متى نتوقف عن الركض؟!

من الآثار والنتائج الإيجابية التي منحتنا إياها فرصةُ منع التجول بسبب جائحة كورونا فرصة التأمل والتدبُّر والتفكر في خلق الله تعالى. والحق أن مَن يتأمل بعمق دنيا الناس الآن يجد العجب العجاب!! فكلنا نجري ونركض، بل نلهث من شدة الركض وراء مُتع الحياة وشهواتها وملذاتها!! ولا تثريب على أحد في السعي على رزقه، وغزِّ الخطى من أجل تحقيق طموحه، ما دامت غايته شريفة، وهدفه نبيلاً، وإنما كلُّ اللوم والتثريب على صاحب الهدف الوضيع.

ولا أحد يدعو إلى القعود عن العمل، وترك الطموح إلى معالي الأمور، بل إن الإسلام يحثنا على البذل والعمل الجاد، والسعي الحثيث من أجل عمارة الكون، وصناعة الحياة.. يقول تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (15) [الملك].

ولكن من الملاحظ أن المشي تحوَّل إلى جري، بل ركضٍ وهرولة دون شبع من أي شيء.. فالناس جميعًا - إلا من رحم ربي - ينغمسون في طلب الدنيا وزينتها إلى حد نسيان أهلهم ومحبيهم، بل إلى درجة نسيان أنفسهم. والأخطر هو نسيان طاعة ربهم -عز وجل-. وفي الحديث القدسي قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "يقولُ اللهُ: ابنَ آدمَ تفرَّغْ لعبادتي أملَأْ صدرَك غنًى، وأسُدُّ فقرَك، وإلَّا تفعلْ ملأتُ صدرَك شُغلًا، ولم أسُدَّ فقرَك".

وفي الأثر: "يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُودًا، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا".

ولا شك أن الطموح هو من أهمّ الأمور التي يجب أن تكون موجودة في نفس كل إنسان؛ لأنه أساس التقدُّم، وهو الدافع العميق الذي يحث المرء على تحمُّل التعب، وبذل الجهد لأجل تحقيق الغاية، والوصول إلى الهدف. ومن خلال الطموح يستطيع الإنسان أن يطوِّر ذاته، ويصل إلى أعلى المراتب، بعكس الشخص العاجز الاتكالي الذي ليس لديه هدف، ويرضى بالدون والعيش على هامش الحياة.

إن الإسلام يدعو إلى بذل العمل الجاد، والصبر والإصرار، وحشد الطاقات والإمكانات للوصول إلى المُراد. والإنسان الطموح يوقظ الهمّة في نفسه وفي الآخرين من حوله، ويعزّز ثقتهم بأنفسهم كي يصلوا إلى هدفهم ومبتغاهم. ولا شك أن تحقيق الآمال والطموحات من أهمّ أسباب السعادة في هذه الحياة.

لكن يجب ألّا يُقْصِر المسلم طموحه على الدنيا وحسب؛ فقد خُلق الإنسان في هذه الحياة لغاية عظيمة جليلة، هي عبادة الله تعالى. قال -عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات].

ومن هنا ينبغي لكل إنسان أن يسعى في حياته برفق وتوازن، وأن يخصّص فيها وقتًا للتقرب إلى الله بالطاعات، خاصّة في المواسم التي تتضاعف فيها أجور الأعمال الصالحة.

غسان عسيلان
اعلان
متى نتوقف عن الركض؟!
سبق

من الآثار والنتائج الإيجابية التي منحتنا إياها فرصةُ منع التجول بسبب جائحة كورونا فرصة التأمل والتدبُّر والتفكر في خلق الله تعالى. والحق أن مَن يتأمل بعمق دنيا الناس الآن يجد العجب العجاب!! فكلنا نجري ونركض، بل نلهث من شدة الركض وراء مُتع الحياة وشهواتها وملذاتها!! ولا تثريب على أحد في السعي على رزقه، وغزِّ الخطى من أجل تحقيق طموحه، ما دامت غايته شريفة، وهدفه نبيلاً، وإنما كلُّ اللوم والتثريب على صاحب الهدف الوضيع.

ولا أحد يدعو إلى القعود عن العمل، وترك الطموح إلى معالي الأمور، بل إن الإسلام يحثنا على البذل والعمل الجاد، والسعي الحثيث من أجل عمارة الكون، وصناعة الحياة.. يقول تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (15) [الملك].

ولكن من الملاحظ أن المشي تحوَّل إلى جري، بل ركضٍ وهرولة دون شبع من أي شيء.. فالناس جميعًا - إلا من رحم ربي - ينغمسون في طلب الدنيا وزينتها إلى حد نسيان أهلهم ومحبيهم، بل إلى درجة نسيان أنفسهم. والأخطر هو نسيان طاعة ربهم -عز وجل-. وفي الحديث القدسي قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "يقولُ اللهُ: ابنَ آدمَ تفرَّغْ لعبادتي أملَأْ صدرَك غنًى، وأسُدُّ فقرَك، وإلَّا تفعلْ ملأتُ صدرَك شُغلًا، ولم أسُدَّ فقرَك".

وفي الأثر: "يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُودًا، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا".

ولا شك أن الطموح هو من أهمّ الأمور التي يجب أن تكون موجودة في نفس كل إنسان؛ لأنه أساس التقدُّم، وهو الدافع العميق الذي يحث المرء على تحمُّل التعب، وبذل الجهد لأجل تحقيق الغاية، والوصول إلى الهدف. ومن خلال الطموح يستطيع الإنسان أن يطوِّر ذاته، ويصل إلى أعلى المراتب، بعكس الشخص العاجز الاتكالي الذي ليس لديه هدف، ويرضى بالدون والعيش على هامش الحياة.

إن الإسلام يدعو إلى بذل العمل الجاد، والصبر والإصرار، وحشد الطاقات والإمكانات للوصول إلى المُراد. والإنسان الطموح يوقظ الهمّة في نفسه وفي الآخرين من حوله، ويعزّز ثقتهم بأنفسهم كي يصلوا إلى هدفهم ومبتغاهم. ولا شك أن تحقيق الآمال والطموحات من أهمّ أسباب السعادة في هذه الحياة.

لكن يجب ألّا يُقْصِر المسلم طموحه على الدنيا وحسب؛ فقد خُلق الإنسان في هذه الحياة لغاية عظيمة جليلة، هي عبادة الله تعالى. قال -عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات].

ومن هنا ينبغي لكل إنسان أن يسعى في حياته برفق وتوازن، وأن يخصّص فيها وقتًا للتقرب إلى الله بالطاعات، خاصّة في المواسم التي تتضاعف فيها أجور الأعمال الصالحة.

09 يونيو 2020 - 17 شوّال 1441
08:12 PM
اخر تعديل
11 أكتوبر 2020 - 24 صفر 1442
03:25 AM

متى نتوقف عن الركض؟!

غسان محمد عسيلان - الرياض
A A A
2
776

من الآثار والنتائج الإيجابية التي منحتنا إياها فرصةُ منع التجول بسبب جائحة كورونا فرصة التأمل والتدبُّر والتفكر في خلق الله تعالى. والحق أن مَن يتأمل بعمق دنيا الناس الآن يجد العجب العجاب!! فكلنا نجري ونركض، بل نلهث من شدة الركض وراء مُتع الحياة وشهواتها وملذاتها!! ولا تثريب على أحد في السعي على رزقه، وغزِّ الخطى من أجل تحقيق طموحه، ما دامت غايته شريفة، وهدفه نبيلاً، وإنما كلُّ اللوم والتثريب على صاحب الهدف الوضيع.

ولا أحد يدعو إلى القعود عن العمل، وترك الطموح إلى معالي الأمور، بل إن الإسلام يحثنا على البذل والعمل الجاد، والسعي الحثيث من أجل عمارة الكون، وصناعة الحياة.. يقول تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} (15) [الملك].

ولكن من الملاحظ أن المشي تحوَّل إلى جري، بل ركضٍ وهرولة دون شبع من أي شيء.. فالناس جميعًا - إلا من رحم ربي - ينغمسون في طلب الدنيا وزينتها إلى حد نسيان أهلهم ومحبيهم، بل إلى درجة نسيان أنفسهم. والأخطر هو نسيان طاعة ربهم -عز وجل-. وفي الحديث القدسي قال رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم-: "يقولُ اللهُ: ابنَ آدمَ تفرَّغْ لعبادتي أملَأْ صدرَك غنًى، وأسُدُّ فقرَك، وإلَّا تفعلْ ملأتُ صدرَك شُغلًا، ولم أسُدَّ فقرَك".

وفي الأثر: "يا اِبنَ آدمَ خَلَقتُكَ لِلعِبَادةَ فَلا تَلعَب، وَقسَمتُ لَكَ رِزقكَ فَلا تَتعَب، فَإِن رَضِيتَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ أَرَحتَ قَلبَكَ وَبَدنَكَ، وكُنتَ عِندِي مَحمُودًا، وإِن لَم تَرضَ بِمَا قَسَمتُهُ لَكَ فَوَعِزَّتِي وَجَلالِي لأُسَلِّطَنَّ عَلَيكَ الدُنيَا تَركُضُ فِيهَا رَكضَ الوُحوش فِي البَريَّةَ، ثُمَّ لاَ يَكُونُ لَكَ فِيهَا إِلا مَا قَسَمتُهُ لَكَ، وَكُنتَ عِندِي مَذمُومَا".

ولا شك أن الطموح هو من أهمّ الأمور التي يجب أن تكون موجودة في نفس كل إنسان؛ لأنه أساس التقدُّم، وهو الدافع العميق الذي يحث المرء على تحمُّل التعب، وبذل الجهد لأجل تحقيق الغاية، والوصول إلى الهدف. ومن خلال الطموح يستطيع الإنسان أن يطوِّر ذاته، ويصل إلى أعلى المراتب، بعكس الشخص العاجز الاتكالي الذي ليس لديه هدف، ويرضى بالدون والعيش على هامش الحياة.

إن الإسلام يدعو إلى بذل العمل الجاد، والصبر والإصرار، وحشد الطاقات والإمكانات للوصول إلى المُراد. والإنسان الطموح يوقظ الهمّة في نفسه وفي الآخرين من حوله، ويعزّز ثقتهم بأنفسهم كي يصلوا إلى هدفهم ومبتغاهم. ولا شك أن تحقيق الآمال والطموحات من أهمّ أسباب السعادة في هذه الحياة.

لكن يجب ألّا يُقْصِر المسلم طموحه على الدنيا وحسب؛ فقد خُلق الإنسان في هذه الحياة لغاية عظيمة جليلة، هي عبادة الله تعالى. قال -عز وجل-: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (57) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (58)} [الذاريات].

ومن هنا ينبغي لكل إنسان أن يسعى في حياته برفق وتوازن، وأن يخصّص فيها وقتًا للتقرب إلى الله بالطاعات، خاصّة في المواسم التي تتضاعف فيها أجور الأعمال الصالحة.