جرائم تستهدف الوطن وتهدِّد المجتمع

شهد الأسبوع الماضي تحركًا سريعًا للجهات المختصة في السعودية للتصدي لجريمتين على قدر كبير من الخطورة، تشمل تداعياتهما السالبة الوطن والمجتمع بأكمله؛ إذ تم التشهير بمجموعة من الموظفين والمقيمين الذين تورطوا في قضايا رشوة وتزوير، تتعلق بتغيير غير قانوني في بيانات الأفراد التي تُظهر حالتهم الصحية عبر تطبيق (توكلنا)، وتعديلها مقابل مبالغ مالية. كما أعلنت وزارة الداخلية مضاعفة عقوبة التورط في نقل وإيواء المتسللين لتصل إلى السجن لمدة 15 عامًا، والغرامة مليون ريال، وتصنيف تلك الجريمة على أنها من الجرائم الموجبة للتوقيف والمخلة بالشرف والأمانة.

المتأمل للجريمة الأولى، والخطورة الكبيرة التي تترتب على ما قام به أولئك الذين عميت بصائرهم، يدرك بوضوح حجم الجرم الكبير الذي اقترفوه في حق الوطن، بما يهدد بإجهاض الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة، والمبالغ الضخمة التي أنفقتها للتصدي للفيروس الفتاك، وكذلك التضحيات الجسيمة التي قدمها جنود الجيش الأبيض من الأطباء والممرضين وبقية الأطقم الطبية، الذين خاطروا بسلامتهم وسلامة عائلاتهم وهم يخالطون المرضى، ويمنحونهم الأمل، إضافة إلى رجال الأمن الذين قضوا الساعات الطوال في الشوارع وهم يسهرون على راحة المواطنين، ويضمنون الالتزام الكامل بتطبيق التعليمات الصحية.

كل ذلك لم يضعه أولئك المخالفون في حساباتهم، وتغاضوا عنه، وعميت نفوسهم عن رؤيته، نظير ثمن بخس دراهم معدودة.. فلم تسعفهم ضمائرهم لإدراك أن من يتجرؤون على تغيير حالته الصحية زورًا وبهتانًا هو تهديد يمشي على رجلَيْن، ويمكن أن يعرِّض المجتمع كله للخطر الشديد، ويعيدنا إلى المربع الأول، لا سمح الله.

اللافت للنظر في الإجراءات السريعة التي اتخذتها السلطات المختصة هو أن العقوبة شملت جميع الأطراف المشاركة في هذه الجريمة؛ فالذين دفعوا المبالغ المالية لتغيير بياناتهم الصحية على موقع توكلنا لم ينجوا بفعلتهم؛ لأن من امتنع عن تحصين نفسه باللقاح نتيجة لهواجس سيطرت عليه، وأوهام تمكنت منه، وسعى للتزوير، هو في الحقيقة مخطئ بحق نفسه، ويشكل تهديدًا لسلامة الآخرين.

وبعد أن بذلت وزارة الصحة جهودًا كبيرة للتوعية بحقيقة المرض، وأوضحت سلامة اللقاحات، وأقدم قادة هذه البلاد على أخذ اللقاح بصورة علنية أمام الجميع لطمأنة الآخرين، فإنه لا سبيل أمامنا إلا الانصياع لصوت العقل، ونبذ التردد، وطرد الوساوس.. فالوضع الذي يعيشه العالم بسبب هذه الجائحة ليس طبيعيًّا، والوصول إلى المناعة المجتمعية يستلزم تطعيم الغالبية، فإذا أحجم الكثيرون، وترددوا، فإن بلوغ هذا الهدف سيكون أمرًا مستحيلاً، يهدد بعودة الأمور إلى نقطة الصفر.

الجريمة الثانية هي مساعدة المتسللين بالنقل والإيواء، وتوفير الملاذات الآمنة لهم. وهي جريمة لا تقل خطورة عن سابقتها؛ لأسباب متعددة، في مقدمتها أن نسبة كبيرة من أولئك المتسللين هم في الأصل جواسيس، يقومون برصد المواقع الأمنية، وإرسال إحداثياتها للعدو، إضافة إلى تجار المخدرات ومهربي الأسلحة وأصحاب السوابق ومَن يحملون أمراضًا معدية، تهدد سلامة المجتمع وصحة أفراده.

ونعلم جميعًا حقيقة الأوضاع التي تعيشها مناطق الحد الجنوبي؛ إذ يتسابق أبناء الوطن المخلصون على تقديم أنفسهم وأرواحهم فداء لبلادهم، وارتضوا مفارقة عائلاتهم وأبنائهم للبقاء وسط الأحراش والوحل والصخور، وسطروا أروع الملاحم في الدفاع عن الأرض والعرض، ثم بعد كل تلك السطور المشرقة تأتي قلة من المنتفعين لتساعد أعداء الوطن على اختراق حدوده وتنفيذ مؤامراتهم.

أمثال هؤلاء الذين هم على استعداد لفعل كل شيء، والتضحية بجميع القيم، والضرب بمصالح الوطن ومكتسباته عرض الحائط لأجل تحقيق مصالح شخصية وقتية، وكسب أموال زهيدة، لا يستحقون التعاطف، ولا ينبغي أن تأخذنا بهم رأفة، ويجب التعامل معهم بما يستحقونه من حزم وصرامة، وإنزال أقسى العقوبات بحقهم؛ لأن هذا الوطن الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى، وجعله مهبط وحيه وأرض رسالته، ليس فيه مكان لمن لم يستطع تقدير قيمته، ولم يعرف نعمة الانتماء إليه.

علي آل شرمة
اعلان
جرائم تستهدف الوطن وتهدِّد المجتمع
سبق

شهد الأسبوع الماضي تحركًا سريعًا للجهات المختصة في السعودية للتصدي لجريمتين على قدر كبير من الخطورة، تشمل تداعياتهما السالبة الوطن والمجتمع بأكمله؛ إذ تم التشهير بمجموعة من الموظفين والمقيمين الذين تورطوا في قضايا رشوة وتزوير، تتعلق بتغيير غير قانوني في بيانات الأفراد التي تُظهر حالتهم الصحية عبر تطبيق (توكلنا)، وتعديلها مقابل مبالغ مالية. كما أعلنت وزارة الداخلية مضاعفة عقوبة التورط في نقل وإيواء المتسللين لتصل إلى السجن لمدة 15 عامًا، والغرامة مليون ريال، وتصنيف تلك الجريمة على أنها من الجرائم الموجبة للتوقيف والمخلة بالشرف والأمانة.

المتأمل للجريمة الأولى، والخطورة الكبيرة التي تترتب على ما قام به أولئك الذين عميت بصائرهم، يدرك بوضوح حجم الجرم الكبير الذي اقترفوه في حق الوطن، بما يهدد بإجهاض الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة، والمبالغ الضخمة التي أنفقتها للتصدي للفيروس الفتاك، وكذلك التضحيات الجسيمة التي قدمها جنود الجيش الأبيض من الأطباء والممرضين وبقية الأطقم الطبية، الذين خاطروا بسلامتهم وسلامة عائلاتهم وهم يخالطون المرضى، ويمنحونهم الأمل، إضافة إلى رجال الأمن الذين قضوا الساعات الطوال في الشوارع وهم يسهرون على راحة المواطنين، ويضمنون الالتزام الكامل بتطبيق التعليمات الصحية.

كل ذلك لم يضعه أولئك المخالفون في حساباتهم، وتغاضوا عنه، وعميت نفوسهم عن رؤيته، نظير ثمن بخس دراهم معدودة.. فلم تسعفهم ضمائرهم لإدراك أن من يتجرؤون على تغيير حالته الصحية زورًا وبهتانًا هو تهديد يمشي على رجلَيْن، ويمكن أن يعرِّض المجتمع كله للخطر الشديد، ويعيدنا إلى المربع الأول، لا سمح الله.

اللافت للنظر في الإجراءات السريعة التي اتخذتها السلطات المختصة هو أن العقوبة شملت جميع الأطراف المشاركة في هذه الجريمة؛ فالذين دفعوا المبالغ المالية لتغيير بياناتهم الصحية على موقع توكلنا لم ينجوا بفعلتهم؛ لأن من امتنع عن تحصين نفسه باللقاح نتيجة لهواجس سيطرت عليه، وأوهام تمكنت منه، وسعى للتزوير، هو في الحقيقة مخطئ بحق نفسه، ويشكل تهديدًا لسلامة الآخرين.

وبعد أن بذلت وزارة الصحة جهودًا كبيرة للتوعية بحقيقة المرض، وأوضحت سلامة اللقاحات، وأقدم قادة هذه البلاد على أخذ اللقاح بصورة علنية أمام الجميع لطمأنة الآخرين، فإنه لا سبيل أمامنا إلا الانصياع لصوت العقل، ونبذ التردد، وطرد الوساوس.. فالوضع الذي يعيشه العالم بسبب هذه الجائحة ليس طبيعيًّا، والوصول إلى المناعة المجتمعية يستلزم تطعيم الغالبية، فإذا أحجم الكثيرون، وترددوا، فإن بلوغ هذا الهدف سيكون أمرًا مستحيلاً، يهدد بعودة الأمور إلى نقطة الصفر.

الجريمة الثانية هي مساعدة المتسللين بالنقل والإيواء، وتوفير الملاذات الآمنة لهم. وهي جريمة لا تقل خطورة عن سابقتها؛ لأسباب متعددة، في مقدمتها أن نسبة كبيرة من أولئك المتسللين هم في الأصل جواسيس، يقومون برصد المواقع الأمنية، وإرسال إحداثياتها للعدو، إضافة إلى تجار المخدرات ومهربي الأسلحة وأصحاب السوابق ومَن يحملون أمراضًا معدية، تهدد سلامة المجتمع وصحة أفراده.

ونعلم جميعًا حقيقة الأوضاع التي تعيشها مناطق الحد الجنوبي؛ إذ يتسابق أبناء الوطن المخلصون على تقديم أنفسهم وأرواحهم فداء لبلادهم، وارتضوا مفارقة عائلاتهم وأبنائهم للبقاء وسط الأحراش والوحل والصخور، وسطروا أروع الملاحم في الدفاع عن الأرض والعرض، ثم بعد كل تلك السطور المشرقة تأتي قلة من المنتفعين لتساعد أعداء الوطن على اختراق حدوده وتنفيذ مؤامراتهم.

أمثال هؤلاء الذين هم على استعداد لفعل كل شيء، والتضحية بجميع القيم، والضرب بمصالح الوطن ومكتسباته عرض الحائط لأجل تحقيق مصالح شخصية وقتية، وكسب أموال زهيدة، لا يستحقون التعاطف، ولا ينبغي أن تأخذنا بهم رأفة، ويجب التعامل معهم بما يستحقونه من حزم وصرامة، وإنزال أقسى العقوبات بحقهم؛ لأن هذا الوطن الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى، وجعله مهبط وحيه وأرض رسالته، ليس فيه مكان لمن لم يستطع تقدير قيمته، ولم يعرف نعمة الانتماء إليه.

09 يوليو 2021 - 29 ذو القعدة 1442
09:29 PM

جرائم تستهدف الوطن وتهدِّد المجتمع

علي آل شرمة - الرياض
A A A
0
1,447

شهد الأسبوع الماضي تحركًا سريعًا للجهات المختصة في السعودية للتصدي لجريمتين على قدر كبير من الخطورة، تشمل تداعياتهما السالبة الوطن والمجتمع بأكمله؛ إذ تم التشهير بمجموعة من الموظفين والمقيمين الذين تورطوا في قضايا رشوة وتزوير، تتعلق بتغيير غير قانوني في بيانات الأفراد التي تُظهر حالتهم الصحية عبر تطبيق (توكلنا)، وتعديلها مقابل مبالغ مالية. كما أعلنت وزارة الداخلية مضاعفة عقوبة التورط في نقل وإيواء المتسللين لتصل إلى السجن لمدة 15 عامًا، والغرامة مليون ريال، وتصنيف تلك الجريمة على أنها من الجرائم الموجبة للتوقيف والمخلة بالشرف والأمانة.

المتأمل للجريمة الأولى، والخطورة الكبيرة التي تترتب على ما قام به أولئك الذين عميت بصائرهم، يدرك بوضوح حجم الجرم الكبير الذي اقترفوه في حق الوطن، بما يهدد بإجهاض الجهود الكبيرة التي بذلتها الدولة، والمبالغ الضخمة التي أنفقتها للتصدي للفيروس الفتاك، وكذلك التضحيات الجسيمة التي قدمها جنود الجيش الأبيض من الأطباء والممرضين وبقية الأطقم الطبية، الذين خاطروا بسلامتهم وسلامة عائلاتهم وهم يخالطون المرضى، ويمنحونهم الأمل، إضافة إلى رجال الأمن الذين قضوا الساعات الطوال في الشوارع وهم يسهرون على راحة المواطنين، ويضمنون الالتزام الكامل بتطبيق التعليمات الصحية.

كل ذلك لم يضعه أولئك المخالفون في حساباتهم، وتغاضوا عنه، وعميت نفوسهم عن رؤيته، نظير ثمن بخس دراهم معدودة.. فلم تسعفهم ضمائرهم لإدراك أن من يتجرؤون على تغيير حالته الصحية زورًا وبهتانًا هو تهديد يمشي على رجلَيْن، ويمكن أن يعرِّض المجتمع كله للخطر الشديد، ويعيدنا إلى المربع الأول، لا سمح الله.

اللافت للنظر في الإجراءات السريعة التي اتخذتها السلطات المختصة هو أن العقوبة شملت جميع الأطراف المشاركة في هذه الجريمة؛ فالذين دفعوا المبالغ المالية لتغيير بياناتهم الصحية على موقع توكلنا لم ينجوا بفعلتهم؛ لأن من امتنع عن تحصين نفسه باللقاح نتيجة لهواجس سيطرت عليه، وأوهام تمكنت منه، وسعى للتزوير، هو في الحقيقة مخطئ بحق نفسه، ويشكل تهديدًا لسلامة الآخرين.

وبعد أن بذلت وزارة الصحة جهودًا كبيرة للتوعية بحقيقة المرض، وأوضحت سلامة اللقاحات، وأقدم قادة هذه البلاد على أخذ اللقاح بصورة علنية أمام الجميع لطمأنة الآخرين، فإنه لا سبيل أمامنا إلا الانصياع لصوت العقل، ونبذ التردد، وطرد الوساوس.. فالوضع الذي يعيشه العالم بسبب هذه الجائحة ليس طبيعيًّا، والوصول إلى المناعة المجتمعية يستلزم تطعيم الغالبية، فإذا أحجم الكثيرون، وترددوا، فإن بلوغ هذا الهدف سيكون أمرًا مستحيلاً، يهدد بعودة الأمور إلى نقطة الصفر.

الجريمة الثانية هي مساعدة المتسللين بالنقل والإيواء، وتوفير الملاذات الآمنة لهم. وهي جريمة لا تقل خطورة عن سابقتها؛ لأسباب متعددة، في مقدمتها أن نسبة كبيرة من أولئك المتسللين هم في الأصل جواسيس، يقومون برصد المواقع الأمنية، وإرسال إحداثياتها للعدو، إضافة إلى تجار المخدرات ومهربي الأسلحة وأصحاب السوابق ومَن يحملون أمراضًا معدية، تهدد سلامة المجتمع وصحة أفراده.

ونعلم جميعًا حقيقة الأوضاع التي تعيشها مناطق الحد الجنوبي؛ إذ يتسابق أبناء الوطن المخلصون على تقديم أنفسهم وأرواحهم فداء لبلادهم، وارتضوا مفارقة عائلاتهم وأبنائهم للبقاء وسط الأحراش والوحل والصخور، وسطروا أروع الملاحم في الدفاع عن الأرض والعرض، ثم بعد كل تلك السطور المشرقة تأتي قلة من المنتفعين لتساعد أعداء الوطن على اختراق حدوده وتنفيذ مؤامراتهم.

أمثال هؤلاء الذين هم على استعداد لفعل كل شيء، والتضحية بجميع القيم، والضرب بمصالح الوطن ومكتسباته عرض الحائط لأجل تحقيق مصالح شخصية وقتية، وكسب أموال زهيدة، لا يستحقون التعاطف، ولا ينبغي أن تأخذنا بهم رأفة، ويجب التعامل معهم بما يستحقونه من حزم وصرامة، وإنزال أقسى العقوبات بحقهم؛ لأن هذا الوطن الذي اصطفاه الله سبحانه وتعالى، وجعله مهبط وحيه وأرض رسالته، ليس فيه مكان لمن لم يستطع تقدير قيمته، ولم يعرف نعمة الانتماء إليه.