيب البيطري، ومع ذلك، فمن المعروف في مجتمع الفروسية بأن مجرد "إنهاء السباق يعني الفوز" في سباقات القدرة والتحمّل.

وعلى الرغم من أهمية الوقت في هذه السباقات، إلا أن التركيز ينصبّ على إنهاء الحصان للسباق في أفضل حالة صحية ممكنة له، لذلك يعدّ الاستعداد للسباق أمراً أساسياً.

ولعلاقة العرب بالخيل عمق فريد، حيث تزخر كتب الأدب والتاريخ بقصص تعطي فكرة كبيرة عن أبعاد تلك العلاقة التي انعكست شعراً ونثراً في بطون الكتب، فدونت تراث العرب وأدبهم، ومنها معلقة امرئ القيس التي يصف فيها فرسه وصفاً سينمائياً مبهراً: "مِكَرٍ مِفَرٍ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعَاً، كجُلمُودِ صَخْرٍ حَطّهُ السَّيلُ مِنْ عَلٍ".

أما على الصعيد الديني، فذكر الخيل في السيرة النبوية والقرآن الكريم في عدة مواضع، ومنها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يومِ القيامة".

لقد أحب العرب الخيل حبهم أولادهم، ولعبت الدور الأهم في حياتهم، ودعوا إلى حبها، ونرى ذلك جلياً في أبيات نُسِبت إلى عبدالله بن عباس، قال فيها:

أحِبّوا الخيلَ واصطَبروا عليها ... فإن العز فيها والجَمَالا

إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ضممناها فشاركت العيالا

نقاسِمها المعيشةَ كلَّ يوم ... ونلبِسها البراقعَ والجِلالا

وتعدّ الخيول العربية الأصيلة، الخيول المفضّلة في سباقات القدرة والتحمّل بسبب قوّتها وطلاقة حركتها وقدرتها على التحمّل، وتتميز بمواصفات جمالية وبدنية فريدة، جعلتها ترتقي عرش الخيول في العالم، فازداد الطلب على اقتنائها من جميع أرجاء العالم، ومن المواصفات الجمالية الرئيسية هي المعالم الواضحة للجبهة، والظهر المستقيم، والذيل الطويل والكثيف. كما تتميز بفتحات الأنف الكبيرة، مما يزيد فرصتها للحصول على المزيد من الهواء، والرئتان الكبيرتان لتنفس أفضل، والصبر والقدرة على الجري لمسافات طويلة دون تعب، بالإضافة إلى هدوء الخيل العربي الأصيل في المعارك، الأمر الذي كان يساعد فرسان العرب في الدفاع عن أنفسهم ضد الهجمات المفاجئة.

كما استخدم قياصرة وملوك ورؤساء أوروبا، الخيل العربي الأصيل وعشقوه في القرن الـ19، حيث كان الخيل العربي الأصيل يهدى إلى كبار الملوك والرؤساء والقياصرة؛ تقديراً لهم، ومنذ ذلك الوقت، نرى مشاركة الخيول العربية الأصيلة في جميع سباقات وبطولات أوروبا.

أما قصة العلا مع الخيل العربي الأصيل فهي قصة طبيعية، حيث شكلت منطقة العلا محطة مهمة للقوافل التجارية بين الهند وشمال الجزيرة العربية، فازدهرت الحياة فيها وعاصرت العديد من الممالك والدول، ويمكن مشاهدة النقوش والرسومات على أطراف الجبال التي تتغنى بالخيل العربي الأصيل.

واختارت الهيئة الملكية موقع كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل بمحاذاة تلك النقوش لتضع الفرسان ورواد السباق أجواء عراقة ماضينا العربي الأصيل، ولتعود بالخيول العربية الأصيلة للمشاركة إلى بيئتها الطبيعية التي عاشت فيها منذ آلاف السنين.

فالفروسية ليست جديدة على العلا، فمنها بدأت تلك العلاقة الفريدة بين الإنسان والخيل، وانتشرت إلى جميع أصقاع الأرض، لتعبر عن أصالة قاطنيها وتنير العالم بموروثنا العربي، وثقافتنا التي تعود إلى آلاف السنين، ولتشكل قاعدة أساسية للانطلاق إلى مستقبل مزدهر وحالم، بثبات وثقة كوقع حوافر الخيل على أرض السباق.

مهرجان شتاء طنطورة العلا كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل 2020
اعلان
وقع حوافر الخيل في العلا.. يعيد التاريخ من جديد
سبق

منذ نحو 4 آلاف عام، هنا في صحراء شبه الجزيرة العربية، بدأت علاقة فريدة تتوطد بين سكان المنطقة والخيول العربية الأصيلة، فحتى ذلك الحين كان العرب يعتمدون على الإبل للتنقل والترحال، أما بعد أن استأنسوا الخيل هناك، وحدثت نقلة نوعية فريدة في حياتهم، حيث قربت المسافات، وزادت حركة التجارة، وأصبحوا قادرين على حماية أنفسهم من الأعداء، بالإضافة إلى العديد من الفوائد التي جناها أهل الصحراء جراء هذه العلاقة الفريدة.

وتميزت تلك العلاقة بين الخيل والإنسان بطابع خاص، فقد اعتبر اقتناء الخيل والاهتمام بها مظهراً من مظاهر القوة والجاه والسلطان، وفي السابق لم يكن ترويض الخيل ممكناً، حتى ابتكر الإنسان بعض الأدوات لذلك، وكان في البداية يركب الخيل عارية الظهر ولم يستخدم السرج ولا اللجام إلا مع الحصان العربي الأصيل.

أما دور الحصان فلم يختلف كثيراً عبر التاريخ، وإن انحصر الآن في المسابقات المحلية والدولية، التي تبرز قوة الحصان، ومهارة مدربه، وبقي امتلاكه كما كان من قبل دلالة على الجاه والقوة.

وقد أدركت الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي التاريخي العريق، فأطلقت هذا العام النسخة الثانية من كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل 2020، ضمن فعاليات مهرجان شتاء طنطورة الذي يلقى إقبالاً منقطع النظير من داخل وخارج المملكة العربية السعودية، حيث تلتقي هيبة هذا السباق وقيم المثابرة والالتزام التي تميّز هذه الرياضة، مع البيئة المذهلة لوادي العلا، لتبثّ الحياة في كل من هذه المثل العليا، في غرة فبراير المقبل.

ويغطي السباق من فئة النجمتين والمعترف به من قبل الاتحاد الدولي للفروسية مسافة 120 كلم على مدى أربع حلقات، تمتد عبر صحراء وجبال العلا الساحرة لتلتقي هيبة هذا السباق مع البيئة المذهلة لوادي العلا، ويسلط السباق الضوء على جهود الهيئة الملكية لمحافظة العلا في الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي العريق للمملكة العربية السعودية.

وفي كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل لهذا العام، تشارك مجموعة من أفضل الفرسان من حول العالم يصل عددهم إلى 200 فارس وفارسة، بحسب قواعد الاتحاد الدولي لرياضات الفروسية، كما يصل عدد الخيول المشاركة إلى 204 من 17 دولة م حول العالم هي: السعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن ومصر وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والصين وباكستان والبرتغال وسلوفاكيا والسودان وتونس والأوروغواي.

وسيخصّص كأس خادم الحرمين الشريفين لسباق القدرة والتحمّل جوائز نقدية بقيمة 15 مليون ريال سعودي للفائزين والتي تعدّ واحدة من أعلى القيم لهذا النوع من السباقات في العالم.

وهناك أمور أساسية يجب على المهتمين بسباقات القدرة والتحمّل معرفتها، فهذا النوع من السباقات يشبه إلى حد كبير الماراثونات، فهي تتطلّب قدرات جسدية وعقلية للخيول والفرسان، وتتحدّى ذروة قدراتهم.

وخلال السباق يجب على المتسابقين التوقّف عند نقاط منتظمة على المسار من أجل اجتياز الفحص البيطري، ويطلب استكمال سجل الفحص البيطري لإنهاء السباق، ومن الضروري أن يعمل الفرسان بالشراكة مع خيولهم لتحقيق النجاح في سباقات القدرة والتحمّل.

أمّا الفائز في السباق فهو أول مَن يجتاز خط النهاية ويحصل حصانه على تقييم "الحالة الملائمة" من قِبل الطبيب البيطري، ومع ذلك، فمن المعروف في مجتمع الفروسية بأن مجرد "إنهاء السباق يعني الفوز" في سباقات القدرة والتحمّل.

وعلى الرغم من أهمية الوقت في هذه السباقات، إلا أن التركيز ينصبّ على إنهاء الحصان للسباق في أفضل حالة صحية ممكنة له، لذلك يعدّ الاستعداد للسباق أمراً أساسياً.

ولعلاقة العرب بالخيل عمق فريد، حيث تزخر كتب الأدب والتاريخ بقصص تعطي فكرة كبيرة عن أبعاد تلك العلاقة التي انعكست شعراً ونثراً في بطون الكتب، فدونت تراث العرب وأدبهم، ومنها معلقة امرئ القيس التي يصف فيها فرسه وصفاً سينمائياً مبهراً: "مِكَرٍ مِفَرٍ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعَاً، كجُلمُودِ صَخْرٍ حَطّهُ السَّيلُ مِنْ عَلٍ".

أما على الصعيد الديني، فذكر الخيل في السيرة النبوية والقرآن الكريم في عدة مواضع، ومنها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يومِ القيامة".

لقد أحب العرب الخيل حبهم أولادهم، ولعبت الدور الأهم في حياتهم، ودعوا إلى حبها، ونرى ذلك جلياً في أبيات نُسِبت إلى عبدالله بن عباس، قال فيها:

أحِبّوا الخيلَ واصطَبروا عليها ... فإن العز فيها والجَمَالا

إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ضممناها فشاركت العيالا

نقاسِمها المعيشةَ كلَّ يوم ... ونلبِسها البراقعَ والجِلالا

وتعدّ الخيول العربية الأصيلة، الخيول المفضّلة في سباقات القدرة والتحمّل بسبب قوّتها وطلاقة حركتها وقدرتها على التحمّل، وتتميز بمواصفات جمالية وبدنية فريدة، جعلتها ترتقي عرش الخيول في العالم، فازداد الطلب على اقتنائها من جميع أرجاء العالم، ومن المواصفات الجمالية الرئيسية هي المعالم الواضحة للجبهة، والظهر المستقيم، والذيل الطويل والكثيف. كما تتميز بفتحات الأنف الكبيرة، مما يزيد فرصتها للحصول على المزيد من الهواء، والرئتان الكبيرتان لتنفس أفضل، والصبر والقدرة على الجري لمسافات طويلة دون تعب، بالإضافة إلى هدوء الخيل العربي الأصيل في المعارك، الأمر الذي كان يساعد فرسان العرب في الدفاع عن أنفسهم ضد الهجمات المفاجئة.

كما استخدم قياصرة وملوك ورؤساء أوروبا، الخيل العربي الأصيل وعشقوه في القرن الـ19، حيث كان الخيل العربي الأصيل يهدى إلى كبار الملوك والرؤساء والقياصرة؛ تقديراً لهم، ومنذ ذلك الوقت، نرى مشاركة الخيول العربية الأصيلة في جميع سباقات وبطولات أوروبا.

أما قصة العلا مع الخيل العربي الأصيل فهي قصة طبيعية، حيث شكلت منطقة العلا محطة مهمة للقوافل التجارية بين الهند وشمال الجزيرة العربية، فازدهرت الحياة فيها وعاصرت العديد من الممالك والدول، ويمكن مشاهدة النقوش والرسومات على أطراف الجبال التي تتغنى بالخيل العربي الأصيل.

واختارت الهيئة الملكية موقع كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل بمحاذاة تلك النقوش لتضع الفرسان ورواد السباق أجواء عراقة ماضينا العربي الأصيل، ولتعود بالخيول العربية الأصيلة للمشاركة إلى بيئتها الطبيعية التي عاشت فيها منذ آلاف السنين.

فالفروسية ليست جديدة على العلا، فمنها بدأت تلك العلاقة الفريدة بين الإنسان والخيل، وانتشرت إلى جميع أصقاع الأرض، لتعبر عن أصالة قاطنيها وتنير العالم بموروثنا العربي، وثقافتنا التي تعود إلى آلاف السنين، ولتشكل قاعدة أساسية للانطلاق إلى مستقبل مزدهر وحالم، بثبات وثقة كوقع حوافر الخيل على أرض السباق.

27 يناير 2020 - 2 جمادى الآخر 1441
05:30 PM

وقع حوافر الخيل في العلا.. يعيد التاريخ من جديد

بعد إطلاق النسخة الثانية من كأس خادم الحرمين للقدرة والتحمل 2020

A A A
1
2,830

منذ نحو 4 آلاف عام، هنا في صحراء شبه الجزيرة العربية، بدأت علاقة فريدة تتوطد بين سكان المنطقة والخيول العربية الأصيلة، فحتى ذلك الحين كان العرب يعتمدون على الإبل للتنقل والترحال، أما بعد أن استأنسوا الخيل هناك، وحدثت نقلة نوعية فريدة في حياتهم، حيث قربت المسافات، وزادت حركة التجارة، وأصبحوا قادرين على حماية أنفسهم من الأعداء، بالإضافة إلى العديد من الفوائد التي جناها أهل الصحراء جراء هذه العلاقة الفريدة.

وتميزت تلك العلاقة بين الخيل والإنسان بطابع خاص، فقد اعتبر اقتناء الخيل والاهتمام بها مظهراً من مظاهر القوة والجاه والسلطان، وفي السابق لم يكن ترويض الخيل ممكناً، حتى ابتكر الإنسان بعض الأدوات لذلك، وكان في البداية يركب الخيل عارية الظهر ولم يستخدم السرج ولا اللجام إلا مع الحصان العربي الأصيل.

أما دور الحصان فلم يختلف كثيراً عبر التاريخ، وإن انحصر الآن في المسابقات المحلية والدولية، التي تبرز قوة الحصان، ومهارة مدربه، وبقي امتلاكه كما كان من قبل دلالة على الجاه والقوة.

وقد أدركت الهيئة الملكية لمحافظة العلا، أهمية الحفاظ على هذا الإرث الثقافي التاريخي العريق، فأطلقت هذا العام النسخة الثانية من كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل 2020، ضمن فعاليات مهرجان شتاء طنطورة الذي يلقى إقبالاً منقطع النظير من داخل وخارج المملكة العربية السعودية، حيث تلتقي هيبة هذا السباق وقيم المثابرة والالتزام التي تميّز هذه الرياضة، مع البيئة المذهلة لوادي العلا، لتبثّ الحياة في كل من هذه المثل العليا، في غرة فبراير المقبل.

ويغطي السباق من فئة النجمتين والمعترف به من قبل الاتحاد الدولي للفروسية مسافة 120 كلم على مدى أربع حلقات، تمتد عبر صحراء وجبال العلا الساحرة لتلتقي هيبة هذا السباق مع البيئة المذهلة لوادي العلا، ويسلط السباق الضوء على جهود الهيئة الملكية لمحافظة العلا في الحفاظ على الإرث الثقافي والتاريخي العريق للمملكة العربية السعودية.

وفي كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل لهذا العام، تشارك مجموعة من أفضل الفرسان من حول العالم يصل عددهم إلى 200 فارس وفارسة، بحسب قواعد الاتحاد الدولي لرياضات الفروسية، كما يصل عدد الخيول المشاركة إلى 204 من 17 دولة م حول العالم هي: السعودية والإمارات والبحرين والكويت والأردن ومصر وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وإيطاليا والصين وباكستان والبرتغال وسلوفاكيا والسودان وتونس والأوروغواي.

وسيخصّص كأس خادم الحرمين الشريفين لسباق القدرة والتحمّل جوائز نقدية بقيمة 15 مليون ريال سعودي للفائزين والتي تعدّ واحدة من أعلى القيم لهذا النوع من السباقات في العالم.

وهناك أمور أساسية يجب على المهتمين بسباقات القدرة والتحمّل معرفتها، فهذا النوع من السباقات يشبه إلى حد كبير الماراثونات، فهي تتطلّب قدرات جسدية وعقلية للخيول والفرسان، وتتحدّى ذروة قدراتهم.

وخلال السباق يجب على المتسابقين التوقّف عند نقاط منتظمة على المسار من أجل اجتياز الفحص البيطري، ويطلب استكمال سجل الفحص البيطري لإنهاء السباق، ومن الضروري أن يعمل الفرسان بالشراكة مع خيولهم لتحقيق النجاح في سباقات القدرة والتحمّل.

أمّا الفائز في السباق فهو أول مَن يجتاز خط النهاية ويحصل حصانه على تقييم "الحالة الملائمة" من قِبل الطبيب البيطري، ومع ذلك، فمن المعروف في مجتمع الفروسية بأن مجرد "إنهاء السباق يعني الفوز" في سباقات القدرة والتحمّل.

وعلى الرغم من أهمية الوقت في هذه السباقات، إلا أن التركيز ينصبّ على إنهاء الحصان للسباق في أفضل حالة صحية ممكنة له، لذلك يعدّ الاستعداد للسباق أمراً أساسياً.

ولعلاقة العرب بالخيل عمق فريد، حيث تزخر كتب الأدب والتاريخ بقصص تعطي فكرة كبيرة عن أبعاد تلك العلاقة التي انعكست شعراً ونثراً في بطون الكتب، فدونت تراث العرب وأدبهم، ومنها معلقة امرئ القيس التي يصف فيها فرسه وصفاً سينمائياً مبهراً: "مِكَرٍ مِفَرٍ مُقْبِلٍ مُدْبِرٍ مَعَاً، كجُلمُودِ صَخْرٍ حَطّهُ السَّيلُ مِنْ عَلٍ".

أما على الصعيد الديني، فذكر الخيل في السيرة النبوية والقرآن الكريم في عدة مواضع، ومنها حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم: "الخيل معقودٌ في نواصيها الخير إلى يومِ القيامة".

لقد أحب العرب الخيل حبهم أولادهم، ولعبت الدور الأهم في حياتهم، ودعوا إلى حبها، ونرى ذلك جلياً في أبيات نُسِبت إلى عبدالله بن عباس، قال فيها:

أحِبّوا الخيلَ واصطَبروا عليها ... فإن العز فيها والجَمَالا

إذا ما الخيل ضيّعها أناس ... ضممناها فشاركت العيالا

نقاسِمها المعيشةَ كلَّ يوم ... ونلبِسها البراقعَ والجِلالا

وتعدّ الخيول العربية الأصيلة، الخيول المفضّلة في سباقات القدرة والتحمّل بسبب قوّتها وطلاقة حركتها وقدرتها على التحمّل، وتتميز بمواصفات جمالية وبدنية فريدة، جعلتها ترتقي عرش الخيول في العالم، فازداد الطلب على اقتنائها من جميع أرجاء العالم، ومن المواصفات الجمالية الرئيسية هي المعالم الواضحة للجبهة، والظهر المستقيم، والذيل الطويل والكثيف. كما تتميز بفتحات الأنف الكبيرة، مما يزيد فرصتها للحصول على المزيد من الهواء، والرئتان الكبيرتان لتنفس أفضل، والصبر والقدرة على الجري لمسافات طويلة دون تعب، بالإضافة إلى هدوء الخيل العربي الأصيل في المعارك، الأمر الذي كان يساعد فرسان العرب في الدفاع عن أنفسهم ضد الهجمات المفاجئة.

كما استخدم قياصرة وملوك ورؤساء أوروبا، الخيل العربي الأصيل وعشقوه في القرن الـ19، حيث كان الخيل العربي الأصيل يهدى إلى كبار الملوك والرؤساء والقياصرة؛ تقديراً لهم، ومنذ ذلك الوقت، نرى مشاركة الخيول العربية الأصيلة في جميع سباقات وبطولات أوروبا.

أما قصة العلا مع الخيل العربي الأصيل فهي قصة طبيعية، حيث شكلت منطقة العلا محطة مهمة للقوافل التجارية بين الهند وشمال الجزيرة العربية، فازدهرت الحياة فيها وعاصرت العديد من الممالك والدول، ويمكن مشاهدة النقوش والرسومات على أطراف الجبال التي تتغنى بالخيل العربي الأصيل.

واختارت الهيئة الملكية موقع كأس خادم الحرمين الشريفين للقدرة والتحمل بمحاذاة تلك النقوش لتضع الفرسان ورواد السباق أجواء عراقة ماضينا العربي الأصيل، ولتعود بالخيول العربية الأصيلة للمشاركة إلى بيئتها الطبيعية التي عاشت فيها منذ آلاف السنين.

فالفروسية ليست جديدة على العلا، فمنها بدأت تلك العلاقة الفريدة بين الإنسان والخيل، وانتشرت إلى جميع أصقاع الأرض، لتعبر عن أصالة قاطنيها وتنير العالم بموروثنا العربي، وثقافتنا التي تعود إلى آلاف السنين، ولتشكل قاعدة أساسية للانطلاق إلى مستقبل مزدهر وحالم، بثبات وثقة كوقع حوافر الخيل على أرض السباق.