الصراع الناعم وشيطان المكتب

بيئة العمل هي إحدى محطات الحياة.. دون اختيار وتمحيص تجد نفسك مع أجناس مختلفين ثقافيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا.. فلا ينتقي المرء مصدر رزقه، كذلك لا يختار زميله ورئيسه. يقضي الزملاء في موقع العمل أكثر من الوقت الذي يقضيه الإنسان في بيته ومع أسرته أحيانًا؛ لذلك تنشأ داخل بيئة العمل روابط غير رسمية إلى جانب التنظيم الرسمي، منها ما يكون حميدًا، ومنها غير حميد. أيضًا تشهد العلاقات الوظيفية دوائر ضوئية تحت سقف الجهة التي تعمل فيها، ما تلبث تتسع رقعتها مع الوقت. وفي كل الأحوال يُفترض ألا يتجاوز تأثيرها المساحة الجغرافية المقننة للعلاقة التنظيمية.

النموذج الإيجابي للزميل يأخذ صورة المدرب، والمرشد الموجّه؛ تشعر تجاهه بانجذاب لفرط ذكائه الاجتماعي، وخبرته، ونقاء سريرته، حتى وإن لم يحتل منصبًا أعلى فإنه يحتل مكانة عظيمة في القلوب؛ تجعله محط تقدير واحترام الجميع.. هذا النموذج عاصر أحداثًا وشخوصًا؛ فمنهم متمرس في الأنظمة، يختصر عليك الزمن؛ لتنضج سريعًا. كما يجنبك مخاطر قد تضر بمستقبلك الوظيفي.. فعليك حفظ الإحسان، ثم مبادلته الوفاء والتقدير؛ فكما أكرم وفادتك في بداياتك احذر من إنكار جميله الذي يسديه إليك.. كما قال الشاعر:

(أعلـمه الرمـاية كل يـوم

فلمـا اشتد ساعده رماني

وكم علمتـه نظم القوافي

فلـمـا قال قافية هجـاني).

وقد يقودك الحظ العاثر إلى بيئة عمل موسومة بالفشل؛ لا ملامح فيها للقيم، بل يحكمها شريعة الغاب، يسودها التنمر والدسائس، فيها شيطان، قليل الكلام يتسم بالهدوء، وعلامات التقوى قد تعلو محياه.. لو اجتمعت تلكم السمات الجميلة في إنسان سوي لربما كان من القيادات الرفيعة.. تعدى خطر بعضهم إلى أضرار جسدية، كلفت حياتهم. يتمثل هذا الشيطان داخل إدارة تبدو وديعة في صورة أسد يقود قطيعًا من الأرانب.. يمضي وقت الوظيفة في بث الكراهية بين الزملاء، ثم زراعة الأشواك في طريقهم.. مقصده إعاقة تقدمهم (حسدًا من عند أنفسهم)..

"الشيطان الموظف" يتقاضى من إبليس ثمن شروره نظير ولائه، ومن موازنة المنشأة في هيئة مزايا ومكافآت مالية وعينية.

الأصل أن للزمالة حقوقًا؛ فمهما بلغت حدة الصراع داخل بيئة العمل ينبغي ألا يتجاوز الاختلاف حدود الموضوع؛ لأن الجميع سيغادر المنشأة والدنيا بأكملها عاجلاً أم آجلاً.. ففساد المودة بين الناس يحرق الأجر والثواب.. ويتصاعد إلى مستوى الخلافات الشخصية.

في غضون شهر فقدت عددًا من زملاء الدراسة والوظيفة (رحمة الله عليهم أجمعين)، بعضهم لم أقابله منذ عشرين عامًا؛ وآخرون لم يمهلهم الموت للتحلل من حقوق العباد، ورد المظالم إلى أهلها.. عمومًا: المنافسة الشريفة مطلوبة؛ فالقمة تتسع للجميع. في النهاية ليس لابن آدم في الحياة إلا ما قسمه الله له.. فأطلبُ من الجميع السماح؛ فقد أغادر الدنيا قبل نشر هذا. تقبل الله طاعتكم. وكل عام وأنتم بخير.

عبدالغني الشيخ
اعلان
الصراع الناعم وشيطان المكتب
سبق

بيئة العمل هي إحدى محطات الحياة.. دون اختيار وتمحيص تجد نفسك مع أجناس مختلفين ثقافيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا.. فلا ينتقي المرء مصدر رزقه، كذلك لا يختار زميله ورئيسه. يقضي الزملاء في موقع العمل أكثر من الوقت الذي يقضيه الإنسان في بيته ومع أسرته أحيانًا؛ لذلك تنشأ داخل بيئة العمل روابط غير رسمية إلى جانب التنظيم الرسمي، منها ما يكون حميدًا، ومنها غير حميد. أيضًا تشهد العلاقات الوظيفية دوائر ضوئية تحت سقف الجهة التي تعمل فيها، ما تلبث تتسع رقعتها مع الوقت. وفي كل الأحوال يُفترض ألا يتجاوز تأثيرها المساحة الجغرافية المقننة للعلاقة التنظيمية.

النموذج الإيجابي للزميل يأخذ صورة المدرب، والمرشد الموجّه؛ تشعر تجاهه بانجذاب لفرط ذكائه الاجتماعي، وخبرته، ونقاء سريرته، حتى وإن لم يحتل منصبًا أعلى فإنه يحتل مكانة عظيمة في القلوب؛ تجعله محط تقدير واحترام الجميع.. هذا النموذج عاصر أحداثًا وشخوصًا؛ فمنهم متمرس في الأنظمة، يختصر عليك الزمن؛ لتنضج سريعًا. كما يجنبك مخاطر قد تضر بمستقبلك الوظيفي.. فعليك حفظ الإحسان، ثم مبادلته الوفاء والتقدير؛ فكما أكرم وفادتك في بداياتك احذر من إنكار جميله الذي يسديه إليك.. كما قال الشاعر:

(أعلـمه الرمـاية كل يـوم

فلمـا اشتد ساعده رماني

وكم علمتـه نظم القوافي

فلـمـا قال قافية هجـاني).

وقد يقودك الحظ العاثر إلى بيئة عمل موسومة بالفشل؛ لا ملامح فيها للقيم، بل يحكمها شريعة الغاب، يسودها التنمر والدسائس، فيها شيطان، قليل الكلام يتسم بالهدوء، وعلامات التقوى قد تعلو محياه.. لو اجتمعت تلكم السمات الجميلة في إنسان سوي لربما كان من القيادات الرفيعة.. تعدى خطر بعضهم إلى أضرار جسدية، كلفت حياتهم. يتمثل هذا الشيطان داخل إدارة تبدو وديعة في صورة أسد يقود قطيعًا من الأرانب.. يمضي وقت الوظيفة في بث الكراهية بين الزملاء، ثم زراعة الأشواك في طريقهم.. مقصده إعاقة تقدمهم (حسدًا من عند أنفسهم)..

"الشيطان الموظف" يتقاضى من إبليس ثمن شروره نظير ولائه، ومن موازنة المنشأة في هيئة مزايا ومكافآت مالية وعينية.

الأصل أن للزمالة حقوقًا؛ فمهما بلغت حدة الصراع داخل بيئة العمل ينبغي ألا يتجاوز الاختلاف حدود الموضوع؛ لأن الجميع سيغادر المنشأة والدنيا بأكملها عاجلاً أم آجلاً.. ففساد المودة بين الناس يحرق الأجر والثواب.. ويتصاعد إلى مستوى الخلافات الشخصية.

في غضون شهر فقدت عددًا من زملاء الدراسة والوظيفة (رحمة الله عليهم أجمعين)، بعضهم لم أقابله منذ عشرين عامًا؛ وآخرون لم يمهلهم الموت للتحلل من حقوق العباد، ورد المظالم إلى أهلها.. عمومًا: المنافسة الشريفة مطلوبة؛ فالقمة تتسع للجميع. في النهاية ليس لابن آدم في الحياة إلا ما قسمه الله له.. فأطلبُ من الجميع السماح؛ فقد أغادر الدنيا قبل نشر هذا. تقبل الله طاعتكم. وكل عام وأنتم بخير.

04 أغسطس 2020 - 14 ذو الحجة 1441
01:05 AM

الصراع الناعم وشيطان المكتب

عبدالغني الشيخ - الرياض
A A A
2
1,185

بيئة العمل هي إحدى محطات الحياة.. دون اختيار وتمحيص تجد نفسك مع أجناس مختلفين ثقافيًّا وفكريًّا وأخلاقيًّا.. فلا ينتقي المرء مصدر رزقه، كذلك لا يختار زميله ورئيسه. يقضي الزملاء في موقع العمل أكثر من الوقت الذي يقضيه الإنسان في بيته ومع أسرته أحيانًا؛ لذلك تنشأ داخل بيئة العمل روابط غير رسمية إلى جانب التنظيم الرسمي، منها ما يكون حميدًا، ومنها غير حميد. أيضًا تشهد العلاقات الوظيفية دوائر ضوئية تحت سقف الجهة التي تعمل فيها، ما تلبث تتسع رقعتها مع الوقت. وفي كل الأحوال يُفترض ألا يتجاوز تأثيرها المساحة الجغرافية المقننة للعلاقة التنظيمية.

النموذج الإيجابي للزميل يأخذ صورة المدرب، والمرشد الموجّه؛ تشعر تجاهه بانجذاب لفرط ذكائه الاجتماعي، وخبرته، ونقاء سريرته، حتى وإن لم يحتل منصبًا أعلى فإنه يحتل مكانة عظيمة في القلوب؛ تجعله محط تقدير واحترام الجميع.. هذا النموذج عاصر أحداثًا وشخوصًا؛ فمنهم متمرس في الأنظمة، يختصر عليك الزمن؛ لتنضج سريعًا. كما يجنبك مخاطر قد تضر بمستقبلك الوظيفي.. فعليك حفظ الإحسان، ثم مبادلته الوفاء والتقدير؛ فكما أكرم وفادتك في بداياتك احذر من إنكار جميله الذي يسديه إليك.. كما قال الشاعر:

(أعلـمه الرمـاية كل يـوم

فلمـا اشتد ساعده رماني

وكم علمتـه نظم القوافي

فلـمـا قال قافية هجـاني).

وقد يقودك الحظ العاثر إلى بيئة عمل موسومة بالفشل؛ لا ملامح فيها للقيم، بل يحكمها شريعة الغاب، يسودها التنمر والدسائس، فيها شيطان، قليل الكلام يتسم بالهدوء، وعلامات التقوى قد تعلو محياه.. لو اجتمعت تلكم السمات الجميلة في إنسان سوي لربما كان من القيادات الرفيعة.. تعدى خطر بعضهم إلى أضرار جسدية، كلفت حياتهم. يتمثل هذا الشيطان داخل إدارة تبدو وديعة في صورة أسد يقود قطيعًا من الأرانب.. يمضي وقت الوظيفة في بث الكراهية بين الزملاء، ثم زراعة الأشواك في طريقهم.. مقصده إعاقة تقدمهم (حسدًا من عند أنفسهم)..

"الشيطان الموظف" يتقاضى من إبليس ثمن شروره نظير ولائه، ومن موازنة المنشأة في هيئة مزايا ومكافآت مالية وعينية.

الأصل أن للزمالة حقوقًا؛ فمهما بلغت حدة الصراع داخل بيئة العمل ينبغي ألا يتجاوز الاختلاف حدود الموضوع؛ لأن الجميع سيغادر المنشأة والدنيا بأكملها عاجلاً أم آجلاً.. ففساد المودة بين الناس يحرق الأجر والثواب.. ويتصاعد إلى مستوى الخلافات الشخصية.

في غضون شهر فقدت عددًا من زملاء الدراسة والوظيفة (رحمة الله عليهم أجمعين)، بعضهم لم أقابله منذ عشرين عامًا؛ وآخرون لم يمهلهم الموت للتحلل من حقوق العباد، ورد المظالم إلى أهلها.. عمومًا: المنافسة الشريفة مطلوبة؛ فالقمة تتسع للجميع. في النهاية ليس لابن آدم في الحياة إلا ما قسمه الله له.. فأطلبُ من الجميع السماح؛ فقد أغادر الدنيا قبل نشر هذا. تقبل الله طاعتكم. وكل عام وأنتم بخير.