دار العجزة مكان جميل

أدخل أعضاء ملتقى "إعلاميون مبادرون"، البسمةَ على نزلاء دار رعاية المسنين، حين وقفوا أخيراً على أحوالهم، وقدّموا بعض الهدايا لهم في محاولة لمشاركتهم همومهم والتقصي عن أوضاعهم.

أقول من يوم ما وعيت على الدنيا أسمع إن المجتمعات الغربية يُلقون بآبائهم وأمهاتهم في دور العجزة ويتخلون عنهم حال الكبر ولا يريدون أن يقدموا لهم أي عون أو مساعدة ولا حتى يزورنهم.

أؤكد لكم أن أول زيارة للدار كانت في شهر رمضان الماضي، ولم أصدق أن بعض الأبناء يتخلون عن والديهم بكل سهولة؛ بل هناك نكران فلذات أكبادهم لكل التضحيات التي قاموا بها في حياتهم، كيف أصدق، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاهتمام بالمسنين ورعايتهم والمحافظة على كرامتهم! ولا نحتاج مثل هذه الدور وقلوبنا قبل بيوتنا مفتوحة لكبار السن؛ نؤكلهم ونشربهم ونساعدهم.

بصراحة كل مقيم في دار العجزة يجد نفسه في مجتمع جديد، منفصلاً تماماً عن ماضيه؛ فهو لا يلقى أي شريك يدعمه ويسانده بدنياً وعاطفياً، ويلجأ إليه كلما شعر بالحاجة لذلك؛ فيعوّد نفسه على النوم وحيداً في سرير غرفته، ينتظر ما ينتظر جميع "جيرانه" الآخرين من نزلاء الدار: "الموت"، ويشرح لنا المسؤولون بالدار أن بعضهم يعيش هنا منذ تسع سنين دون زيارته أو السؤال عنه من قِبَل أقاربه.

يحكي مختص تزايد معاناة هؤلاء الأشخاص بإحساسهم بالغبن، والحرمان من الدفء والجو الأسري، والعزلة عن المجتمع في المناسبات الدينية بحق، إنهم موتى على قيد الحياة ومنسيون خلف جدران الصمت.

وبرغم إيماني الشديد بأن دور الرعاية ليست الحل في استضافة البعض فيها؛ لكن قد تكون الأنسب للحالات التي يتنصل منها البعض من مسؤوليتهم تجاه آبائهم أو أقربائهم، وبرغم أنها ليست كثيرة؛ لكنها في حد ذاتها مؤلمة.

يتفق الكثير من أطباء علم النفس الاجتماعي على أن أفضل مكان يقضي فيه المسنّ حياته هو منزله وبين أهله وذويه وأسرته.

والشيء المحزن والمفرح أن المسنين -حتى يتمكنوا من قهر العزلة والملل- يتشاطرون القصص والتجارب والحكايات، ولو كان أغلبها من الماضي، كما هي طبيعة جميع المسنين الذين يعشقون تكرار سرد أمجاد حياتهم.

وحتى تكون دور العجزة لدينا مكان جميل يجب أن نعرف الفرق بين حياة المسنين في الغرب بتلك الدور وبين حياة المسنين لدينا؛ حيث لديهم القوانين والحقوق والواقعية، نحتاج التعريف بحقوق المسنين ونحدد واجبات الأسرة والمجتمع نحوهم ونلغي مقولة "للبيوت أسرار" ونفرض قوانين واضحة وصارمة تحمي المسنين وتقدم لهم كل أشكال العناية التي تحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم وحياة سعيدة تليق بالدور الذي أسهموا به في الحياة.

أخيراً أحب أن أشكر الزملاء الإعلاميين على المبادرة والزيارة، وأنقل رسالة من المسنين أنفسهم إلى أفراد المجتمع بزيارتهم بين فترة وأخرى؛ فهم بحاجة للزيارات والجلوس معهم.

نايف الحربي
اعلان
دار العجزة مكان جميل
سبق

أدخل أعضاء ملتقى "إعلاميون مبادرون"، البسمةَ على نزلاء دار رعاية المسنين، حين وقفوا أخيراً على أحوالهم، وقدّموا بعض الهدايا لهم في محاولة لمشاركتهم همومهم والتقصي عن أوضاعهم.

أقول من يوم ما وعيت على الدنيا أسمع إن المجتمعات الغربية يُلقون بآبائهم وأمهاتهم في دور العجزة ويتخلون عنهم حال الكبر ولا يريدون أن يقدموا لهم أي عون أو مساعدة ولا حتى يزورنهم.

أؤكد لكم أن أول زيارة للدار كانت في شهر رمضان الماضي، ولم أصدق أن بعض الأبناء يتخلون عن والديهم بكل سهولة؛ بل هناك نكران فلذات أكبادهم لكل التضحيات التي قاموا بها في حياتهم، كيف أصدق، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاهتمام بالمسنين ورعايتهم والمحافظة على كرامتهم! ولا نحتاج مثل هذه الدور وقلوبنا قبل بيوتنا مفتوحة لكبار السن؛ نؤكلهم ونشربهم ونساعدهم.

بصراحة كل مقيم في دار العجزة يجد نفسه في مجتمع جديد، منفصلاً تماماً عن ماضيه؛ فهو لا يلقى أي شريك يدعمه ويسانده بدنياً وعاطفياً، ويلجأ إليه كلما شعر بالحاجة لذلك؛ فيعوّد نفسه على النوم وحيداً في سرير غرفته، ينتظر ما ينتظر جميع "جيرانه" الآخرين من نزلاء الدار: "الموت"، ويشرح لنا المسؤولون بالدار أن بعضهم يعيش هنا منذ تسع سنين دون زيارته أو السؤال عنه من قِبَل أقاربه.

يحكي مختص تزايد معاناة هؤلاء الأشخاص بإحساسهم بالغبن، والحرمان من الدفء والجو الأسري، والعزلة عن المجتمع في المناسبات الدينية بحق، إنهم موتى على قيد الحياة ومنسيون خلف جدران الصمت.

وبرغم إيماني الشديد بأن دور الرعاية ليست الحل في استضافة البعض فيها؛ لكن قد تكون الأنسب للحالات التي يتنصل منها البعض من مسؤوليتهم تجاه آبائهم أو أقربائهم، وبرغم أنها ليست كثيرة؛ لكنها في حد ذاتها مؤلمة.

يتفق الكثير من أطباء علم النفس الاجتماعي على أن أفضل مكان يقضي فيه المسنّ حياته هو منزله وبين أهله وذويه وأسرته.

والشيء المحزن والمفرح أن المسنين -حتى يتمكنوا من قهر العزلة والملل- يتشاطرون القصص والتجارب والحكايات، ولو كان أغلبها من الماضي، كما هي طبيعة جميع المسنين الذين يعشقون تكرار سرد أمجاد حياتهم.

وحتى تكون دور العجزة لدينا مكان جميل يجب أن نعرف الفرق بين حياة المسنين في الغرب بتلك الدور وبين حياة المسنين لدينا؛ حيث لديهم القوانين والحقوق والواقعية، نحتاج التعريف بحقوق المسنين ونحدد واجبات الأسرة والمجتمع نحوهم ونلغي مقولة "للبيوت أسرار" ونفرض قوانين واضحة وصارمة تحمي المسنين وتقدم لهم كل أشكال العناية التي تحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم وحياة سعيدة تليق بالدور الذي أسهموا به في الحياة.

أخيراً أحب أن أشكر الزملاء الإعلاميين على المبادرة والزيارة، وأنقل رسالة من المسنين أنفسهم إلى أفراد المجتمع بزيارتهم بين فترة وأخرى؛ فهم بحاجة للزيارات والجلوس معهم.

07 مارس 2016 - 27 جمادى الأول 1437
09:29 AM
اخر تعديل
31 ديسمبر 2019 - 5 جمادى الأول 1441
02:35 AM

دار العجزة مكان جميل

نايف الحربي - الرياض
A A A
3
2,940

أدخل أعضاء ملتقى "إعلاميون مبادرون"، البسمةَ على نزلاء دار رعاية المسنين، حين وقفوا أخيراً على أحوالهم، وقدّموا بعض الهدايا لهم في محاولة لمشاركتهم همومهم والتقصي عن أوضاعهم.

أقول من يوم ما وعيت على الدنيا أسمع إن المجتمعات الغربية يُلقون بآبائهم وأمهاتهم في دور العجزة ويتخلون عنهم حال الكبر ولا يريدون أن يقدموا لهم أي عون أو مساعدة ولا حتى يزورنهم.

أؤكد لكم أن أول زيارة للدار كانت في شهر رمضان الماضي، ولم أصدق أن بعض الأبناء يتخلون عن والديهم بكل سهولة؛ بل هناك نكران فلذات أكبادهم لكل التضحيات التي قاموا بها في حياتهم، كيف أصدق، وقد أمرنا الله سبحانه وتعالى بالاهتمام بالمسنين ورعايتهم والمحافظة على كرامتهم! ولا نحتاج مثل هذه الدور وقلوبنا قبل بيوتنا مفتوحة لكبار السن؛ نؤكلهم ونشربهم ونساعدهم.

بصراحة كل مقيم في دار العجزة يجد نفسه في مجتمع جديد، منفصلاً تماماً عن ماضيه؛ فهو لا يلقى أي شريك يدعمه ويسانده بدنياً وعاطفياً، ويلجأ إليه كلما شعر بالحاجة لذلك؛ فيعوّد نفسه على النوم وحيداً في سرير غرفته، ينتظر ما ينتظر جميع "جيرانه" الآخرين من نزلاء الدار: "الموت"، ويشرح لنا المسؤولون بالدار أن بعضهم يعيش هنا منذ تسع سنين دون زيارته أو السؤال عنه من قِبَل أقاربه.

يحكي مختص تزايد معاناة هؤلاء الأشخاص بإحساسهم بالغبن، والحرمان من الدفء والجو الأسري، والعزلة عن المجتمع في المناسبات الدينية بحق، إنهم موتى على قيد الحياة ومنسيون خلف جدران الصمت.

وبرغم إيماني الشديد بأن دور الرعاية ليست الحل في استضافة البعض فيها؛ لكن قد تكون الأنسب للحالات التي يتنصل منها البعض من مسؤوليتهم تجاه آبائهم أو أقربائهم، وبرغم أنها ليست كثيرة؛ لكنها في حد ذاتها مؤلمة.

يتفق الكثير من أطباء علم النفس الاجتماعي على أن أفضل مكان يقضي فيه المسنّ حياته هو منزله وبين أهله وذويه وأسرته.

والشيء المحزن والمفرح أن المسنين -حتى يتمكنوا من قهر العزلة والملل- يتشاطرون القصص والتجارب والحكايات، ولو كان أغلبها من الماضي، كما هي طبيعة جميع المسنين الذين يعشقون تكرار سرد أمجاد حياتهم.

وحتى تكون دور العجزة لدينا مكان جميل يجب أن نعرف الفرق بين حياة المسنين في الغرب بتلك الدور وبين حياة المسنين لدينا؛ حيث لديهم القوانين والحقوق والواقعية، نحتاج التعريف بحقوق المسنين ونحدد واجبات الأسرة والمجتمع نحوهم ونلغي مقولة "للبيوت أسرار" ونفرض قوانين واضحة وصارمة تحمي المسنين وتقدم لهم كل أشكال العناية التي تحفظ لهم كرامتهم وإنسانيتهم وحياة سعيدة تليق بالدور الذي أسهموا به في الحياة.

أخيراً أحب أن أشكر الزملاء الإعلاميين على المبادرة والزيارة، وأنقل رسالة من المسنين أنفسهم إلى أفراد المجتمع بزيارتهم بين فترة وأخرى؛ فهم بحاجة للزيارات والجلوس معهم.