الدعوجية والمحاماة!!

هناك امتعاض بالغ من بعض المحامين من الفئة التي يطلق عليهم "الدعوجية"؛ فربما زاحمت سوق العمل عندهم. وقد لاحظت هذا كثيرًا في الوسط القانوني؛ فأحببت أن أقف قليلاً حول هذا الموضوع. أولاً: المتأمل في بداية المحاماة في السعودية يدرك أنها كانت من خلال هذه الفئة (الدعوجية)؛ إذ إنها هي التي كانت تقوم بمهام المحاماة قبل أن يكون هناك رخصة لمزاولة هذه المهنة. والمسلَّم به في هذا الأمر أن رخصة المحاماة ما هي إلا دلالة على امتلاك مؤهل جمع بين العلم والخبرة في هذا المجال، وليس بالضرورة أن من لا يملك هذه الرخصة لا يملك العلم والخبرة؛ فقد رأينا من يترافع في المحاكم ممن هم من هذه الفئة، ويتهاوى أمامهم بعض المحامين من حجتهم ولباقتهم وفطنتهم.. واحتقار هذه الفئة والنظر إليها بهذه الطريقة هو في الأساس احتقار لأصل بداية هذه المهنة الشريفة بالرغم من تطور الأمر، ولكن يبقى الأشخاص هم الأشخاص أنفسهم قبل وبعد تنظيم الرخصة...

ثانيًا: الخوف من هذه الفئة، ومحاولة التركيز عليها في كل محفل وفي كل اجتماع وفي كل وسيلة، دلالة واضحة على عدم الثقة بأمرين: الأول هو أن الله هو الرازق، وهو مقسم الأرزاق؛ فما كُتب لك لن يأخذه وزير عدل ولا دعوجي، وما لم يكتب لك لن تأخذه حتى ولو كان بين يديك. والثاني هو عدم الثقة بالنفس وبالخبرة والمعرفة والجاهزية التي تدفع الناس إلى ترك عدم المؤهل منهم والمجيء إليك. ثالثًا: الاعتراض والامتعاض من ممارسة هذه الفئة هو في الحقيقة مخالفة ضمنية للمشرع والمخول لهذه الفئة بممارسة هذا العمل، وتشكيك في مدى المصلحة من تمكين وتنظيم هذه الجزئية، بل يجب أن يكون المحامي هو الفرد الأول المحافظ على تفعيل تلك الحزمة من الأنظمة، وانقياده بقبول لا يشوبه شك؛ لأن ما وُضع حتمًا كان بعد دراسة ومصلحة متحققة، كيف وتلك الأنظمة هي مستنده وعدته في نصرة كل مظلوم وإعادة الحقوق إلى أهلها؟! والمستغرب هو إطلاق اسم (الدعوجية) حتى على مختصين في مجال القانون، وبعضهم من حملة شهادات عليا، بيد أنه لا رخصة لديهم، مع أن كثيرًا من الدول تمكِّن المختص من المحاماة، إضافة إلى بعض الوظائف الأكاديمية.

رابعًا: وجود هذه الفئة وتنظيم ذلك وحصرهم بـ3 قضايا ضرورة، وهي مصلحة رأتها بلا شك جهة الاختصاص، وإن كان البعض يرى أن الأصل فيهم غير مؤهل. فلو سألنا: هل كل من حصل على رخصة المحاماة مؤهل أخلاقًا ومعرفة ومهارة؟ أم أنها رخصة وفق ضوابط معينة، يختلف بعض المنتسبين فيها، ويتفاوتون، وبعضهم خبرته أقل بكثير من دعوجي ممارس في هذا المجال؟!! ولو سلَّمنا جدلاً هل يقبل صاحب هذا القول بأن يُسمح للمؤهل منهم ويُمنع غير المؤهل حتى لو كان مرخصًا؟؟

خامسًا: المتأمل حقيقة يجد أن أكثر العراك والجدال والإسقاط يقبع في عالم ومجتمع مهنة المحاماة، وكأنها مهنة البقاء للأقوى دون شفقة، أو تغافل عن جزئيات قد تكون عابرة، والأخذ بيد المبتدئ حتى يتقوى، واللين مع المخالف حتى يسكن. والإشكال يزيد عمقًا عند بعض المحاميات حين تزاحم مسائل الحقوق في كل محفل؛ فتقطع أواصر الود بسبب حق قد لا يكون في التغاضي عنه مضرة بقدر ما سيكون في الإصرار عليه.. ضاعت المقاصد، وتاهت المصالح في نظر بعض المهتمين بالماديات على حساب الأُخوَّة والتراحم والود..

سادسًا: ثقافة الحقوق أمرٌ لا بد منه، وهو محل تقدير الشريعة السمحة، ولكن الإغراق فيها والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة يجعلان منا مجتمعًا خاليًا من الرحمة، ومن الود، ومن الوئام.. وهو طريق أخشى مع الزمن أن يذهب بنا إلى الرأس مالية، وإلى منزلقات أخرى قد نعيشها، ولكن تحت مسمى آخر، وإن كان المضمون هو نفسه. والله المستعان.

سابعًا: قد كتبت بعد تجرد، وأنا أعلم تمامًا أن هذه الحروف ستجعل مني أشلاءً تتطاير بين الألسنة، وستفتح بابًا عليَّ من التهم.. وما هذا إلا مصداق لما قلته ونسجته وعايشته لفترة.. ولكن هي حروف محبٍّ، وعتاب محبٍّ، ومشاعر محبٍّ، أحببت طرحها بصدق. وكل التقدير والاحترام للمخالف قبل الموافق.. وهي وجهات نظر.

اعلان
الدعوجية والمحاماة!!
سبق

هناك امتعاض بالغ من بعض المحامين من الفئة التي يطلق عليهم "الدعوجية"؛ فربما زاحمت سوق العمل عندهم. وقد لاحظت هذا كثيرًا في الوسط القانوني؛ فأحببت أن أقف قليلاً حول هذا الموضوع. أولاً: المتأمل في بداية المحاماة في السعودية يدرك أنها كانت من خلال هذه الفئة (الدعوجية)؛ إذ إنها هي التي كانت تقوم بمهام المحاماة قبل أن يكون هناك رخصة لمزاولة هذه المهنة. والمسلَّم به في هذا الأمر أن رخصة المحاماة ما هي إلا دلالة على امتلاك مؤهل جمع بين العلم والخبرة في هذا المجال، وليس بالضرورة أن من لا يملك هذه الرخصة لا يملك العلم والخبرة؛ فقد رأينا من يترافع في المحاكم ممن هم من هذه الفئة، ويتهاوى أمامهم بعض المحامين من حجتهم ولباقتهم وفطنتهم.. واحتقار هذه الفئة والنظر إليها بهذه الطريقة هو في الأساس احتقار لأصل بداية هذه المهنة الشريفة بالرغم من تطور الأمر، ولكن يبقى الأشخاص هم الأشخاص أنفسهم قبل وبعد تنظيم الرخصة...

ثانيًا: الخوف من هذه الفئة، ومحاولة التركيز عليها في كل محفل وفي كل اجتماع وفي كل وسيلة، دلالة واضحة على عدم الثقة بأمرين: الأول هو أن الله هو الرازق، وهو مقسم الأرزاق؛ فما كُتب لك لن يأخذه وزير عدل ولا دعوجي، وما لم يكتب لك لن تأخذه حتى ولو كان بين يديك. والثاني هو عدم الثقة بالنفس وبالخبرة والمعرفة والجاهزية التي تدفع الناس إلى ترك عدم المؤهل منهم والمجيء إليك. ثالثًا: الاعتراض والامتعاض من ممارسة هذه الفئة هو في الحقيقة مخالفة ضمنية للمشرع والمخول لهذه الفئة بممارسة هذا العمل، وتشكيك في مدى المصلحة من تمكين وتنظيم هذه الجزئية، بل يجب أن يكون المحامي هو الفرد الأول المحافظ على تفعيل تلك الحزمة من الأنظمة، وانقياده بقبول لا يشوبه شك؛ لأن ما وُضع حتمًا كان بعد دراسة ومصلحة متحققة، كيف وتلك الأنظمة هي مستنده وعدته في نصرة كل مظلوم وإعادة الحقوق إلى أهلها؟! والمستغرب هو إطلاق اسم (الدعوجية) حتى على مختصين في مجال القانون، وبعضهم من حملة شهادات عليا، بيد أنه لا رخصة لديهم، مع أن كثيرًا من الدول تمكِّن المختص من المحاماة، إضافة إلى بعض الوظائف الأكاديمية.

رابعًا: وجود هذه الفئة وتنظيم ذلك وحصرهم بـ3 قضايا ضرورة، وهي مصلحة رأتها بلا شك جهة الاختصاص، وإن كان البعض يرى أن الأصل فيهم غير مؤهل. فلو سألنا: هل كل من حصل على رخصة المحاماة مؤهل أخلاقًا ومعرفة ومهارة؟ أم أنها رخصة وفق ضوابط معينة، يختلف بعض المنتسبين فيها، ويتفاوتون، وبعضهم خبرته أقل بكثير من دعوجي ممارس في هذا المجال؟!! ولو سلَّمنا جدلاً هل يقبل صاحب هذا القول بأن يُسمح للمؤهل منهم ويُمنع غير المؤهل حتى لو كان مرخصًا؟؟

خامسًا: المتأمل حقيقة يجد أن أكثر العراك والجدال والإسقاط يقبع في عالم ومجتمع مهنة المحاماة، وكأنها مهنة البقاء للأقوى دون شفقة، أو تغافل عن جزئيات قد تكون عابرة، والأخذ بيد المبتدئ حتى يتقوى، واللين مع المخالف حتى يسكن. والإشكال يزيد عمقًا عند بعض المحاميات حين تزاحم مسائل الحقوق في كل محفل؛ فتقطع أواصر الود بسبب حق قد لا يكون في التغاضي عنه مضرة بقدر ما سيكون في الإصرار عليه.. ضاعت المقاصد، وتاهت المصالح في نظر بعض المهتمين بالماديات على حساب الأُخوَّة والتراحم والود..

سادسًا: ثقافة الحقوق أمرٌ لا بد منه، وهو محل تقدير الشريعة السمحة، ولكن الإغراق فيها والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة يجعلان منا مجتمعًا خاليًا من الرحمة، ومن الود، ومن الوئام.. وهو طريق أخشى مع الزمن أن يذهب بنا إلى الرأس مالية، وإلى منزلقات أخرى قد نعيشها، ولكن تحت مسمى آخر، وإن كان المضمون هو نفسه. والله المستعان.

سابعًا: قد كتبت بعد تجرد، وأنا أعلم تمامًا أن هذه الحروف ستجعل مني أشلاءً تتطاير بين الألسنة، وستفتح بابًا عليَّ من التهم.. وما هذا إلا مصداق لما قلته ونسجته وعايشته لفترة.. ولكن هي حروف محبٍّ، وعتاب محبٍّ، ومشاعر محبٍّ، أحببت طرحها بصدق. وكل التقدير والاحترام للمخالف قبل الموافق.. وهي وجهات نظر.

02 سبتمبر 2018 - 22 ذو الحجة 1439
12:43 AM

الدعوجية والمحاماة!!

محمد العزي - الرياض
A A A
2
1,914

هناك امتعاض بالغ من بعض المحامين من الفئة التي يطلق عليهم "الدعوجية"؛ فربما زاحمت سوق العمل عندهم. وقد لاحظت هذا كثيرًا في الوسط القانوني؛ فأحببت أن أقف قليلاً حول هذا الموضوع. أولاً: المتأمل في بداية المحاماة في السعودية يدرك أنها كانت من خلال هذه الفئة (الدعوجية)؛ إذ إنها هي التي كانت تقوم بمهام المحاماة قبل أن يكون هناك رخصة لمزاولة هذه المهنة. والمسلَّم به في هذا الأمر أن رخصة المحاماة ما هي إلا دلالة على امتلاك مؤهل جمع بين العلم والخبرة في هذا المجال، وليس بالضرورة أن من لا يملك هذه الرخصة لا يملك العلم والخبرة؛ فقد رأينا من يترافع في المحاكم ممن هم من هذه الفئة، ويتهاوى أمامهم بعض المحامين من حجتهم ولباقتهم وفطنتهم.. واحتقار هذه الفئة والنظر إليها بهذه الطريقة هو في الأساس احتقار لأصل بداية هذه المهنة الشريفة بالرغم من تطور الأمر، ولكن يبقى الأشخاص هم الأشخاص أنفسهم قبل وبعد تنظيم الرخصة...

ثانيًا: الخوف من هذه الفئة، ومحاولة التركيز عليها في كل محفل وفي كل اجتماع وفي كل وسيلة، دلالة واضحة على عدم الثقة بأمرين: الأول هو أن الله هو الرازق، وهو مقسم الأرزاق؛ فما كُتب لك لن يأخذه وزير عدل ولا دعوجي، وما لم يكتب لك لن تأخذه حتى ولو كان بين يديك. والثاني هو عدم الثقة بالنفس وبالخبرة والمعرفة والجاهزية التي تدفع الناس إلى ترك عدم المؤهل منهم والمجيء إليك. ثالثًا: الاعتراض والامتعاض من ممارسة هذه الفئة هو في الحقيقة مخالفة ضمنية للمشرع والمخول لهذه الفئة بممارسة هذا العمل، وتشكيك في مدى المصلحة من تمكين وتنظيم هذه الجزئية، بل يجب أن يكون المحامي هو الفرد الأول المحافظ على تفعيل تلك الحزمة من الأنظمة، وانقياده بقبول لا يشوبه شك؛ لأن ما وُضع حتمًا كان بعد دراسة ومصلحة متحققة، كيف وتلك الأنظمة هي مستنده وعدته في نصرة كل مظلوم وإعادة الحقوق إلى أهلها؟! والمستغرب هو إطلاق اسم (الدعوجية) حتى على مختصين في مجال القانون، وبعضهم من حملة شهادات عليا، بيد أنه لا رخصة لديهم، مع أن كثيرًا من الدول تمكِّن المختص من المحاماة، إضافة إلى بعض الوظائف الأكاديمية.

رابعًا: وجود هذه الفئة وتنظيم ذلك وحصرهم بـ3 قضايا ضرورة، وهي مصلحة رأتها بلا شك جهة الاختصاص، وإن كان البعض يرى أن الأصل فيهم غير مؤهل. فلو سألنا: هل كل من حصل على رخصة المحاماة مؤهل أخلاقًا ومعرفة ومهارة؟ أم أنها رخصة وفق ضوابط معينة، يختلف بعض المنتسبين فيها، ويتفاوتون، وبعضهم خبرته أقل بكثير من دعوجي ممارس في هذا المجال؟!! ولو سلَّمنا جدلاً هل يقبل صاحب هذا القول بأن يُسمح للمؤهل منهم ويُمنع غير المؤهل حتى لو كان مرخصًا؟؟

خامسًا: المتأمل حقيقة يجد أن أكثر العراك والجدال والإسقاط يقبع في عالم ومجتمع مهنة المحاماة، وكأنها مهنة البقاء للأقوى دون شفقة، أو تغافل عن جزئيات قد تكون عابرة، والأخذ بيد المبتدئ حتى يتقوى، واللين مع المخالف حتى يسكن. والإشكال يزيد عمقًا عند بعض المحاميات حين تزاحم مسائل الحقوق في كل محفل؛ فتقطع أواصر الود بسبب حق قد لا يكون في التغاضي عنه مضرة بقدر ما سيكون في الإصرار عليه.. ضاعت المقاصد، وتاهت المصالح في نظر بعض المهتمين بالماديات على حساب الأُخوَّة والتراحم والود..

سادسًا: ثقافة الحقوق أمرٌ لا بد منه، وهو محل تقدير الشريعة السمحة، ولكن الإغراق فيها والمحاسبة على كل صغيرة وكبيرة يجعلان منا مجتمعًا خاليًا من الرحمة، ومن الود، ومن الوئام.. وهو طريق أخشى مع الزمن أن يذهب بنا إلى الرأس مالية، وإلى منزلقات أخرى قد نعيشها، ولكن تحت مسمى آخر، وإن كان المضمون هو نفسه. والله المستعان.

سابعًا: قد كتبت بعد تجرد، وأنا أعلم تمامًا أن هذه الحروف ستجعل مني أشلاءً تتطاير بين الألسنة، وستفتح بابًا عليَّ من التهم.. وما هذا إلا مصداق لما قلته ونسجته وعايشته لفترة.. ولكن هي حروف محبٍّ، وعتاب محبٍّ، ومشاعر محبٍّ، أحببت طرحها بصدق. وكل التقدير والاحترام للمخالف قبل الموافق.. وهي وجهات نظر.